شرح رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو رؤية بلاده للتطورات الجارية في المنطقة والتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وفسر أسباب عدم تدخل أنقرة حتى الآن في الصراع الدائر بمدينة عين العرب (كوباني) شمالي سوريا، وأوضح موقف بلاده من التمدد الإيراني بعدد من دول المنطقة.

وقال أوغلو في حلقة الأربعاء (15/10/2014) من برنامج "بلا حدود" إن تركيا لن تتدخل بمفردها في عين العرب أو في سوريا بشكل عام، معتبرا أن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية دون إيجاد حل للأزمة السورية لن ينهي مشكلات سوريا ولا المنطقة.

وأكد رئيس الوزراء التركي أن بلاده لن تتردد في استخدام القوة العسكرية في عين العرب أو غيرها إذا تعرض أمنها القومي للخطر، مشيرا إلى التفويض الذي حصلت عليه الحكومة التركية من البرلمان في هذا الإطار، وشدد على أن تركيا في هذه الحالة لن تنتظر موافقة من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وأوضح أن الأزمة السورية لم تبدأ اليوم ولكنها مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويقتل فيها المدنيون والأطفال ليصل عدد القتلى حتى الآن أكثر من 300 ألف إنسان، إضافة إلى أكثر من أربعة ملايين لاجئ تستضيف تركيا منهم مليونا ونصف المليون.

ويرى أوغلو أن تنظيم الدولة ظهر بسبب فراغ السلطة والقمع والقوة المفرطة التي استخدمها نظام الرئيس السوري بشار الأسد ضد شعبه، لافتا إلى أنه منذ بداية الأزمة حاولت تركيا منع النظام من الظلم باستخدام علاقاتها الطيبة معه، وكان المجتمع الدولي لا يريد لتركيا التدخل، فلماذا يطالبونها الآن بالتدخل.

المصلحة الإستراتيجية لتركيا هي بناء سوريا الجديدة، لأن القضاء على تنظيم الدولة لا يعني انتهاء التنظيمات المتطرفة التي قد تحل محله

عين العرب
وبشأن الاشتباكات الدائرة في مدينة عين العرب الحدودية، قال أوغلو "استقبلنا 200 ألف شخص خلال أسبوع واحد، أي أكثر بكثير ممن استقبلتهم أوروبا في الأعوام الماضية"، وشدد على أن تدخل تركيا بمفردها في سوريا لن يؤدي لحل دائم للأزمة، ولكن على المجتمع الدولي التدخل في كل "مناطق الظلم" في سوريا.

ورغم إقراره بأن سيطرة تنظيم الدولة على مناطق مجاورة لتركيا يشكل خطرا وتهديدا إستراتيجيا لها، فإنه أكد أن هناك مناطق أخرى واقعة على حدود تركيا مع سوريا وذات أهمية إستراتيجية أيضا، مشددا على أنه على الجميع المساهمة في عدم وقوع عين العرب في أيدي التنظيم وإقامة منطقة حظر جوي وحماية المدنيين.

واعتبر أن المصلحة الإستراتيجية لتركيا هي بناء سوريا الجديدة، لأن القضاء على تنظيم الدولة لا يعني انتهاء التنظيمات المتطرفة التي قد تحل محله، كما أن النظام السوري قد يملأ مكان التنظيم حال هزيمته.

أما عن الجدل الذي أثاره الطلب التركي بإقامة منطقة عازلة شمال سوريا، فقد كشف رئيس الوزراء التركي أن بلاده لم تطلب منطقة عازلة، وإنما منطقة آمنة تحت حماية المجتمع الدولي أو التحالف الدولي ضد التنظيم، بحيث يكون الناس في أمان داخل بلادهم من القصف الجوي أو البري.

وأوضح أن مساحة وطبيعة هذه المناطق الآمنة تحددها كثافة السكان فيها، مضيفا أن الأفضل أن تقوم الأمم المتحدة بتحديدها لكي تكون لها مشروعية دولية، أو أن يقوم التحالف الدولي بذلك كما سبق حدوثه في حرب الخليج الأولى، وقال إن بلاده مستعدة للإسهام في هذه المناطق، ولا تريد التدخل بمفردها، مؤكدا أن خطط التسوية يجب أن تشمل كل سوريا.

الأزمات التي لا تحل في وقتها تتدحرج ككرة الثلج وتتضخم جدا ونضطر لإيجاد مخرج بعد إهدار الكثير من الدماء

تنظيم الدولة
وعن ظروف ظهور تنظيم الدولة وتمدده بالشكل الذي وصل إليه حاليا، قال أوغلو "ندفع الآن ثمن الأزمات التي لم تتم تسويتها في وقتها، فثورات الربيع العربي طالبت بمطالب مشروعة وشكلت أملا عام 2012، لكن منذ 2013 وحتى الآن تم قمع هذه المطالب وتقاعس المجتمع الدولي عن معاقبة من قمع الشباب العربي".

وتساءل "لو أن بشار الأسد لم يقم بقصف شعبه واستمع لهم ولمطالبهم بدلا من ذلك فهل كان سيظهر تنظيم الدولة؟"، واستطرد "الأزمات التي لا تحل في وقتها تتدحرج ككرة الثلج وتتضخم جدا ونضطر لإيجاد مخرج بعد إهدار الكثير من الدماء"، معتبرا أن الحل الوحيد لمنع ظهور مثل هذه التنظيمات هو وجود أنظمة سياسية مشروعة وقادة سياسيين يحترمون إرادة شعوبهم.

واتهم أوغلو النظام السوري بأنه مهّدَ لدخول مسلحي التنظيم إلى بعض المناطق السورية، ودعمهم "تكتيكيا"، ناهيك عن أنه لم يتخذ أي إجراء لمحاربتهم.

وقال إن عناصر في التنظيم كانوا سجناء في سجني أبو غريب العراقي والمزة السوري، وهم أفراد ذوو خبرة تمكنوا من تجميع أنفسهم وتنظيم أمورهم فقادوا تنظيما إرهابيا له خبرة وقدرات مكنته من اجتياح مساحات شاسعة في العراق وسوريا والسيطرة عليها.

اسم البرنامج: بلا حدود

عنوان الحلقة: أوغلو: سنستخدم القوة بسوريا إذا تعرضنا للتهديد

مقدم الحلقة: أحمد منصور

ضيف الحلقة: أحمد داود أوغلو/ رئيس الوزراء التركي

تاريخ الحلقة: 15/10/2014

المحاور:

-   الموقف التركي من قضية عين العرب

-   مناطق آمنة لحماية الشعب السوري

-   سر قوة داعش

-   حسابات تركيا في الحرب على داعش

-   حقيقة علاقة أنقرة بتنظيم الدولة

-   إسقاط الأسد ومحاربة داعش

-   التمدد الإيراني في دول المنطقة

-   التقارب الغربي مع إيران

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أُحييكم من العاصمة التركية أنقرة وأُرحب بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج "بلا حدود"، أصبحت التحديات الداخلية والخارجية الّتي تواجه الحكومة التركية هائلةً ومتنوعة فيما يتغير الواقع الجغرافي والسياسي من حولها بشكلٍ كبير ومُتسارع، وفي حلقة اليوم نحاول التعرّف على الموقف التركي من المسؤول الأول في حكومتها البروفيسور أحمد داوود أوغلو رئيس الحكومة التركية في أول حوارٍ يُدلي به إلى قناةٍ تلفزيونيةٍ عربية، معالي رئيس الوزراء مرحباً بك.

