مقدم الحلقة:

ياسر أبو هلالة

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

27/02/2003

- تأسيس مكتب خدمات المجاهدين ودوره في دعم الجهاد الأفغاني
- أهم معارك الأفغان العرب وسطوع نجم بن لادن

- تأسيس تنظيم القاعدة وانضمام التيارات الجهادية إليه

- جولات عبد الله عزام داخل وخارج أفغانستان

- المآخذ على عبد الله عزام في تحريضه على القتال

- التضييق على الأفغان العرب واغتيال عبد الله عزام

تأسيس مكتب خدمات المجاهدين ودوره في دعم الجهاد الأفغاني

ياسر أبو هلالة: لقاء عبد الله عزام بأسامة بن لادن كان مشبعاً بدلالات المكان فالأردن -وحسب أدبيات التيار الإسلامي- أرض الرباط، وهو عتبة بيت المقدس وصاحب أطول حدود مع دولة الاحتلال وحاضن العدد الأكبر من اللاجئين والنازحين الفلسطينيين الذين كان عزام واحداً منهم، فكان سكناه يطل على أكبر مخيمات اللجوء في الأردن.. مخيم البقعة، وفي الأفق تُرى ذُرا فلسطين، بيد أن عزام وبن لادن غضا البصر عن العدو القريب وحدَّقا في العدو البعيد، العدو القريب كان قد أخرج منظمة التحرير الفلسطينية من آخر معاقلها في دول الطوق، فيما كانت مصر قد خرجت من دائرة الصراع العربي- الإسرائيلي بكامب ديفيد، وبدا أن العرب أجمعين يودون السير لمصالحة عدوهم التاريخي ولم تعد ثمة ساحة مواتية لمقاتلة العدو القريب، أمر آخر دفع عزام وبن لادن إلى العدو البعيد، فعلاقاتهما مع الحكم في السعودية والأردن لم تكن متوترة لينفجر الغضب في الداخل، الأردن بدأ علاقة تعايش مع التيار الإسلامي في الوقت الذي كانت عائلة بن لادن على شراكة مع العائلة المالكة في السعودية، كانت أفغانستان هروبا للأمام على مستوى فرد، كما على مستوى دولة، كانت بيشاور المجتمع الجديد للعرب الأفغان بدأوا أفراداً يُعدون على أصابع اليد الواحدة، ثم تكاثروا آلافاً، بوابة الخلافة المفقودة، هكذا وصفوها في أدبياتهم، ما كانت بيشاور لتكون كذلك لولا لقاء عزام وبن لادن، لقاء ساهم إلى درجة بعيدة في مأسسة العمل العربي في أفغانستان، سوت الجهود الفردية والطوعية عملاً مؤسسياً جماعياً يديره عزام ويموله بن لادن مكتب خدمات المجاهدين.

في وصيته المكتوبة التي حصلت (الجزيرة)، على نصها كاملاً يؤكد عزام هذه الشراكة بقدر ما يكشف عن عمق ما يربط بين الرجلين.

نص وصية عبد الله عزام: وأدعو كثيراً لمن تكفل هذا المكتب بماله الخاص، وهو الأخ أبو عبد الله أسامة بن محمد بن لادن، أدعو الله أن يبارك له في أهله وفي ماله ونرجو الله أن يكثر من أمثاله، ولله أشهد أني لم أجد له نظيراً في العالم الإسلامي فنرجو الله أن يحفظ له دينه وماله وأن يبارك له في حياته.

ياسر أبو هلالة: هكذا بدأت العلاقة لكنها تغيرت باتجاه آخر.

كمال الهلباوي (متخصص بالشؤون الأفغانية): نعرف إنه يعني كانت علاقتهم جيدة وممتازة، حتى يمكن سنة 86-87، وبدأ الشيخ أسامة بن لادن ينحى نحواً آخراً في تنظيم القاعدة هذا..

ياسر أبو هلالة: لِمَ؟

كمال الهلباوي: ولكن.. الله أعلم، ظروف الناس وتوجهات الناس وأفكار الناس، وفئات.. أفغانستان بيئة مفتوحة، وتغري بأشياء كثيرة، قد تكون منضبطة وقد تكون غير منضبطة، أما الشيخ عبد الله عزام فبقي كما هو.. كما بدأ يزداد خبرات ويزداد معرفة ويزداد دعم للجهاد، وكلا الرجلين أدى خدمة جليلة للجهاد الأفغاني.

ياسر أبو هلالة: لم يكن بن لادن وحده من رواد ظاهرة الأفغان العرب، عبد الله أنس كان من القلة الذين لبَّوا مبكراً نداء عزام للجهاد في أفغانستان قادماً من الجزائر.

عبد الله أنس (من مؤسسي مكتب خدمات المجاهدين): والله في الحقيقة اللقاء نقول كان يعني قدراً من الله أن التقيت بالشيخ عبد الله عزام في.. في بئر زمزم في مكة المكرمة، وكانت الفتوى التي وقعها مع مجموعة من علماء المسلمين والتي تقضي بفرضية العين.. الجهاد يعني أن يكون الجهاد فرض عين في أفغانستان، فكان من بين الذين يحملون هذا الهم، فالتقيت به أذكر وسألته سؤالاً: أنت وقعت على هذه الفتوى، وأنا أريد أن ألتحق بالمجاهدين في أفغانستان فماذا أفعل؟ فأذكر أعطاني رقم هاتفه وكان يسكن في إسلام أباد، وقال: إن جئت فاتصل بنا ونحن سوف نوصلك -إن شاء الله- إلى المجاهدين، وفعلاً فعلت بعد 15 يوم، فاتصل.. وصلت إلى إسلام أباد واتصلت به، وكانت بداية التشريف والوقوف معه في مسيرته الربانية إلى أن أخذه الله شهيداً.

