عزا رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس شوقي الطبيب تراجع تونس في مكافحة الفساد -وفقا لمؤشرات منظمة الشفافية الدولية- إلى عدم وجود خطة وطنية لمكافحة الفساد، وعدم قيام محاكمات للفاسدين، وعدم تجلي إرادة سياسية حاسمة وقاطعة لمكافحة الفساد خاصة في العامين الأخيرين.

وأكد الطبيب في حلقة (29/7/2016) من برنامج "لقاء اليوم"، أنه "ليس هناك أي قطاع أو مؤسسة أو جهة مهنية لم يمسها الفساد، وهناك قضاة فاسدون ومحامون فاسدون وإعلاميون وساسة في الحكم فاسدون، فالفساد طال جميع أوجه الحياة العامة في تونس".

وبين الطبيب أن هناك خطتين في مجال مكافحة الفساد هما الخطة الحكومية لمكافحة الفساد وهي خطة تخص مجال عمل وتدخل الحكومة. أما الثانية فهي الخطة الوطنية لمكافحة الفساد وهي تشمل جميع المتدخلين في هذا الشأن وهم أفراد أو أعضاء أو مؤسسات في الدولة التونسية.

وأشار إلى أن الخطة الوطنية تتداعى إليها ثلاثة أطراف دستورية هي الحكومة بصفتها السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة التشريعية، يضاف إليها السلطة الرابعة وهي الإعلام، والسلطة الخامسة وهي المجتمع المدني والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

وأضاف "لم نكن ضد أن تضع الحكومة خطة حكومية لمكافحة الفساد وهي خطة هامة، لكن الأهم أن نضع خطة وطنية مع بعضنا بعضا، وقد نصت وثيقة حكومة الوحدة الوطنية على ذلك وتم التوافق عليها من قبل جميع الأطراف".

وأوضح أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لم تتمكن حتى الآن من تحديد المسؤول عن الفساد، فالبعض يحمل المسؤولية للحكومة والبعض الآخر يحملها للقضاء والإعلام، وآخرون يحملونها للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

وأضاف "لن نعيد صنع العجلة فكل الدول التي نجحت في مكافحة الفساد هي التي قامت بوضع خطة وطنية لمكافحته يشارك فيها جميع الأطراف ويتم فيها تحديد المسؤولية عن الفساد بعد تشخيص الوضع وضبط خريطة الطريق والأولويات وفي ضوء ذلك تتم المحاسبة".

إرادة سياسية
وأكد أن ما ينقص تونس هو إرادة سياسية حاسمة وقاطعة لمكافحة الفساد، و"هي لم تتوفر حتى الآن بسبب عدة معطيات أهمها أخطاؤنا نحن التونسيين حيث ظننا بعد الثورة أنه يكفي إزاحة زين العابدين بن علي ورؤوس الفساد، ولم نتجه إلى منظومة الفساد التي بقيت تعمل حتى اليوم".

وأضاف أن من الأسباب التي أدت إلى اتساع الفساد استضعاف الدولة ما بعد الثورة، إضافة إلى المستجدات التي شغلت الرأي العام والحكومة خاصة الإرهاب الذي أصبح على رأس الأولويات "ونسينا أن الإرهاب والفساد أمران متلازمان".

وردا على سؤال عن أن عائلتي بن علي والطرابلسي كانتا تحتكران الفساد قبل الثورة وأصبح من كانوا يعملون معهما الآن بارونات الفساد، أقر الطبيب بصحة ذلك وقال "هذا صحيح لأن المنظومة هي نفسها، وهؤلاء كانوا يعملون داخلها ويعلمون كواليسها ونقاط ضعفها وقوتها وبالتالي لما فر بن علي وعائلة أصهاره تفطن هؤلاء إلى أن المنظومة ما زالت موجودة فركبوا الموجة من جديد مستغلين ضعف الدولة وأولوياتها وأصبح هناك تلاقي مصالح بينهم وبين الإرهاب".

دمقرطة الفساد
وتابع "تم بعد ذلك دمقرطة الفساد ونتج عن ذلك في مرحلة تالية التطبيع مع الفساد وأصبح التونسيون يعتقدون أنه لا يمكن لنا مقاومة الفساد ويجب أن نتعايش معه، وهذا أخطر ما في الموضوع إذ إن التونسيين الآن يعانون حالة إحباط بسبب ذلك".

ووصف الفساد بأنه "آفة تضرب مؤسسات الدولة والمجتمع التونسي في أعز ما لديه وهي قيمه".

وأقر بأن "التطبيع مع الفساد حاصل على مستوى مؤسسات الدولة، فقد لاحظنا نوعا من الشعور الفظيع بالإفلات من العقاب، فالناس تتصرف كأنه لا توجد مؤسسات دولة وهيئات رقابية وهيئة لمكافحة الفساد ولا قضاء".

وتساءل "إذا ورد اسم مسؤول في تقارير هيئات رقابية أو تمت إحالة مسؤول للقضاء بسبب شبهات فساد ومع ذلك يبقى في منصبه وتتم حتى ترقيته فماذا نسمي ذلك؟".

وبشأن علاقة الهيئة بالقضاء، قال الطبيب "علاقتنا مع القضاء خاصة مع القطب المالي والقضائي وهي الجسم المختص بقضايا الفساد والذين يعملون من دون إطار قانوني يحميهم ممتازة وعلى أحسن ما يكون وننسق معهم فيما يتعلق بالملفات والإحالات والتحقيقات، وأريد التأكيد على أنه يجب أن نمنح القضاة الفرصة في هذا المجال المعقد ونتركهم يعملون ثم نحكم على عملهم".

وأوضح أن القطاعات التي تشكل خطرا أكبر هي ملف الصفقات والشراءات العمومية حيث هناك مصالح متشابكة ومترابطة في هذا المجال ومتورط فيها مسؤولون من جميع المستويات، أما القطاعات الأخرى فهي ذات العلاقة بالصحة والتعليم والطاقة.

مثلث الخراب
واعتبر الطبيب أن سبب مشاكل تونس حاليا هو ما سماه مثلث الخراب: الإرهاب والفساد والتهريب، "فهناك ترابط وثيق بين أضلع هذا المثلث، فالاقتصاد الموازي يتغذى من التهريب، والفساد يشكل 52% من الناتج الوطني الخام وهي نسبة كانت قبل الثورة في حدود 25%".

وأضاف "نحن لدينا الآن اقتصاد مواز يملك قدرات أكبر مما تملكه الدولة التونسية، وهذه الدولة الموازية مخترقة للدولة الرسمية، ولو تواصل هذا الوضع فسنصل إلى الدولة المافيوية وستصبح المافيا هي التي تحكم تونس وتسيطر على مقدراتها".

وأعرب عن تفاؤله بأن تونس "ستنتصر على الفساد بحول الله بشرط أن تتوفر آليات المعركة ضد الفساد وهي هبة وإرادة وطنية جامعة للتونسيين نخبا وشعبا".