أحمد داود أوغلو: مرحباً بكم.

الموقف التركي من قضية عين العرب

أحمد منصور: أشكرك، شكراً جزيلاً أن خصصت شبكة الجزيرة بهذا الحوار وبلا حدود تحديداً، هُناك انتقادات كبيرة واسعة توجه إلى الحكومة التركية بسبب عدم تدخلها في عين العرب، لماذا لم تتدخلوا عسكرياً في عين العرب إلى الآن؟

أحمد داود أوغلو: في الحقيقة أحداث سوريا لم تبدأ اليوم، أحداث سوريا مستمرة مُنذ 3 سنوات حيث يُقتل فيها المدنيون والناس الأبرياء والأطفال من قِبل نظامٍ ظالم واستَشهد حتى الآن نحو 300 ألف إنسان وتحول أكثر من 4 ملايين شخص إلى لاجئين منهم مليون ونصف المليون في تُركيا وهُناك 10 ملايين شخصٍ مشردون في سوريا بينما دُمّرت معظم المدن السورية، إن داعش ظهرت نتيجة فراغ السُلطة والقوة الّذي ظهر بسبب هجمات النظام ضد الشعب السوري الّذي لا حماية له، وللأسف اليوم الشعب السوري اليوم يقع بين عنف النظام وظلمه وبين ظلم بعض المنظمات الإرهابية وقمعها، ومُنذ بداية هذه الأزمة حاولت تُركيا أن تمنع النظام من الظلم باستخدام علاقتها الطيبة فدعته إلى حماية المدنيين ودعت المجتمع الدولي أيضاً لحماية المدنيين الأبرياء، والّذين لم يستجيبوا لهذه الدعوة في ذلك الوقت كانوا لا يريدون تدخل تُركيا في هذه المسألة، يريدون الآن من تُركيا التدخل في مسألةٍ مُشابهة وهي مسألة عين العرب كوباني، نحن لدينا مبدأٌ واضحٌ بشأن سوريا إن تُركيا تقف إلى جانب جميع الأشقاء السوريين مهما كان انتماؤهم العرقي والطائفي وأياً كانوا من العرب والتُركمان أو من السنة أو من العلويين أو المسيحيين، كل هؤلاء الإخوة والأصدقاء يجدوننا إلى جانبهم عندما يحتاجوننا ولهذا السبب نحن استقبلنا نحو مليون و600 ألف لاجئٍ من العرب والأكراد والتُركمان السوريين، وقمنا بكل ما نستطيع عندما احتاجونا في حلب وإدلب وإعزاز ورأس العين وكل المدن الحدودية، وفي موضوع عين العرب كوباني أيضاً اتخذنا نفس الموقف استقبلنا 200 ألف شخص من إخواننا في عين العرب خلال أسبوعٍ واحد وهذا يعني أن عدد اللاجئين الّذين استقبلتهم أوروبا خلال السنوات الماضية أقل بكثير من عدد اللاجئين الّذين استقبلناهم نحن في أسبوعٍ واحد، نحن فتحنا أفئدتنا وأبوابنا لإخواننا السوريين، إن تدخل تُركيا بمفردها في الحرب في سوريا بأي شكلٍ من الأشكال لن يؤدي لحلٍ دائمٍ للأزمة، إذا كانت هُناك حاجةٌ فعليةٌ للتدخل فعلى المجتمع الدولي أجمع أن يتدخل ليس في عين العرب فقط بل في كل مناطق الظُلم في سوريا لأن الظُلم في سوريا كان موجوداً من قبل ظهور داعش، فداعش ظهرت في شهر مارس من العام الماضي وقبل داعش قُتل مئات الآلاف من الناس بأسلحة الدمار الشامل وبصواريخ سكود واضطر الناس للهروب بأعدادٍ هائلة إلى الخارج.

أحمد منصور: لكن عين العرب على وجه التحديد لها أهمية إستراتيجية خاصة بالنسبة لتُركيا وليس بالنسبة لسوريا فقط، مصالحكم الأمنية تقتضي الحفاظ على عين العرب من السقوط في أيدي داعش.

أحمد داود أوغلو: إن سيطرة داعش على مناطق مجاورةٍ لنا يُشكّل خطراً وتهديداً إستراتيجياً على تُركيا وبالنسبة لنا فإن إعزاز وإدلب واللاذقية وجرابلس ورأس العين كل هذه المناطق الواقعة على طول 910 كيلومتر على حدودنا مع سوريا ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة لنا، بالطلع لا نُريد سقوط عين العرب بيد داعش ولذلك على الجميع أن يُساهم في منع ذلك ومن أجل عدم حصول ذلك نرى من الضرورة إعلان منطقةٍ آمنةٍ توفر الحماية للمدنيين وكذلك نُريد منطقة حظرٍ جوي تحمي المدنيين من أي قصفٍ جوي قد يقوم به النظام بعد إبعاد داعش عن المنطقة، نحن نشعر بالحزن والأسف لما يحصل في كوباني أو عين العرب لكن للأسف أيضاً لا أحد يتحدثُ عن قصف طائرات النظام للشعب في حلب ولا أحد يتحدثُ عن استمرار ظُلم النظام السوري لشعبه، إن السبب الأساسي لظهور داعش هو سياسة النظام الوحشية والقمعية تجاه شعبه وكلما فقدت المعارضة السورية المُعتدلة والجيش السوري الحُر اللذان يُحاربان النظام قوتهما فإن داعش الّتي تحصل على تدعم النظام تزداد قوة لذلك فإن المصلحة الإستراتيجية لتُركيا هي في بناء سوريا الجديدة وإلّا فإن تصفية داعش الآن قد تُظهر منظماتٍ إرهابية جديدة تملأ مكان داعش وقد يملأ النظام مكان داعش وأعتقد أن هذه مسألةٌ أساسيةٌ لنا وللعالم أيضاً ومن الضروري مُساعدة إخواننا السوريين في بناء سوريا جديدة يتساوى فيها الجميع ويعيشون بعدالة.

أحمد منصور: ما شكل المنطقة العازلة الّتي تطالبون بها؟ وما هي مساحتها؟

مناطق آمنة لحماية الشعب السوري

أحمد داود أوغلو: نحن لم نُطالب أبداً بمنطقةٍ عازلة نحن نُطالب بمنطقة آمنة، عندما نقول منطقةً عازلة يكون لها معنى عسكري وقد تبدو كأنها منطقة عبورٍ بين تُركيا وبلدٍ آخر نحن ليس لدينا أية أطماع سواء في أراضي سوريا أو أي دولةٍ أخرى.