ياسر أبو هلالة: لبى كثير من الشباب العربي نداء عزام سيما في أجواء الحماسة، فضلاً عن العمل بالفتوى التي أصدرها بفرضية الجهاد في أفغانستان.

عبد الله عزام: نقول بفريضة الجهاد، وعبادة القتال التي هي عبادة العمر، التي لا تنحصر بأفغانستان ولا تضيق في أي مكان، هي عبادة العمر، فريضة كالصلاة والصيام، مستمرة في كل مكان، وفرض عين على كل مسلم ما دامت أي بقعة من بقاع الإسلام تحت أيدي الكفار في أي مكان في الأرض.

ياسر أبو هلالة: أبو أكرم عايش البدايات وكان من مؤسسي مكتب الخدمات المقربين من عزام، وهو حتى اليوم يجاور بيت شيخه.

أبو أكرم -محمد الخواجا (من مؤسسي مكتب خدمات المجاهدين): أسسه الشيخ عبد الله عزام لتقديم الخدمات للجهاد الأفغاني للاستمرار وتقويته وإعانته على طرد الشيوعيين الروس من أرض أفغانستان من بلاد المسلمين، هكذا كان يقصد الشيخ عبد الله -رحمة الله عليه- بهذه المسمى وبهذه الوظيفة، يقول الشيخ في كتبه بأن.. وأمام الناس: لقد ألهم الله لسان أبي أكرم عندما سماه بمكتب الخدمات للجهاد لأفغاني، لأن هو مهمة هذا المكتب هو مساعدة الجهاد الأفغاني، مساعدته في جميع النواحي إن كانت عينية أو مالية أو مادية أو إنسانية، كله كان هذا في صميم عمل مكتب هذه الخدمات.

عبد الله أنس: يعني خدم ليسوا شركاء في القضية، ليسوا أنداد في القضية، ليسوا أصحاب قرار في القضية، أنتم خدم "وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر" إنما القضية قضية نصرة لإخوانكم وكفى.

عبد الله عزام: يعني نحن خدم للجهاد، لأني فعلاً أشعر بأن خدمة المجاهدين عبادة لله -عز وجل- فنحن نتشرف والله أن نحمل أحذيتهم، وهذا الذي نفعله نحن نحمل أحذيتهم ونوصلها إليهم، فنحن لم نعمل منظمة جديدة، مكتب الخدمات وظيفته خدمة جميع الأحزاب الجهادية في داخل أفغانستان، ونحن معظم.. جُلُّ عملنا منصبُّ على داخل أفغانستان، ليس مثل بقية المؤسسات الإغاثية في معظمها في داخل بيشاور أو في حدود باكستان أو على الحدود. لأ شباب جمَّعناهم لخدمة الجهاد الأفغاني ممن يتعطشون للشهادة في سبيل الله.

ياسر أبو هلالة: تنوع عمل مكتب الخدمات استجابة لمتطلبات الوضع الأفغاني وأولوياته، إنسانياً: حيث اللجوء والتشريد والمرضى والجرحى والمعوقين، عسكرياً: حيث الجبهات المشتعلة مع قوة عظمى. دور العرب في أفغانستان لم يقتصر على حمل السلاح.

أبو أكرم (محمد الخواجا): أول هدف: كنا نريد أن نتعرف على أرض أفغانستان الداخلية، فأرسلنا البعوث باستمارات -شايف كيف- ومسحنا جغرافياً كل أرض أفغانستان، قسمنا أفغانستان إلى 29 ولاية وجعلنا مجموعة من العرب من اثنين إلى ثلاث يدخلون إلى الداخل ليأتون بالأخبار ضمن استمارة، اسم القائد، لمين تابع، شو تحصيله العلمي، إقامة الصلاة أداء الشعائر، هل بيؤدي الزكاة؟ بيدفع العشر، التعليم عندهم، الزراعة على أيش بيعتمدوا؟ شو بيأكلوا؟ شو بيلبسوا؟ كيف بيفكروا؟ مناهج حياتهم.. حياتهم اليومية، حتى شو بيطبخوا؟ شايف كيف، كانوا يفتحوا غطاء وعاء الطعام ويبحثوا بالأكل للمجاهدين؟ فكان هذا -يعني- أتونا به ووضعناه كله على أشرطة في كمبيوتر، وجمعنا المعلومات للتعرف على وضع أفغانستان في الداخل.

الحكومات العربية كلها على الإطلاق ما كانت تقف في وجه هذا الدعم، وكلها.. وكان هدفها هو دعم الجهاد في أفغانستان وعلى رأس ها الحكومات الحكومة السعودية.

ياسر أبو هلالة: أنفقوا المبالغ الطائلة على كثير من المؤسسات الإغاثية والتعليمية والتنموية، وبعضها لا يزال عاملاً حتى يومنا هذا، معهد الأنصار كان واحداً من مؤسسات مكتب الخدمات، وكان له دور تعليمي وتنموي.

غاص العرب في عمق المأساة الأفغانية هذا طبيب عربي يعالج جريحاً في معركة على رغم صعوبة الظروف وشُح الإمكانات الطبية، ومن الأطباء العرب من قضى في أرض المعركة.

الدور الإعلامي كان حاسماً، أسس عزام مجلة "الجهاد" التي رسمت بريشته صورة حالمة للجهاد الأفغاني، صورة تغوي بنماذج البطولة من مجاهدين وشهداء، أهوال الكوارث الإنسانية يرق لها الصخر، جاذبية النماذج العملية للانتصار لا تُقاوم في أمة ألفت الهزائم. خاض المجاهدون العرب معارك حقيقية أثخنت في المحتل السوفيتي.

