أوضحت الحلقة الثانية من سلسلة "الحرب العالمية الأولى في عيون العرب" التي بثت الجمعة 21/11/2014 أن دخول السلطنة العثمانية الحرب العالمية الأولى وفر ذريعة للقوى الأوروبية لفرض حل نهائي لما كانت تعرف بـ"المسألة الشرقية" أي تقاسم الغنائم فور سقوط السلطنة التي كانت تعرف بـ"رجل أوروبا المريض".

وقدرت السلطنة العثمانية -التي كانت قد التزمت الحياد أول الأمر- أن انحيازها لألمانيا هو أضمن وسيلة لمنع أوروبا التوسعية من انتزاع مزيد من الأراضي العثمانية.

وقد مكن دخول العثمانيين الحرب ألمانيا والنمسا -اللتين كانت قواتهما أقل عددا وعدة من قوات الحلفاء- من الاستمرار في القتال سنتين إضافيتين، ولولا العثمانيون لانتهت الحرب عام ١٩١٦.

معاناة
كان الجيش العثماني يضم -عند دخوله الحرب في نوفمبر/تشرين الثاني ١٩١٤- حوالي ثلاثمائة ألف جندي عربي من الشام والعراق كانوا يمثلون حوالي ثلث قوام الجيش.

قاسى المدنيون كثيرا أثناء الحرب في كامل أراضي الدولة العثمانية، ولكن أشد المعاناة كانت في بلاد الشام، كما أن معاناة الدولة العثمانية كانت أقسى بكثير من معاناة أي من القوى الأوروبية، إذ تراوحت نسبة القتلى العثمانيين بين ١٤ و٢٥%.

وقع بعض هؤلاء الضحايا في ساحات القتال في حين راح البقية بأسباب أخرى، فقد اجتاحت المجاعة أراضي الدولة العثمانية، ولا سيما بلاد الشام، هذا إضافة إلى انتشار الجراد، خصوصا عام ١٩١٥.

ولكن ويلات الحرب بالنسبة لمواطني الدولة العثمانية لم تنحصر في المجاعة، ولم تتوقف عند بلاد الشام، إذ حمل ستمائة ألف من المجندين الهنود في الجيش البريطاني أمراضا مثل التيفوئيد، والكوليرا، والإسهال وما تسمى الحمى المسببة للهزال، والتي يمكن أن تؤدي إلى النوبات والغيبوبة.
 
وهكذا تعرض كثير من الناس في العراق للعدوى رغم عدم ذهابهم إلى الحرب، والحقيقة أن نسبة الضحايا بين المصابين بالأوبئة أعلى بكثير من نسبة الضحايا بين الذاهبين لجبهات القتال.

كان العرب مدركين أنه لا علاقة لهم بهذه الحرب التي اشتدت عليهم وطأتها منذ البداية، وكانت لديهم دوافع حقيقية للتفكير بمصيرهم ومستقبلهم بعد دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى.

طلاق سياسي
وفرضت دول الحلفاء على البلاد العربية حصارا اقتصاديا منع الحجاج من الوصول إلى مكة، ومنعت المواد التي كانت تأتي من أوروبا من دخول هذه البلاد، ومنع التصدير إلى خارجها، الأمر الذي جعلها في أزمة اقتصادية حادة.

وأثارت دعوة مفتي الإسلام إلى الجهاد أملا لدى ألمانيا في احتمال اندلاع انتفاضة إسلامية ضد أعدائها: روسيا في آسيا الوسطى، وبريطانيا في مصر والهند، وفرنسا في المغرب العربي، ولذلك قامت برلين بمساع لدى إسطنبول للتشجيع على إعلان الجهاد.

وعلى الرغم من استبسال الجنود العثمانيين في القتال -بشهادة أعدائهم البريطانيين والروس- فإن القيادة العسكرية العثمانية ممثلة في رجل النظام القوي وزير الحربية أنور باشا قد ارتكبت في حق جيشها أخطاء شنيعة بلغت حد الجرائم.

وقد أرسل أنور باشا عشرات الآلاف من الجنود في شتاء ١٩١٤ و١٩١٥ إلى منطقة ساريكاميش في شرق الأناضول للقتال ضد الروس، ولكن معظمهم كانوا بدون أسلحة، بل وبدون أحذية.

وقضى في هذه الحملة أكثر من ثلثي القوات العثمانية، أي أكثر من أربعين ألف جندي، في ما وصفه ضابط ألماني بأنه كارثة لا مثيل لها في التاريخ العسكري.

وفرت الحرب العالمية الأولى سياقا عاما لتطور ثلاث حركات قومية في الشرق، هي الحركات العربية والتركية والصهيونية.

وكرست بذلك طلاقا سياسيا صاخبا بغيضا بين العرب والأتراك، وبالنسبة لعرب المشرق لم يبق من أربعة قرون كاملة من التاريخ العثماني في بلاد الشام سوى ذكرى أربعة أعوام رهيبة، فكأن أربع سنين عجاف أكلت أربعة قرون سمان.

أما بالنسبة للأتراك فقد عد تنامي الشعور العروبي -خصوصا بعد انطلاق الثورة العربية من الحجاز- خيانة وتحيزا للأعداء.

 البطاريات العثمانية في غاليبولي (الجزيرة)
  


 

العثمانيون يدعون للتجنيد في لبنان 1914 (الجزيرة)

 

 

 خط حديد بغداد برلين (الجزيرة)

 

 

 شيخ الإسلام يعلن الجهاد 1914 (الجزيرة)

 

 

عرب على قطار الحجاز (الجزيرة)

 

 

كمال أتاتورك مرتديا زيا ليبيا (الجزيرة)