أحمد منصور: الإعلام العالمي كله يتحدث عن منطقة عازلة وليس منطقة آمنة كما تقول الآن.

أحمد داود أوغلو: منطقةٌ آمنة، نحن نقصد المنطقة الآمنة أي تكون تحت حماية المجتمع الدولي أو تحت حماية التحالف الدولي ويكون الناس في منطقة مؤمنة ضد القصف الجوي أو القصف البري، نحن لماذا نُريد ذلك؟ لأن المصدر الأساسي لموجات اللاجئين الّتي دخلت تُركيا هو القصف الجوي للنظام السوري، نحن لدينا الآن ما مجموعه مليون و800 ألف لاجئ منهم 200 ألف لاجئ هرب من داعش في كوباني خلال أسبوعٍ واحد ولذلك وحسب هذه الأرقام فإن القضاء على داعش لن يُنهي الخطر على السوريين لأن التهديد الأكبر على السوريين يأتي من النظام السوري وفي حال التمكن من إعلان مناطق آمنة سيكون هذا الشعب في مناطق داخل أراضيه وستقوم تُركيا بتلبية كافة احتياجاته فيها، نحن نُريد أن يظل إخواننا السوريين في أراضيهم وينشئوا دولتهم الجديدة على أراضيهم وبالتأكيد سنواصل دعمهم لذلك ما نُريده ليس منطقةً عازلة بمعنى عسكري بل منطقةٌ آمنة تتوافر فيها الحماية والمُساعدة الإنسانية للناس وهذه المناطق تختلف في مواقعها وعمقها حسب المكان الّذي ستُقام فيه لكنها في النهاية هي لاستيعاب الناس.

أحمد منصور: ما حدودها؟ ما مساحتها؟

أحمد داود أوغلو: مساحة وطبيعة هذه المناطق تتحدد حسب الكثافة السكانية لموقعها مثلاً في حلب هُناك هجماتٌ من النظام ومن داعش ولذلك ستكون هُناك أكثر من منطقةٍ بين حلب والحدود التركية ومناطق بين إدلب والحدود التركية وكذلك بين تُركيا وشمال اللاذقية وفي منطقة جرابلس حالياً وفي منطقة عين العرب أيضاً أي في كل هذه المناطق الّتي تحتاج لمثل هذه المواقع الآمنة الّتي تتغير مساحتها وعمقها حسب الظروف وأمن الناس.

أحمد منصور: من الّذي يُحددها، أنتم الأتراك أم الأمم المتحدة؟

أحمد داود أوغلو: الأفضل أن تقوم الأمم المتحدة بتحديدها لكي تكون لديها مشروعيةٌ دولية قوية وإن عجزت الأمم المتحدة عن اتخاذ قرار وللأسف وكما تعلمون فنحن في تُركيا دائماً ننتظر من مجلس الأمن الدولي أن يتخذ قرارات وهو لا يأخذ مثل هذه القرارات، في هذه الحالة فإن التحالف الدولي الّذي تشكل ضد داعش والدول الراغبة في المُشاركة طوعاً قد تتخذ مثل هذا القرار وتؤمن الحماية لهذه المناطق، وقد شاهدنا مثل هذا الأمر في التسعينيات في العراق بعد حرب الخليج الأولى فقد تم تحديد مناطق حظرٍ جوي لفترةٍ طويلةٍ في العراق وكانت مناطق آمنةً تجاه هجمات صدام وتُركيا مُستعدة للإسهام في مثل هذه المناطق الآمنة إذا تقرر تشكيلها أمّا إذا لم تكن هذه المناطق موجودة فتُركيا لا تُريد التدخل بمفردها ولا نُريد أن تتحمل تُركيا بمفردها كل هذه المخاطر، الأمر الّذي نؤكد عليه هنا أنه مهما كانت خطط التسوية فيجب أن تشمل كل سوريا ويجب أن لا تكون ذات بُعدٍ واحد ولا تنحصر في منطقةٍ أو مدينةٍ واحدةٍ فقط ومثلما يستحق أشقاؤنا الأكراد الحماية في عين العرب يستحق العرب في تل الأبيض أيضاً هذه الحماية وكذلك يستحق التُركمان في منطقة شومان بي وبيار بوجاك الحماية أيضاً ويسحق العرب في إدلب والأكراد في عفرين هذه الحماية، إن التركيز على نقطةٍ واحدةٍ فقط وضد الخطر القادم من داعش فقط سيُشكّل حلاً مؤقتاً لهذه الأزمة أمّا نحن فنعتقد أن الوقت قد حان وحتى تأخر لتسويةٍ شاملةٍ في سوريا.

أحمد منصور: ما حقيقة التسريبات الّتي تقول بأن الولايات المتحدة وبريطانيا قد قبلت شرطكم المتعلق بالمناطق الآمنة وهي في طريقها للموافقة عليه الآن؟

أحمد داود أوغلو: نحن نتباحث مع جميع الأطراف في هذا الأمر، نحن عشنا 3 سنوات ونصف مؤلمةً جداً فلدينا أطول حدودٍ مع سوريا وهي 911 كيلومتر، إن الدول البعيدة قد لا تفهم فوراً المآسي الّتي تحدث هنا، نحن نوجه نداءاتٍ للمجتمع الدولي دون كللٍ أو ملل طوال 3 سنواتٍ ونصف وليس في موضوع سوريا فقط بل في موضوع العراق أيضاً، شرحنا للعالم أن السياسات الطائفية والسياسات المعتمدة على شريحةٍ واحدة في المجتمعات في العراق وسوريا تؤدي إلى فراغٍ سلطوي فيهما وما زلنا نُحذر ولكن للأسف ولأنه لم يتم التوصل إلى فكرٍ مشترك في هذا الموضوع فقد قُتل مئات الآلاف من إخواننا في سوريا هؤلاء بشر وحياة كلٍ من هؤلاء عزيزةٌ عليه مثل كافة البشر في البُلدان الأخرى، إن المهمة الأساسية لمجلس الأمن الدولي هي إيجاد تسويةٍ لمثل هذه الأزمات الكبيرة لكن للأسف لم يحدث ذلك ونحن كتُركيا نشرح هذا الأمر دائماً للدول المعنية مثل بريطانيا والولايات المتحدة والدول الأخرى ونؤكد أن السبيل الوحيد للحل وهو تسويةٌ شاملة.