عبد الله عزام: هؤلاء الذين جاءوا من السعودية، من الإمارات، من الأردن، من فلسطين. موظفون حملة دكتوراه.. مهندسون، يعيشون على الخبز والشاي، هؤلاء لماذا جاءوا هنا؟ يطمعون في ولاية؟ يطمعون في وزارة؟ يطمعون في إمارة؟ كل الذي يطمعون به أن يدخلوا جنة ربهم وأن يسقطوا عن كواهلهم هذه.. هذا الفرض اللازم في أعناقهم وعلى ظهورهم.

في جلال آباد حتى الآن سقط حوالي 50 عربياً، حوالي 50 عربياً سقطوا في المعركة نحسبهم شهداء، ولا نزكي على الله أحداً.

حميد غول (مدير الاستخبارات الباكستانية الأسبق): لقد كان دور العرب المثقفين الصفوة الذين جاءوا من الطبقات العليا، إنهم أشخاص من عائلات مرموقة جاءوا للجهاد جنباً إلى جنب مع المجاهدين الأفغان، لتحرير أفغانستان، هم الذين قدموا المساعدة وقدموا أموال المواصلات وما قدمه لهم الأميركيون كان جزءاً بسيطاً، أما باقي الأموال، فجاءت من مصادر خاصة، لاسيما من أناس في الشرق الأوسط، خاصة من العرب، وقد أرسلوا الشباب اليافع زهور أمتهم للمشاركة في الجهاد في أفغانستان لماذا أقول ذلك؟ لقد سنحت لي الفرصة للقاء العديد منهم ممن يتم وصفهم الآن بالمتطرفين، لكن الأغلبية العظمى منهم كانوا خريجين من جامعات في الولايات المتحدة، في إنجلترا، في دول أوروبية أخرى، إنهم أبناء عائلات مرموقة.

عبد الله أنس: الدور كان دوراً معنوياً أكثر مما هو دور حسي وفعلي وواقعي، والشيخ عبد الله عزام -رحمة الله عليه- استطاع -بتوفيق الله- أن يُكوِّن لُحْمة إخوَّة بين الوافدين من البلاد العربية والإسلامية وبين الأفغان وأصبح يرى كثير من الأوقات -صدقني- كانت قرية بكاملها أو مدينة بكاملها تكون قد عزمت على الهجرة إلى خارج أفغانستان إلى بيشاور وبوصول واحد عربي أو اثنين يجعل الناس يخجلون من أنفسهم ويقولون: هؤلاء إخواننا يأتون من بلادهم لتثبيتنا في ديارنا ونحن نهاجر ونتركهم، فكان يكون عامل من عوامل الاستقرار هذا العربي.

أهم معارك الأفغان العرب وسطوع نجم بن لادن

ياسر أبو هلالة: لم يعد أمام السوفييت غير الانسحاب، مقاومة ضارية تلقى دعماً إقليمياً ودولياً، تهاوى الدب الروسي أمام ضربات المجاهدين، الروس خرجوا وسط مشاعر الخيبة والأسى يكفكفون دموع الهزيمة، فيما زها الأفغان والعرب جميعاً بالانتصار المدوِّي، شعر العرب الأفغان أنهم شركاء في النصر، كيف لا وقد بذلوا عزيز نفوس في غير موقعة، وامتزجت دماؤهم بدماء الأفغان؟

أبرز موقعة لهم كانت ما عرف بمأسدة الأنصار في (جاجي) أواخر عام 87، كانت المأسدة تعبيراً عن العصر الذهبي للأفغان العرب، ومنها سطع نجم أسامة بن لادن في سماء المجاهدين، شارك فيها عزام في الخطوط الخلفية في معسكر يتبع لسياف، وشارك فيها في الخطوط الأمامية الرجل الثاني في مكتب الخدمات تميم العدنان، برز فيها أبو حفص المصري الذي غدا لاحقاً المسؤول العسكري لتنظيم القاعدة.

حميد غول: المجاهدون العرب كانوا رائعين، قيل هذا مراراً. بل ذهب المحترفون للقول: إن عربياً واحداً يساوي عشرة أفغان، هذه بعض الأمور التي كان الناس يتداولونها إن العرب مقاتلون رائعون.

ياسر أبو هلالة: هنا يبدو عبد الله عزام في مأسدة الأنصار أو القاعدة الحصن التي أبرزت مواهب بن لادن في الإنشاءات والعمليات معاً، هنا في جبل قباء حيث معارك جلال آباد يروي مآثر الشهداء العرب، وثمة من يعتقد أن اسم القاعدة أول ما أطلق على هذا المعسكر.

عبد الله عزام: وأبو طارق عندما رأى الشيوعيين يفرون ورأى الدبابات هاربة لم يتمالك نفسه وألح على أميره أبي عبد الله، وأذن له أبو عبد الله وأمتشق حسامه وحمل مدفعه الصاروخي الـRBJ ولحق بالدبابات، وبقدر من الله -عز وجل- وليس شجاعة أن إحدى الدبابات قد تعطل جنزيرها فاضطرت أن تحجز وراءها مصفحة فاضُطرت أن تحول مدفعها نحو أبي طارق وأطلقت طلقة وجاءت الشظية التي خرجت معها روحه إلى بارئها واحتمله أخوه أبو عيسى وأبو معيط وعبد الرحمن وأبو علي المثني احتملوه في السيارة، ويشهد لي الأربعة أنهم ركبوا معه في السيارة بعد أن صعدت روحه إلى بارئها، وبدأت الروح.. الريح الطيبة تهب عليهم ريح المسك هذه الريح التي تصاحب أحياناً كثيرة دماء الشهداء.

ياسر أبو هلالة: بَيْد أن تلك المعارك كشفت عن محورية الدور الذي لعبه أسامة بن لادن بين المجاهدين العرب وبصورة مستقلة عن مكتب الخدمات، تلك المعارك حوَّلت بن لادن من محسن يجود بالمال إلى مقاتل يجود بالنفس، ولا يزال زعيم القاعدة يزهو بالكلاكوف الذي غنمه من أحد أفراد القوات الخاصة الروسية في جاجي، اللقاء في ساحة المعركة بين عزام وبن لادن لم يكن يعني الاتفاق في أسلوب العمل.

حذيفة (نجل عبد الله عزام): اجتهد الشيخ أسامة بن لادن بعد أن فهم الساحة وأصبحت لديه خبرة في التعامل مع القضية الأفغانية والجهاد الأفغاني، قرر الشيخ أسامة بن لادن عندها أن يركز معظم جهوده على العمل العسكري في داخل أفغانستان، ورأى أنه هذه النفقات الهائلة والضخمة التي كانت تُنفق في ساحة بيشاور كان يرى أنها يعني يمكن أن يُستغنى عن الكثير منها، وتُستثمر لصالح المجاهدين في داخل أفغانستان، لأنه إذا سقط النظام الشيوعي، فإن الاهتمام بالأمور الأخرى سيأتي تلقائياً إذا ما قامت الدولة الإسلامية، وكانت هنا.. نستطيع أن نعتبرها بدايات تأسيس تنظيم القاعدة، طبعاً خاطب الشيخ أسامة بن لادن الوالد بهذه الفكرة، وكان هناك نقطتي خلاف برزتا في هذه المسألة بين الشهيد الدكتور عبد الله عزام والشيخ أسامة بن لادن، الشيخ أسامة بن لادن الخلاف كان يدور حول نقطتين كما ذكرت.

النقطة الأولى: هي عملية تجميع الشباب العرب في منطقة واحدة في أفغانستان، بالتحديد منقطة جلال آباد التي انطلق تنظيم القاعدة منها.

وكانت النقطة الثانية.. نقطة الخلاف الثانية كانت هي في التركيز على الجانب العسكري فقط وعلى حساب الجوانب الأخرى.

ومن هنا لم يتفق الوالد مع الشيخ أسامة بن لادن على هاتين النقطتين.

ومضى الشيخ أسامة بن لادن إلى داخل أفغانستان، وأخذ يؤسِّس تنظيم القاعدة، وأخذ يركز على العمل العسكري كما ذكرت، وأخذ يجمِّع الشباب العرب أو معظم الشباب العرب أخذ يجمعهم في منطقة جلال آباد تحديداً.

[فاصل إعلاني]

تأسيس تنظيم القاعدة وانضمام التيارات الجهادية إليه

ياسر أبو هلالة: الخلاف بين أسامة بن لادن وشيخه لم يقتصر على أسلوب العمل، ففي انتخابات سرية للعرب في ساحة الجهاد انتُخب أسامة بن لادن رئيساً لمجلس الشورى متقدِّماً على شيخه، وهو ما عزز حساسيات بين من اختاروا العمل ضمن مكتب الخدمات من جهة ومن انخرطوا في صفوف القاعدة.

أسامة بن لادن (زعيم تنظيم القاعدة): ولم يكن هناك تنافس، والشيخ عبد الله -عليه رحمة الله- كان مجاله في باب الدعوة والتحريض، ونحن كنا في جبال باكتيا في الداخل، وهو يرسل إلينا الشباب نأخذ توجيهاته في ما يأمرنا به عليه رحمة الله، ونرجو الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبله شهيداً وابنيه محمد وإبراهيم، وأن يعوِّض الأمة من يقوم بالواجب الذي كان يقوم به،

حذيفة عبد الله عزام: على مستوى العمل كان هناك نوع من الاستقلالية، إنما على المستوى الشخصي أو على مستوى العلاقات الشخصية بقيت العلاقات الأخوية الحميمة مستمرة حتى استشهاد الوالد، كانت علاقتهم حميمة ما.. ما اختلفت العلاقة الشخصية على المستوى الشخصي، لم يكن هناك أي تأثير لرؤية الشيخ أسامة بن لادن لطريقة التعامل مع القضية الأفغانية ومع الجهاد الأفغاني، أو لرؤية الوالد في تعامله مع القضية الأفغانية وجهاد الأفغان.

أبو أكرم (محمد الخواجا): بقوا على وحدة حال خدمة جديدة، هدفهم واحد شايف، والذي يقول إن هنالك صار خلاف، ليس خلافاً بمعنى خلاف، خلافاً الذي بيصير زي بين.. بين اثنين على العمل على الهدف، أما الشيخ أسامة -الله يحفظه- كان يرى أن الشيخ عبد الله هو أبوه، وهو المظلة تبعته، وهو أيه.. يعني هو.. يعني لما راح الشيخ عبد الله الشيخ أسامة يقول بأن تعريت.

ياسر أبو هلالة: وصلٌ إنساني، وفصلٌ تنظيمي بين أسامة وشيخه أشبه ما يكون بتقاسم وظيفي بين القاعدة ومكتب الخدمات.

اكتظت بيشاور بأنواع شتى من التيارات الإسلامية، منهم من جاء وهو على وفاق مع نظامه، خصوصاً السعوديين والخليجيين، ومنهم من نجا بنفسه هرباً بدينه.

كان التوتر بين التيار الإسلامي الجهادي والدولة في مصر قد بلغ مرحلة الصراع الدامي، وكانت أفغانستان ملاذاً آمناً للمطارديين ولمن خرجوا من السجون، ولمن يتطلعون إلى قلب النظام بالقوة.