أحمد منصور: كُتّاب ومحللين غربيين بريطانيين أميركيين ألمان يقولون نحن لا نفهم طبيعة الحرب الّتي تشنها الولايات المتحدة والتحالف ضد داعش، حرب الـ400 مليار دولار هل يُمكن أن تشرح لنا ماهية هذه الحرب وأهدافها في ظل أن داعش تتمدد كل يوم وتُحقق انتصارات؟

أحمد داود أوغلو: في الحقيقة نحن ندفع ثمن الأزمات الّتي لم تتم تسويتها في وقتها، فعندما بدأ الربيع العربي قبل 3 سنوات وعندما خرج الشباب العربي إلى الشوارع كانوا يُطالبون بما يُطالب به كل الشباب في العالم أي حريةٌ ورفاهيةٌ أكثر وحياةٌ كريمةُ أكثر ومشاركةٌ سياسية وعلاقةٌ مع قادةٍ يُمكن محاسبتهم على أعمالهم، هذه مطالب كان يرددها الشباب في كافة أنحاء العالم في أوروبا وأفريقيا، هذه المطالب الّتي أُطلقت في عام 2011 شكلت أملاً في عام 2012  ولكن ومُنذ عام 2013 وحتى الآن تم قمع هذه المطالب وتقاعس المجتمع الدولي عن التصدي لمن قام بقمع هذه المطالب وعدم اتخاذ موقفٍ مبدأي لدعم هذه المطالب هذا الأمر أدى إلى ظهور داعش أنا أقول ذلك لأن داعش هي نتيجة وهي خطرٌ كبيرٌ وتهديدٌ كبير ولا يُمكن التسامح معها، من ناحيةٍ أخرى على الجميع أن يفهم أنه يجب القيام بجهودٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ وسياسية خلال مكافحة داعش، عندما تفقد الشعوب أملها بسبب القمع يبرز التطرف يجب أن نسأل: من الّذي حطم آمال الشباب العربي؟ من الّذي حطم آمال الناس في حمص وحلب رغم أنهم كانوا يطالبون بالحرية والحقوق السياسية، كانت هُناك آمالٌ كبيرةٌ جداً في كافة أنحاء الوطن العربي عام 2011 وكان هُناك طموحٌ لمستقبلٍ باهر، أيُّ كفاح يتم دون أي إجابة على هذه التساؤلات قد يصل إلى تسويةٍ معينة لكنها ستكون مؤقتةٌ لأن تنظيماً إرهابياً سيذهب ويأتي مكانة آخر وأساساً يجب احترام أفكار ومطالب الشباب العربي، نحن كنا نتحدث عن القاعدة قبل 5 أو 10 سنوات وكنا نتحدث عن تنظيماتٍ إرهابيةٍ أيضاً والآن نتحدث عن داعش، الحل الوحيد لذلك هو أنظمةٌ سياسيةٌ مشروعة وقادةٌ سياسيون يحترمون إرادة الشعوب نحن في تُركيا وصلنا إلى هذا الأمر بعد تجارب سياسية كبيرة، لنفكر لو أن بشار الأسد لم يقم بقصف شعبه وجرب الاستماع لشعبه ولو لم يستخدم الأسلحة الكيماوية وصواريخ سكود ضد شعبه وفضّل الاستماع لمطالبهم بدل ذلك فهل كانت ستظهر داعش؟ وعندما رفض الأسد الاستماع لشعبه وبدأ يقتله لو أن المجتمع الدولي يتحرك ضد ميلوسوفيتش الّذي ارتكب مجازر ضد شعبه، لو أنه تحرك ضد الأسد عندما استخدم الكيماوي وصواريخ سكود ضد شعبه فهل كانت ستظهر داعش؟ إن الأزمات الّتي لا تُحل في وقتها تتدحرج ككرة الثلج وتصبح ضخمةً جداً تكلف تسويتها مليارات الدولارات وتحتاج إلى عملياتٍ خطيرة جداً ونضطر إلى الوصول إلى نتيجةٍ بعد إهدار الكثير من الدماء، الأمر المهم هنا هو الوقاية مثلما في الطب أي تطوير سياساتٍ للتسوية قبل أن تتفاقم المشاكل ولهذا السبب نحن نقول للذين يقدمون التوصيات لنا حالياً طوروا إستراتيجية شاملة ومبادئها واضحة ولنرى نتائجها ونقدم ما نستطيع من إسهام، لكن إذا لم يتم فعل ذلك وتمت المكافحة من خلال بُعدٍ واحدٍ وضد هدف واحدٍ فقط فإننا يُمكن أن نصفي تنظيماً إرهابياً حالياً لكن لا يمكن تحقيق النصر ضد الإرهاب والتطرف الحقيقي لذلك نحن نعتقد بتطوير إستراتيجيةٍ شاملة ذات أبعادٍ سياسيةٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وإنسانية من أجل الوصول إلى تسويةٍ دائمة.

أحمد منصور: معالي رئيس الحكومة هناك علامات استفهام كثيرة وربما كبيرة حول داعش وظهورها وتمددها بهذا الشكل الكبير في خلال هذه الفترة الوجيزة كثيرون يقولون إن داعش هي صنيعة استخباراتية غربية تقف وراءها المخابرات الغربية وتم اختراقها وجمع الشباب الّذي لديه حماس وإحباط في العالم العربي أنتم كحكومة تركية من هي داعش؟

أحمد داود أوغلو: في الحقيقة العوامل الّتي أفرزت داعش تعود إلى قبل 10 سنوات فقد ظهرت كتنظيم قاعدة بعد التدخل الأميركي في العراق وبعد ذلك بدأت تغيّر تركيبتها تدريجياً وبدأت تتحول حتى أصبحت في مارس العام الماضي كياناً ينشط في العراق وسوريا، متى بدأ نجم داعش يتصاعد؟ عندما تم تهميش الشرائح السنية الواسعة في بغداد ودمشق ووجهوا بمواقف مذهبية، آنذاك بدأت الشرائح الشعبية الموجودة بين الموصل وحلب والأنبار والرقة والمناطق المحيطة بدأت بالبحث عن خياراتٍ أخرى لكن العامل الأساسي الّذي أفرز داعش برأيي هو إطلاق سراح مجموعة سجناء من سجن أبو غريب وسجن المزه وهؤلاء لديهم خبرةٌ في الإرهاب وهذا أمرٌ مثير لأن هؤلاء السجناء ذوي الخبرة بدءوا بتجميع قواهم في العراق وسوريا، وفي هذه الفترة النظام السوري لم يتخذ أي إجراءٍ ضد داعش ولم يقصفهم بل دعمهم تكتيكياً وقام النظام السوري بقصف الجيش السوري الحُر جواً وعندما انسحب الجيش السوري الحُر من عدة مناطق مثل جرابلس وإعزاز بسبب القصف الجوي الشديد قامت داعش بملء الفراغ الّذي تركه ولأن النظام السوري لم يملك الجرأة لزج بقواتٍ بريةٍ كافية تقاوم الجيش السوري الحُر قام بقصفهم جواً ومهد لدخول قوات داعش إلى مناطق المواجهات وكذلك فإن حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يقول أنه يمثل كل الأكراد وهذا غير صحيح عاش فترة طويلة إلى جانب داعش دون مواجهة، فحزب الإتحاد الديمقراطي وداعش تعاونا مع النظام لفترة طويلة وكان هدفهم جميعا تضييق نطاق فعالية الجيش السوري الحر والذي كان يدافع عن الشعب السوري، في مثل هذه الظروف ظهرت داعش وعندما جرى تهميش السنة في الموصل وبغداد وظهرت ردود فعل اتجاه ذلك وجدت داعش مناخا مناسبا للنشاط، وللعلم التنظيمات مثل داعش تكون مناسبة لاستخدامها من قبل أجهزة استخبارات مختلفة لتحقيق أهدافها والنقطة الأساسية هنا هي عدم تجاهل أن النظام السوري وفر دعما تكتيكا مهما لداعش، فلو لم يقصف النظام  الجيش السوري الحر جوا لما اضطر الأخير للانسحاب منها.

سر قوة داعش

أحمد منصور: نحن نلاحظ أن داعش تتحرك في خريطة مرسومة لا تخرج عليها، من يتتبعها تقف عند نقاط معينة تتحرك في نقاط معينة كأنها تتحرك في خريطة محددة بالنسبة إليها، هل لديكم معلومات موثقة عن علاقات استخباراتية لها لاسيما وأن الجيوش تتهاوى أمامها مثل رقع الشطرنج، ما الذي يجعل قوة صغيرة في خلال عام واحد تسيطر على ثلث سوريا وثلث العراق تقريبا؟

أحمد داود أوغلو: المسألة المهمة هنا أن الجيشين العراقي والسوري فقدا صفة الجيش الوطني في بلديهما، لماذا ترك الجيش العراقي الموصل فورا؟ بدلا من الدفاع عن الموصل فضل الانسحاب والدفاع عن سامراء ذات الغالبية الشيعية، أما الجيش السوري فقد أعلن الحرب على حلب وإدلب والرقة وحمص والذين ترددوا في تسليح المعارضة السورية يكونوا قد سلحوا داعش بشكل غير مباشر لأن الأسلحة الأميركية النوعية والتي حصل عليها الجيش العراقي استولت عليها داعش بعدما تركها الجيش العراقي في الموصل، أسلحة نوعية ومهمة جدا، ودون تحليل هذا الحدث بشكل دقيق لا يمكن أن نفهم هذا التمدد السريع لداعش في المنطقة، وفي الأساس فإن السياسات التهميشية للنظامين العراقي والسوري وغض بصر المجتمع الدولي عن هذه السياسات أفسح مجالا واسعا أمام داعش إلى جانب حصولها على دعم من أطراف أخرى، كما ذكرت قبل قليل كل ذلك حوّل داعش إلى قوة عسكرية كبيرة.

حسابات تركيا في الحرب على داعش

أحمد منصور: هل سقوط عين العرب في أيدي داعش يمكن أن يغير الموقف التركي ويدفعكم للتدخل في المنطقة بناء على التفويض الذي أخذتموه من البرلمان التركي؟

أحمد داود أوغلو: نحن حصلنا على تفويض البرلمان كإجراء احترازي وذلك للاستعداد لحماية تركيا من أي خطر يهددها، ولم نأخذ التفويض للتدخل فقط ولكن لن نتردد أبدا في استخدام هذا التفويض في حال تعرض أمن تركيا للخطر.

أحمد منصور: حتى دون الرجوع للتحالف؟

أحمد داود أوغلو: بالطبع، في حال ظهور أي تهديد صغير لأمن تركيا لن نتردد في الرد على ذلك، فمثلما قمنا بالرد عندما انتهكت الطائرات السورية المجال الجوي التركي وأسقطنا مقاتلة ومروحية لها فإن تركيا لن تتردد في اتخاذ الإجراء الرادع وقد تم توجيه التعليمات الضرورية لقواتنا المسلحة بهذا الشأن، ولكن.. إذا كان هناك عمليات في سوريا ولا تشكل تهديدا مباشرا على تركيا فإننا نفضل في هذه الحالة التحرك مع المجتمع الدولي ونقيّم تحركنا هنا بشكل مشترك مع تشكيل مناطق آمنة ومناطق حظر جوي وبالتأكيد نريد رؤية إستراتيجية واضحة في هذا الشأن وليس تصريحات لاستهلاك وتهدئة الرأي العام الغربي فقط.

أحمد منصور: هل تعتقد الوصول إلى نتيجة قريبة فيما يتعلق بالمناطق الآمنة؟

أحمد داود أوغلو: ممكن، ولكن يصعب الجزم تماما بذلك فنحن نقوم بمفاوضات مكثفة من أجل ذلك لا نريد سقوط عين العرب ونقدم ما يمكننا من إسهام لكي لا تسقط عين العرب ولكن لا حق لأحد أن يلقي كل المسؤولية على تركيا فتركيا ليست المسؤولة عن الأزمة في سوريا على الجميع أن يساهم في الأمر إذا كنتم لا تريدون سقوط عين العرب فيجب منع انتقال ما يحدث في عين  العرب إلى المناطق الأخرى، وفي الحقيقة من حق الجميع أن يسأل التالي: يطالبون بمنع سقوط عين العرب ولكن أين كانوا عندما سقطت الرقة؟ أين كانوا عندما سقطت جرابلس؟ أين كانوا عندما سقطت الموصل؟ لقد تم ارتهان قنصلنا العام في الموصل لأنه لم يغادر الموصل بعد سقوطها، أين مسؤولية الجيش العراقي الذي ترك الموصل؟ وأين كانوا عندما سقطت إعزاز؟ ليس من الصحيح ربط المسألة بعين العرب أو بمنطقة واحدة فقط الذي يطالبنا بأي شيء عليه أن يطرح إستراتيجية كاملة للحل ويوضح لنا كيف سيتصدى لموجات اللجوء التي ستصل تركيا في حال التدخل؟ يجب أن نفهم ذلك ونفهم أيضا ماهية التركيبة التي ستظهر في سوريا بعد إسقاط داعش وإلا فإننا لن نقبل أبدا أن نضفي الشرعية على النظام السوري بحجة أننا سنقوم بالتصدي لداعش.

أحمد منصور: هناك أكراد أتراك يريدون أن ينضموا إلى الأتراك الذين يدافعون عن عين العرب، هل ستسمحون لهم بالدخول إلى عين العرب للمشاركة مع إخوانهم في الحفاظ على المدينة من السقوط؟

أحمد داود أوغلو: يوجد في تركيا سكان عرب وسكان تركمان وهم أيضا طلبوا التطوع للقتال في سوريا لكن نحن انتهجنا نفس السياسة معهم، الحدود التركية ذات تركيبة حساسة فهناك عرب وأكراد على جانبي الحدود في عين العرب وعفرين وهناك عرب على جانبي الحدود في حلب وإدلب وإعزاز وهناك تركمان على جانبي الحدود في اللاذقية وفي جرابلس ونحن نعتبر كل هؤلاء إخوة لنا فإذا سمحنا لكل هؤلاء بالقتال في سوريا فإن الكثير من سكان تركيا سيتورطون في هذه الأزمة وهذا يثير فوضى، ولكن يمكن الحديث عما يمكن فعله لتمكين هؤلاء من الدفاع عن أنفسهم في المناطق التي يوجدون فيها أما إذا أراد اللاجئون القادمون إلى تركيا العودة إلى سوريا للقتال هناك فنحن لا نعيقهم أبدا أما غض النظر عن الأتراك الذين يريدون القتال في سوريا فإنه سيؤدي إلى ظهور مطالب مماثلة في أماكن مختلفة، وبالنسبة لنا لا أفضلية لتركي على كردي أو لكردي على عربي أو لتركماني على كردي كلهم إخوة لنا بشكل متساوي وعلينا أن نمنح أي حق للجميع وليس لواحد فقط وإلا فسيكون مستحيلا السيطرة على الحدود التركية السورية.