أيمن الظواهري (زعيم جماعة الجهاد المصرية): في أفغانستان اكتسبنا من الخبرات التنظيمية والسياسية والعسكرية ما لا يمكن أن.. أن نكتسبه في أي بلد آخر نتيجة هذه ساحة جهادية مفتوحة، مرحلة ثرية جداً، ومرحلة غنية جداً، واستفدنا منها في مصر استفادة شديدة جداً، وبدأت الأحداث تتصاعد في مصر بصورة يعني نستطيع أن نقول انفجارية..

ياسر أبو هلالة: كان لتلك التيارات ثارات مع حكوماتها، فخاضت معها مواجهات دامية، فيما كان عزام يميل إلى الاعتدال، وتحديداً إلى خط جماعة الإخوان المسلمين، واحتفظ بمسافة بينه وبين التيارات الجهادية.

كمال الهلباوي: كان لا يفتأ يذكر الإمام حسن البنا، والإمام الشهيد سيد قطب، ودعوة الإخوان المسلمين، وظل طول الوقت هناك مرتبطاً بجماعة الإخوان المسلمين، وما قد يشاع خطأً من أنه ترك جماعة الإخوان، هذا كلام ليس صحيحاً، وليس دقيقاً، وإن كان له بعض الملاحظات كان يريد أن يذهب عدد أكبر من الإخوان المسلمين في أفغانستان، ولكن الإخوان في ذلك الوقت عدد كبير منهم آثر أن يعمل في الإغاثة، في التعليم، لأن هذه الساحات كانت تحتاج إلى دعم أقوى وأكثر أيضاً مثل الحرب نفسها، فلا أظن أن كان هناك خلافات جوهرية بين الشيخ عبد الله عزام وبين الإخوان المسلمين، حتى آخر يوم من حياته.

ياسر أبو هلالة: كان بن لادن يفتح ذراعية للجميع، يحاول استيعاب كل راغب في القتال بمعزل عن منبته الفكري أو السياسي، وثمة من يرى أن الاستيعاب كان معكوساً، حيث استوعبت تلك التيارات بن لادن.

أبو أكرم (محمد الخواجا): جميع الذين ذهبوا إلى أفغانستان في بداية الأمر لا يمكن فيهم أي أحد متطرف، كلهم عندهم الخير، جاءوا إلى أفغانستان لعنصر الخير الداخلي، كل واحد كان الشيخ عبد الله عزام -رحمة الله عليه- يقول: أي واحد بيصل إلى بيشاور فيه خير.

كمال الهلباوي: يعني ليس جميع العرب الذين ذهبوا إلى أفغانستان كانوا من المجاهدين، وكثير منهم كان من المتنطعين، الذين عاشوا في.. في بيشاور وفي الضيافات وفي غيرها.

جولات عبد الله عزام داخل وخارج أفغانستان

ياسر أبو هلالة: انطلق عزام داخل أفغانستان وخارجها زار أغلب الجبهات، وتوثقت علاقاته بقادة الجهاد جميعاً، على رغم ما بينهم من خلافات، وتكشف وصيته آراءه بقادة المجاهدين، فقد كتب الوصية في بيت جلال الدين حقاني، الذي يصفه بالبطل، ويشيد بسيَّاف، وحكمتيار، ويونس خالص، وربَّاني، ومسعود، وحتى آخر يوم في حياته حاول الإصلاح بين الإخوة الأعداء حكمتيار ومسعود.

عبد رب الرسول سياف (رئيس وزراء حكومة المجاهدين الأسبق): إن الشيخ عبد الله عزام -رحمه الله- كان يسعى في توحيد كلمة المجاهدين، ولم يشترك قط في الاشتباكات الداخلية التي كانت تحصل بين المجاهدين وبين الفصائل المختلفة أحياناً، وإذا كان يسمع أن هناك اشتباك أو خلاف بين فصيلة أو أخرى.. بين منظمة أو أخرى كان يتدخل للإصلاح، وكان يتدخل لحل الخلافات، ولم يكن يقف بجانب مجموعة ضد أخرى لتشديد الحرب بينهما أو لإشعال النار أكثر فأكثر، بل كان يسعى في إطفاء النار وإطفاء الفتنة، وفي الإصلاح بين الطرفين.

ياسر أبو هلالة: رافق غلام الدين حكمتيار في زيارته لجبهاته، وهي جبهات لم تهدأ ضد الأجنبي حتى اليوم، وبلغ أحمد شاه مسعود في وادي بانشير برفقة برهان الدين رباني.

أسد بانشير القائد الطاجيكي الأسطورة في حياته ومماته، بعد الشقة ووعورة الطريق، ووحشة الغربة، كل ذلك لم يمنعه من الوصول إلى وادي بانشير الذي دوَّخ الروس، كان في داخله ما يعطيه الدفء واليقين والإصرار، الكوفية والعمامة تقيانه الرياح الباردة في الوادي البعيد.

حمل على الخيول والبغال والحمير هموماً وآمالاً، همُّه الفلسطيني لم يفارقه.

عبد الله عزام: وفلسطين قلب الأمة الإسلامية، وفيها المسجد الأقصى، وفيها مسقط رأسنا، ولكننا نبحث عن الأرض الذي نقيم.. التي نقيم فيها شريعة الله في الحياة، نبحث عن مكان نتظلل فيه تحت راية الإسلام.

ياسر أبو هلالة: بادله الأفغان في ذلك الحين ذات المشاعر.

بموازاة تلك الجولات في داخل أفغانستان كان له جولات مماثلة خارجها، وخصوصاً إلى الولايات المتحدة، كانت الدنيا بأسرها باستثناء المعسكر الاشتراكي ساحة مباحة له، كان ضيفاً دائماً على رابطة الشباب المسلم العربي في أميركا، وفي هذا اللقاء يظهر بوضوح مشاركة مسلمين أميركيين في الجهاد.

مواطن أميركي: على مدى الثلاث سنوات الماضية، كنت أعمل مع إخواني في مسجد الفاروق في نيويورك وفي نيوجيرسي، وتعرفت على الجهاد على مدى سنوات، وكذلك قرأت كتيباً من مؤلفات الدكتور عبد الله عزام حول كرامات الجهاد، وكذلك كتاباً ألفه الشيخ سياف، وقد ألهمتني هذه الكتب للعمل في سبيل الله -سبحانه وتعالى- الذي أمرنا بقتال الكفار.

عبد الله عزام:

My Salaam to my brothers in America those who are living in our heart and we are waiting...

ياسر أبو هلالة: كان كمال الهلباوي من الباحثين الناشطين، وقد شاركه في بعض الجولات.

كمال الهلباوي: إن أميركا كان ينبغي عليها أن تؤدي ديناً كبيراً لأفغانستان، لا أن تدمر أفغانستان، لأن الأفغان، ولأن المسلمين، ولأن المجاهدين بما فيهم عبد الله عزام، والذي فعلوه، والذي استفادت منه أميركا ما كان يمكن أن تستطيع أن تفعله أميركا لولا ما حدث من إخلاص من المجاهدين في أفغانستان، لا يعني هذا أن المسلمين كانوا يفعلون ذلك لصالح أميركا، إنما أميركا تخطِّط، وأميركا عندها من الأجهزة، وعندها من الأدوات ما يسمح لها بالاستفادة من هذا الجهاد دون أن تؤدي الدين الذي عليها.

ياسر أبو هلالة: لمكتب الخدمات كان ثمانية وثلاثون فرعاً في الولايات المتحدة الأميركية، أكبرها في نيويورك، التبرعات كانت تحوَّل عن طريق حسابات في البنوك الأميركية.

الرجل الثاني في مكتب الخدمات تميم العدناني، توفي أثناء جولة في أميركا، ودفن في بيشاور، حتى اليوم تقف علامة استفهام كبيرة حول اغتيال مسؤول مكتب الخدمات في أميركا الدكتور مصطفى الشلبي.

كثر لبُّوا نداء الجهاد تاركين الدراسة والعمل في الغرب، كان منهم خطاب الذي ترك الدراسة في أميركا، وجاء أفغانستان يافعاً يواصل رحلة القتال على رغم إصابته البالغة في يده، وليلاحق الروس في الشيشان إلى أن غدا من رموز المقاومة الشيشانية في حياته ومن بعد مماته.

أبو حمزة المصري، زعيم منظمة أنصار الشريعة في بريطانيا، والذي فقد يديه وإحدى عينيه بانفجار لغم في أفغانستان، كان يعمل في بريطانيا.

أبو حمزة المصري (رئيس منظمة أنصار الشريعة): كان يحاول أن يجمِّع أكبر عدد من الشباب للارتباط القوي بالقضية الأفغانية، ثم من لم يستطع أن يرتبط ارتباطاً قوياً جهادياً بالقضية الأفغانية كان يحاول أن يوظِّفه لجمع التبرعات، ونشر الكلمة، خاصة في الوقت هذا أنا كنت طبعاً بريطاني وفي مجال الهندسة، فمن هنا بدأ اهتمام خاص يعني بي في هذا الوقت، لأنه كان يريد كثير من الشباب يلتحقوا.

المآخذ على عبد الله عزام في تحريضه على القتال

ياسر أبو هلالة: استخدم عزام مهاراته الخطابية والكتابية في التحريض على القتال، وقبل ذلك قدَّم قدوة عملية، لكن أُخذ عليه ما اعتبر مبالغة وتضخيماً، سيَّما ما تعلق بالكرامات.

حسني عياش (كاتب ليبرالي): لا يمكن لأي إنسان يقدر يغير قانون تكوين الماء من الأوكسجين والهيدروجين، لا يمكن يكوِّن الماء من الأوكسجين والنيتروجين، هذا قانون معجزة، هاي معجزات الله، وهذه وظيفتنا إن مش بالدعاء نحصل عليها، الرسول قال للسيدة اللي جملها أجرب اجعلي مع دعائك شيئاً من القطران. القطران هو التكنولوجيا، هو.. هو العلم، هو الوسائل التي تناسب المشكلة، لذلك الدعاء لازم كان بحث وتطوير بالدرجة الأولى، الدعاء إننا نرجو أن نوفِّق في اكتشاف القانون التي هي معجزة الله، معجزتنا نحن هي اكتشاف القانون والعمل به، ذلك لم يحدث ولا يزال لم يحدث عند المسلمين والإسلاميين، ولذلك آمنوا بهذه الخوارق، وهي كلها أكذوبة، وقرأتها في كتاب "آيات الرحمن في جهاد الأفغان"، وحتى مؤلفها الأستاذ المرحوم عبد الله عزام قال: أنا ما شفت، بل صدقت، ولذلك كانوا الشباب يريدون أن كمان أن يروا هذه المعجزات، وأن يساهموا فيها، ولذلك ما كانت النتيجة إلا هذا السقوط المدوي.

ياسر أبو هلالة: هذه المآخذ واجهها عزام في عز دعوته.

عبد الله عزام: بالنسبة للكرامات قبل أن أنشرها في كتيب "آيات الرحمن في جهاد الأفغان"، عرضتها على فضيلة الأستاذ الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز، ووافق عليه، وبعد أن نُشر الكتاب اعترض بعض أهل العلم على أن هذا الكتاب فيه خرافات، وفيه شطحات، ثم أرسلوا للشيخ عبد العزيز -بارك الله في عمره- قالوا له: الصفحة الفلانية والصفحة الفلانية، فقال الشيخ عبد العزيز ائتوني بالكتاب وائتوني بالصفحات، اقرأ في الصفحة الفلانية قصة كذا، قال: ليس هذه.. ليست هذه خرافة، وهذه ليست خرافة، ثم قال أخيراً: دعوه ليقرأ الناس آيات الله -عز وجل- في هذا الجهاد، أو كما قال بكلماته، ثم يا أخي الحبيب، هنالك معجزة -كما قلت- لا يستطيع أحد أن ينكرها، معجزة..