حقيقة علاقة أنقرة بتنظيم الدولة

أحمد منصور: هناك اتهامات لحكومتكم أنكم تتمتعون رغم انتقادكم لداعش فإنكم تتمتعون بعلاقة خاصة معها، هل لكم علاقات مع داعش؟

أحمد داود أوغلو: بالتأكيد هذه محض افتراءات ولا يمكن أن يكون لتركيا أي علاقات مع داعش وليس واردا أصلا تقديم الدعم لها، وتركيا لم تقم علاقات أبدا وبأي شكل مع أي تنظيمات متطرفة وخصوصا تلك المتورطة في أعمال الإرهاب والعنف ولا يمكن الدفاع عن الإسلام من خلال أساليب داعش لأن الإسلام هو دين السلام ولا نريد أبدا ذكر الإسلام مع مثل هذه الأساليب، عليه ليس ممكنا أبدا أن نقيم أي علاقة مع مثل هذه التنظيمات ولكن علينا أن نعرف أن النظام السوري ومن يدعمه هو الذي يدعم هذه التنظيمات وهو الذي فتح مجالا لنشاطها، أما تركيا فلا علاقة لها قطعيا بالتنظيمات الإرهابية والذين يطرحون ذلك يقومون بحملة تشويه وافتراءات ضد تركيا، ولكن الجميع يعرف أننا ندعم المعارضة السورية المعتدلة في الجيش السوري الحر وسنواصل الوقوف إلى جانب الشعب السوري ونحن ضد النظام والتنظيمات الإرهابية التي تقوم بظلم وقمع ضد الشعب السوري.

إسقاط الأسد ومحاربة داعش

أحمد منصور: يبدو أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية تخلى عن خيار إسقاط نظام الأسد ما موقفكم من تغير الموقف الغربي لإبقاء الأسد في السلطة؟

أحمد داود أوغلو: هذا خطأ جسيم، فبعدما استخدم النظام السوري الأسلحة الكيماوية وبعد كل الجرائم ضد شعبه وإمعانه في الظلم لا يمكن الوقوف معه ولا يمكن مستقبلا منع ظهور مثل هذه الأنظمة القمعية الظالمة في مناطق أخرى وقيامها بقتل شعوبها، نحن لا نرضى أبدا بإقامة علاقات أو إضفاء شرعية على النظام السوري والذي قمع إخواننا السوريين بلا رحمة وشردهم ويتم الأطفال السوريين الأبرياء وتركيا تقف وستبقى واقفة إلى جانب الشعب السوري دائما.

أحمد منصور: نائب وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان أكد في التصريحات نشرت في 10 أكتوبر وكثير من السياسيين الإيرانيين أن إيران لن تسمح بسقوط الأسد أنتم تطالبون وأن يتحرك التحالف ليس ضد داعش ولكن أيضا ضد الأسد هل نحن أمام مواجهة تركية إيرانية على الأراضي السورية؟

أحمد داود أوغلو: صحيح أن لدينا خلافا مع إيران حول هذا الموضوع نحن سعينا دائما لإقامة علاقات جوار طيبة مع إيران كدولتين جارتين تميزتا بعلاقات تعاون طوال التاريخ، والجميع يعرف موقفنا المبدئي تجاه المشروع النووي الإيراني ولكن مثلما تصرفنا بشكل مبدئي في موضوع الملف النووي الإيراني تصرفنا بنفس الشكل وبموقف مبدئي ضد الأنظمة الظالمة أيضا، أي لا يمكن بأي شكل من الأشكال التسامح مع نظام يقتل شعبه وهذا موقف مبدئي، والحقيقة أننا والإيرانيين قمنا بعدة محاولات في هذه المسألة وتباحثنا مع إيران مرارا خلال فترة وجودي بوزارة الخارجية وحاولنا أحيانا إقناع النظام السوري معا ولكن عندما واصل النظام السوري قتل وقمع شعبه فضلنا نحن معارضة هذا النظام وقطع علاقتنا معه رغم أننا كنا على علاقات طيبة معه فبل أن يتمادى في ظلمه لشعبه، أما النظام الإيراني فواصل علاقته مع نظام الأسد وهنا يوجد خلاف بينما ومع ذلك ما زلنا نؤكد استعدادنا للعمل مع أي طرف من أجل تسوية المشكلة وهنا نطالب إيران باستخدام نفوذها لدى النظام السوري لجعله يتوقف عن إراقة دماء شعبه.

أحمد منصور: معالي رئيس الوزراء أنت تعلم جيدا أن الذي يحكم سوريا هو اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني وليس بشار الأسد، حينما تطالبون بإسقاط بشار الأسد أنتم تطالبون بإسقاط حكم الملالي لسوريا وليس إسقاط حكم العلويين الذين يتزعمهم الأسد.

أحمد داود أوغلو: بالنسبة لنا ليس مهما أن يكون النظام علويا أو سنيا في أي بلد ففي السابق كنا على علاقات طيبة مع بشار الأسد رغم كونه علويا لأننا لم ننتج سياسات مذهبية أبدا وكانت علاقتنا جيدة معه لأنه لم يكن يقتل شعبه آنذاك وعندما بدأ يقتل شعبه ذهبت إلى دمشق ثلاث مرات فأجريت مباحثات مطولة طوال ثمانية أو عشرة أشهر معه وذلك لإقناعه لكنه لم يستمع لنا وللأسف استمر في الحكم بأقلية طائفية، مبدأنا الأساسي هنا هو احترام الأنظمة لحقوق الإنسان وإبداء الرحمة والعطف تجاه شعوبها وعدم تورطها في الظلم أبدا، نحن ضد إسرائيل ولكن ليعرف الجميع أن عدد المسلمين الذين قتلهم النظام السوري أكثر من عدد الذين قتلتهم إسرائيل ونحن قلنا ذلك لأصدقائنا الإيرانيين مرارا.

أحمد منصور: بمساعدة الحرس الثوري الإيراني.