المحاور: هزيمة.

عبد الله عزام: قصم الشيوعية في ظهرها، انتهت.. الشيوعية الآن بعد هزيمتها في أفغانستان بدأت تنحسر من واقع الأرض.

ياسر أبو هلالة: لكن على رغم ما بذله المجاهدون العرب في أفغانستان إلا أن الدور الحاسم كان للشعب الأفغاني.

عبد الله أنس: الزخم الحقيقي، البلاء الحقيقي، المحنة الحقيقية، المأساة الحقيقية هي التي تكبَّدها الشعب الأفغاني، الحقيقة الاتحاد السوفيتي لم يخرجه العرب من أفغانستان، إنما أخرجه الشعب الأفغاني، إنما نحن كنا تكملة لهؤلاء، لا تذكر، وإنما هو عامل معنوي لا أكثر ولا أقل.

ياسر أبو هلالة: التقديرات لأعداد المجاهدين العرب لا تزال متفاوتة حتى الآن.

عبد الله أنس: يعني العرب كلهم بمجموعهم لم يتجاوز عددهم يعني بضعة آلاف ألفين أو ثلاثة آلاف، وحتى هؤلاء الثلاثة آلاف كان منهم المتفرِّغ في الداخل، في داخل الجبهات، وهم قلة، ومنهم الطبيب في بيشاور، ومنهم السائق، ومنهم السكرتير، ومنهم المحاسب، ومنهم المعلم في المعاهد الدينية والشرعية.

حميد غول: أعتقد أنهم كانوا حوالي 38 ألفاً، أناس عاديون، جنود ومجاهدون، وعندما أقول جنوداً، أعني جنود الإسلام وليس الجنود النظاميين، شاركوا من جميع أنحاء العالم.

ياسر أبو هلالة: كان للعرب بمعزل عن عددهم مكانة خاصة في نفوس الأفغان.

يونس خالص (رئيس الحزب الإسلامي): نحن يعني من أعماق قلوبنا نحب العرب، وهذا من ديننا أنا نحب العربية ونحب العرب، فلا يمكن أن يكون هناك الـBBC أو لأي منافق أو كافر أثر في.. في نفوسنا، فنحن نعطيكم الاطمئنان، لأن هذه الدعاية لا يؤثر سلبياً على الأفغانيين وبخاصة على المسلمين منهم.

ياسر أبو هلالة: ويبدو أن خالص بقي وفيًّا للعرب إذ آوى بن لادن في مناطقه عندما طُلب منه مغادرة السودان. لم يكن العرب وحدهم في الساحة.

برهان الدين رباني (الرئيس الأفغاني السابق): كان هناك توجه عالمي الرسمي وغير الرسمي، الدول الإسلامية وغير الإسلامية كان للشباب من الدول المختلفة، من الدول الغربية والإفريقية، من الدول المسلمة وغير المسلمة كانت تواجد قوي هنا في بيشاور، وكان هناك خدمات تقوم به المنظمات والمؤسسات المختلفة بين المهاجرين، وكان هناك الدعم والمساعدات للمجاهدين، فكل المجموعة إسلامية وحتى غير الإسلامية حتى من دول بعض الدول الشيوعية من بولندا، كان يأتي شباب نحن كان يطلب أن يشارك في الدفاع عن أفغانستان.

التضييق على الأفغان العرب واغتيال عبد الله عزام

ياسر أبو هلالة: لم يطل شهر العسل للعرب في أفغانستان بانسحاب السوفيت بدأت الولايات المتحدة والغرب عموماً يضيقان بوجوده، فقد أسهموا في تشدُّد الأفغان أمام الحلول السياسية، وما لا يقل أهمية عن ذلك رحيل أبرز داعم للجهاد الأفغاني ضياء الحق.

عبد الله عزام: طلبوا أن تغلق المعسكرات في أفغانستان.. في باكستان حتى لا يتسنى للشباب العربي بالذات أن يجد مكاناً يؤدي فيه فريضة العبادة وواجب الإعداد، لقد طلب اليهود من مؤتمر جنيف أن تغلق المعسكرات في باكستان.

ياسر أبو هلالة: بدأ الخناق يضيق على العرب، غدا الشيخ عبد الله عزام مستهدفاً، لم يكن الاستهداف له وحده.

أسامة بن لادن: وكنا وهو في مركب واحد -كما لا يخفي عليكم- مع أخينا (...) فعُمِلت مؤامرة لاغتيال الجميع، وكنا نحرص كثيراً على ألا نكون دائماً مع بعضنا، وكنت كثيراً ما أطلب من الشيخ -عليه رحمة الله- أن يبقى بعيداً عن بيشاور في (صدى)، نظراً لزيادة المؤامرات، وخاصة إنه اكتشف في المسجد قبل أسبوع أو أسبوعين قنبلة، المسجد الذي يخطب فيه الشيخ في سبع الليل.

ياسر أبو هلالة: قبل اغتيال عزام اضطر ابن لادن للعودة إلى السعودية للمشاركة في جنازة أخيه الأكبر.