أحمد داود أوغلو: إسرائيل قصفت المساجد في غزة والمقاتلات السورية قصفت المساجد في حلب وحمص ودمشق خلال صلاة التراويح، بالنسبة لنا لا هوية للظالم مثلما لا هوية للمظلوم، نحن ندعم المظلوم مهما كان دينه ومذهبه وعرقه ونعارض الظالم مهما كان دينه ومذهبه وعرقه، حتى لو كان أخا لنا موقف تركي مبدئي وستتمسك به حتى لو بقيت وحيدة.

أحمد منصور: لم تجب على سؤالي الذي يحمي النظام هم الحرس الثوري الإيراني وأنتم الآن تدربون المعارضة السورية المعتدلة من أجل إسقاط النظام أي الدخول في مواجهة مع الحرس الثوري الإيراني على الأراضي السورية؟

أحمد داود أوغلو: صحيح إن العناصر الإيرانية موجودة في سوريا لدعم النظام ونعرف دعم حزب الله للنظام السوري ليس من أهدافنا الصراع مع إيران أو حزب الله اللبناني بل دعم الشعب السوري فقط وهنا أدعو الجميع أن يكون مبدئيين هنا علينا أن نعارض وجود مقاتلين أجانب في سوريا وهنا حزب الله الموجود في سوريا يعتبر مقاتلا أجنبيا وكذلك العناصر الإيرانية والعناصر الروسية وخبراؤها أيضا نعتبرهم مقاتلين أجانب، على جميع الأجانب سحب أياديهم من سوريا مهما كان الشكل ومهما كانت نيتهم لنترك سوريا للسوريين ليقرروا مستقبلهم.

أحمد منصور: يعني أنت تؤكد معالي رئيس الوزراء أنت تؤكد وجود مقاتلين روس إلى جوار النظام العلوي في سوريا.

أحمد داود أوغلو: أنا لم أقصد روسيا وإيران فقط بل جميع الأجانب في سوريا وعلى الجميع أن يعارض ذلك بشكل مبدئي، يجب ألا يكون هناك مقاتلين أجانب في سوريا مهما كانوا ولذلك لم تقبل تركيا أبدا أن يذهب الشباب التركي إلى سوريا للقتال هناك، وكما سألتم قبل قليل فإن تركيا ترفض أن ينتقل المقاتلون من أصول كردية أو عربية من أراضيها إلى سوريا للقتال هناك، لأننا نعتقد أن هذا سيؤثر سلبا على الوضع وننتظر من الجميع أن يلتزم بهذا الأمر.

التمدد الإيراني في دول المنطقة

أحمد منصور: النفوذ الإيراني يتضخم في المنطقة بشكل كبير إيران أعلنت أن هناك أربع عواصم عربية أصبحت تحت أيديها بعد سقوط صنعاء، أما يشكل ذلك خطرا التمدد الإيراني الهائل في المنطقة أما يشكل ذلك خطرا على المصالح التركية؟

أحمد داود أوغلو: نحن نرفض بأي حال هيمنة أي دولة على أخرى بأي شكل من الأشكال، نحن كشعوب تعيش في هذه المنطقة أتراك وعرب وأكراد وعجم وإيرانيون يجب أن نعيش بسلام ووئام جنبا إلى جنب وأي دولة تدعي أي حقوق أو هيمنة على أراضي أي دولة أخرى فهذا سيؤدي إلى وضع لا نهاية له، وعلى الجميع أن يحترم سيادة الدول الأخرى ومن الضروري الابتعاد عن أي سلوكيات تثير الخلاف بين السنة والشيعة، فهذه المنطقة عانت كثيرا وعاشت آلاما كبيرة وشعوب المنطقة تحتاج من الآن فصاعدا إلى السلام والطمأنينة والوضع الذي سيظهر في المنطقة بسبب الحروب الخفية والطائفية لن يكون في صالح أي طرف، ونحن نعارض ذلك ونرفض توجه إيران أو أي دولة أخرى لمثل هذه الوسائل، والصحيح بنظرنا هو إقامة نظام إقليمي جديد وأن تعيش البلدان باحترام ضمن حدودها الشرعية في إطار هذا النظام واحترام سيادة الدول الأخرى أيضا.

 أحمد منصور: معظم المناطق التي دخلتها إيران أو أصبحت تحت نفوذها أو أعلنت أنها تحت نفوذها كانت مناطق عثمانية سابقة قبل مئة عام، هل الإمبراطورية الفارسية في طريقها للتمدد حتى ترث ما كان تحت يد الإمبراطورية العثمانية قبل مئة عام؟

أحمد داود أوغلو: هناك الكثير من الكلام حول التاريخ العثماني فالذين أرادوا تحريض الشعوب العربية أو الشعوب البلقانية ضد العثمانيين حاولوا التحريض ضد تركيا عن طريق رسم صورة سلبية عن العثمانيين والواقع أثبت أن تركيا ليس لديها أي أطماع أو تدخلات في شؤون أي دولة أخرى، فالدولة العثمانية هي دولة للعرب مثلما هي دولة للأتراك وهي دولة للبوسنيين والألبان والأكراد والصرب أيضا، وهناك اثنان من آخر خمسة أو ستة صدر أعظم عثمانيين كانا عربيين وهما خير الدين التونسي باشا وسعيد حليم باشا وكان العدد الأكبر من مناصب الصدر الأعظم لدى العثمانيين من الألبان والبوسنيين والعرب وليس من الأتراك، والدولة العثمانية هي آخر دولة تأتي من الحضارات السابقة مثل العباسيين والأمويين والأيوبيين ولذلك نحن نعتبر التاريخ العثماني تاريخا مشتركا ولذلك أيضا عندما نعتنا البعض بأننا العثمانيون الجدد أرادوا إيقاع فتنة بيننا مع العرب والأقوام الأخرى، نحن دائما نقول إننا متساوون مع أصغر دولة في المنطقة جغرافيا وديمغرافيا لم نفرض على أي بلد أي شيء، أما سؤالكم عن سلوك إيران فعليكم أن تسألونه للإيرانيين، ولكن لا أؤيد رؤية العلاقة بين تركيا وإيران أو الفرس والعثمانيين على أنها علاقة تنافسية نحن في المحصلة أصدقاء للشيعة في العراق لأنهم لم يتمردوا على الدولة العثمانية أبدا ونفس الشيء مع الدروز والشيعة في لبنان وكانت لهم علاقات طيبة مع الدولة العثمانية.

التقارب الغربي مع إيران

أحمد منصور: النفوذ الإيراني يبدأ من بيروت مرورا بدمشق مرورا ببغداد بالسواحل الشرقية للجزيرة العربية وصولا إلى صنعاء الآن أصبحت الجزيرة العربية مطوقة بالنفوذ الشيعي من كل الجهات، الإيراني عفوا.