حذيفة عبد الله عزام: حين ودع الوالد الشيخ أسامة بن لادن وهو مسافر إلى المملكة العربية السعودية لحضور جنازة شقيقه، يعني تعانق الرجلان عناقاً طويلاً، كان كل منهما يظن كل الظن ألا تلاقيا، كأنهما كانا يشعران أنه آخر.. أنه آخر لقاء يجمع بين الرجلين، ولذلك العناق استمر طويلاً ورأينا الدموع تنهمر من الرجلين يعني على حدٍ سواء، سواء من الوالد أو من الشيخ أسامة بن لادن، حقيقة بكيا بكاء طويلاً، وكل، حتى أبكيا جميع الحاضرين.

ياسر أبو هلالة: دخول عزام على خط الانتفاضة الأولى جعله في مرمى الموساد، ويرجح المتابعون أنهم من نجحوا في اغتياله.

حميد غول: التكنيك أو الأسلوب كان أسلوب الموساد الإسرائيلي، والموساد كان يعمل وكان خائفاً من روح الجهاد كانوا ينتقدون الأميركيين، لماذا يقدمون الدعم للجهاد في أفغانستان؟ كان هناك الكثير من النقد من قبل اليهود، أميركا دعمت لأهداف استراتيجية، خاصة لأهدافها السياسية والاستراتيجية.

حذيفة عبد الله عزام: تولى قضية التحقيق هو نائب شرطة منطقة بيشاور، ويُدعى العقيد إسكندرخان، وكان على اتصال دائم معنا، يعني كان يزورنا باستمرار ويطلعنا على الأمور أولاً بأول، ما كان يعني يُتداول من معلومات على الصعيد الرسمي كان يختلف تماماً عن المعلومات التي كانت تتداول ما.. فيما بيننا وبين المحققين، تحدث صراحة بأن الموساد الإسرائيلي يقف وراء هذه العملية، وأن جهاز الاستخبارات الروسي كان بعيداً كل البعد، لأن الروس كانوا قد انسحبوا وخرجوا من أفغانستان، ولو أرادوا أن يغتالوا والدي لاغتالوه في الفترات السابقة، التي كان يمارس فيها دوراً كبيراً في القضية الأفغانية وفي الجهاد الأفغاني.

ياسر أبو هلالة: أما اتهام القاعدة فذلك ما ينفيه بشدة المقربون من عزام.

أبو أكرم (محمد الخواجا): أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أن يكون مثل هذا، فأكثر الذين خسروا بفقدان الشيخ هو كان الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله، فكان خسارة ذهاب الشيخ إلى الجهاد الأفغاني وإلى العرب وخاصة الشيخ أسامة، فكيف يكون هذا؟!

أسامة بن لادن: اليهود كانوا أكثر المتضررين من تحرك الشيخ عبد الله، فالمعتقد أن إسرائيل مع بعض عملائها من العرب هم الذين قاموا باغتيال الشيخ، أما هذه التهمة نعتقد يروجها اليوم اليهود والأميركان مع بعض عملائهم، ولكن هذه أدنى من أن تُرد، يعني لا يعقل أن الإنسان يقطع رأسه، ومن عاشوا الساحة يعلموا مدى الصلة القوية بيني وبين الشيخ عبد الله عزام، والترَّهات يعني يذكرها بعض الناس.

ياسر أبو هلالة: التحقيقات الباكستانية وصلت أو أُوصِلت إلى طريق مسدود.

حميد غول: ليس كـ(دانييل بيرل) الذي قُتل فجن جنون الأميركيين في باكستان بسبب المصالح الأميركية، عزام كان فرداً عليه.. أعتقد أن الحكومة الباكستانية آنذاك وأعتقد أنها كانت حكومة (بي نظير) لم تكترث.

ياسر أبو هلالة: وارى العرب الأفغان شيخهم تحت التراب في مقبرة الشهداء في (...)، لكنه ظل حاضراً بينهم بقوة.

أمطر المجاهدون العرب كابول بالصواريخ في عملية حملت اسمه.

في فلسطين ضمته السيلة الحارثية إلى شهدائها.

مسجد عبد الله عزام ظل منتصِّباً شاهداً على ملحمة مخيم جنين.

غادر عبد الله عزام الدنيا، واستقر تحت التراب إلى جوار كثيرين ممن سبقوه، ولحقوه في ضرب الجهاد.

غادر السوفيت أفغانستان، غادرها أيضاً أسامة بن لادن، لكنه عاد مرة أخرى، ومعه جيل جديد لم يعايش دخول السوفيت ولا خروجهم، جيل يدَّعي وصلاً بعبد الله عزام.

أحمد الحزنوي العامدي (أحد الخاطفين المفترضين): ولتعلموا أن أرحام الأمهات ما عقمت أن تنجب أمثال خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي رحمة الله عليهم، ورضي الله عنهم، وكذلك ما عقمت أن تنجب أمثال شيخنا عبد الله عزام، وغيره من الرجال الذين ضحِّوا من أجل دينهم رحمهم الله جميعاً، رسالة مفادها: إن كان قد قُتل عبد الله عزام -رحمة الله عليه وتقبله شهيداً- ففي الأمة ألف عبد الله عزام.

ياسر أبو هلالة: لكن هل كان هذا خط عبد الله عزام، وهل ترسموا خطاه أم انحرفوا عنها؟ دراسة فقهية عن جواز ضرب برجي نيويورك أهداها المخططون إلى عبد الله عزام.

المؤكد أن تجربة الشيخ العملية تركزت على مقاومة الاحتلالين الإسرائيلي في فلسطين، والسوفيتي في أفغانستان، ولم يكن العالم في حينها قد عرف هذا النوع من الحروب.

في معارك شاهينكوت التي كانت أعنف مواجهة بين القاعدة وطالبان من جهة والقوات الأميركية من جهة أخرى، وفي وسط الأنقاض كان عبد الله عزام حاضراً.

هذه المرة في كتاباته، فيما كتاب أفغانستان لم تجف صفحاته بعد.