أحمد داود أوغلو: هذا سيناريو خطر وهذا التعامل المذهبي هو السبب في بروز التيارات المتطرفة في المنطقة، تركيا كدولة يعيش فيها السنة والعلويون وفي المحصلة هي ذات تركيبة علمانية لم تتبن أبدا أية مواقف ولم تقر أية مواقف تعتمد على الأساس الديني أو التفرقة المذهبية، وجهود إيران لتشكيل إطار شيعي في المنطقة التي ذكرتموها هذا أمر سيزيد احتمال التوتر السني والشيعي والصراع الطائفي ونعتبره سيناريو خطر ونحن نعتقد ونؤمن بضرورة الحوار مع إيران وكل البلدان الأخرى وذلك لمنع التفرقة المذهبية ولذلك نحن لم نعارض أي زعيم أو رئيس بلد لأنه ينتمي إلى طائفة معينة إلا عندما بدا يظلم شعبه ومن ناحية أخرى فإن اعتبار المنطقة ساحة للصراع السياسي والمذهبي أو محاولة تحويلها إلى ذلك ينطوي على مخاطر كبيرة في المستقبل.

أحمد منصور: ما معنى أن الغرب الذي ظل يسمي إيران بمحور الشر طوال عقدين ونصف مع التمدد الهائل لإيران الآن بدأ يمد يده إلى إيران بل ويطالبها كما طالب رئيس الحكومة البريطانية بأن تساهم في تأسيس حكومات مستقرة في بغداد وفي دمشق وفي غيرها من المناطق الأخرى، بعد ما تمددت إيران التي كانت خطرا وهي داخل حدودها أصبحت الآن الغرب يمد يده لها ما تفسيرك لهذا؟

أحمد داود أوغلو: من الناحية السياسية نرى أن المنطقة تتضمن عدة تحالفات مختلفة أو مؤقتة قصيرة المدى وهذا يشكل عائقا أمام الاستقرار الدائم في المنطقة، وإذا اعتمدت الدول في مواقفها على سلوكيات تكتيكية وظروف واقعية مؤقتة فسيكون من المستحيل تشكيل نظام مستقر في المنطقة بعد فترة من الزمن وكما ذكرتم فإن الضغط على إيران في موضوع الملف النووي ومن ناحية أخرى انتهاج سياسية تعاون مع إيران في مواضيع تخص المنطقة سيعيق استقرار التوازنات في المنطقة وخصوصا في بلدان مثل العراق وسوريا ولبنان وهي تتميز بحساسيتها الطائفية الشيعية والسنية، والاستمرار في هذه السياسات مع وجود طائفة سنية واسعة تشعر بنفسها مهمشة ومحاربة سيؤدي للأسف إلى ظهور المنظمات الإرهابية المتطرفة وسيظهر خطر ملئ الفراغ السلطوي في المنطقة وعليه وقبل كل شيء من الضروري أن تتخذ البلدان المهمة في العالم وفي المنطقة مواقف مضادة للتفرقة المذهبية والطائفية وإلا فإن البلدان ستواجه اضطرابات داخلية كبيرة وستفقد القدرة على إدارة أمورها، هناك ثلاث مجموعات من الدول في العالم والمنطقة أولا: الدول ذات المنظور الاستراتيجي القادرة على الإدارة وهي في حالة بروز، ثانيا الدول التي ليس لها منظور ولكن لديها قدرة على الإدارة وهذه دول تراوح في مكانها، أما ثالثا فهي الدول الأخرى التي ليس لها منظور ولا القدرة على الإدارة وهذه تواجه خطر الانقسام والاضطرابات، وللأسف لأن بعض بلدان المنطقة فقدت منظورها وقدرتها على الإدارة فإنها ستواجه خطر التشرذم وهذه الدول العاجزة عن الإدارة هي أيضا لا تدار بشكل صحيح من قبل الآخرين ولا تفيد شيئا لأنه عند السيطرة على دولة متشرذمة تعيش اضطرابات داخلية فإن هذه الدولة لا تحقق فائدة أو مصلحة لأحد أو لنفسها أو حتى للدولة التي تهيمن على إدارتها لذلك على الجميع أن يسعى لجعل هذه البلدان المتشرذمة في حالة تمكن من إدارتها بشكل سليم، لذلك نحن دعمنا مؤتمر جنيف 2 الخاص بالمسألة السورية وأقنعنا المعارضة للمشاركة في المؤتمر وبذلنا جهدا مكثفا لجعل المعارضة والنظام يجلسون على نفس الطاولة، كل ذلك لكي نوصل سوريا إلى تركيبة تمكن من إدارتها بشكل سليم لكن للأسف النظام لم يتعاون أو يقدم أي تنازلات لتحسن الوضع ولذلك انهارت كل الآمال وهنا في مثل هذه الظروف ظهرت داعش مع الدعم المقدم لها، المسألة ليست فقط التأثير على دولة أو عاصمة معينة المسألة كالتالي: ما هي الفائدة التي يحققها هذا التأثير؟ وهل سيكون فيها تأثير دموي وقمعي أم ماذا أم هل التأثير سيجلب الرفاهية والسلامة لذلك البلد؟ ولذلك نحن نرى أن على كل البلدان في الشرق والغرب ودون الدخول في منافسات سيادية أن تعمل بشكل مبدئي على تطوير سياسات أفضل تخدم الإنسانية.

أحمد منصور: هذا المشهد المخيف والمتشابك والمليء بالاحتمالات والانشقاقات والطائفية والعرقية واحتمالات الحروب يجعلني أطمع في كرمك في حلقة ثانية حتى يفهم المشاهد المخاوف والتهديدات التي تحيط بالمنطقة كلها وليس بتركيا فقط دائما أطمع في كرمك وأشكرك على الوقت الذي تمنحه لنا لكن الحوار معك ليس مجرد حوار مع سياسي وإنما هي دروس في الإستراتيجية والفهم بالنسبة للمشاهدين فاسمح لي بحلقة أخرى.

أحمد داود أوغلو: شكرا، شكرا.

أحمد منصور: أشكرك شكرا جزيلا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة مع معالي رئيس الوزراء التركي البروفيسور أحمد داود أغلو نتابع المخاطر والمخاوف التي تهدد المنطقة كلها بالانقسامات بناء على التوسع والنفوذ الإيراني الذي حدث وبناء على التقارب الغربي مع إيران وبناء على ما يحيط المنطقة من مخاوف أخرى تهددها بالانقسامات وربما بالحروب، لا يفوتني أن أشكر عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من المشاهدين الذي تضامنوا معي أو الملايين الذي تضامنوا معي عبر الإنترنت عبر الايميلات إلي عبر شبكات التواصل الاجتماعي ضد الحكم الجائر الذي صدر ضدي من إحدى المحاكم المصرية من نظام الانقلاب بالسجن لمدة خمسة عشر عاما أشكركم جميعا على هذا التعاطف وأعدكم أني سأكون دائما إن شاء الله عند حسن ظنكم، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج من أنقرة ترقبوني في الأسبوع القادم إن شاء الله لتعرفوا المزيد عما يحاك لهذه المنطقة وعما يمكن أن تؤول إليه مع أستاذ الإستراتيجية والتخطيط رئيس الوزراء التركي البروفيسور أحمد داود أغلو والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.