أكد زعيم ومؤسس الحركة الإسلامية في السودان الدكتور الراحل حسن الترابي أن الأشهر الستة الأولى التي تلت انقلاب الثلاثين من يونيو/حزيران 1989 كان مخططا لها وفق كل الاحتمالات، وأن الإسلاميين آثروا عدم الظهور علنا في المناصب، لكنهم كانوا يديرون الأمور من وراء الستار، خاصة بعد المرحلة التالية من الانقلاب.

غير أن الترابي كشف -في شهادته العاشرة المسجلة لبرنامج "شاهد على العصر"- أن الذين كانوا يتولون السلطة في الظاهر استقلوا بأمر الجيش في الأيام الأولى للانقلاب أو ما يطلق عليه "ثورة الإنقاذ الوطني". 

وذكر أن اسم عمر البشير (رئيس السودان الحالي) لم يكن مذكورا في إعلان انقلاب 1989، وأن من سماهم البعثيين هم من كشفوا أمره في صحيفة كانت تنشر في أوروبا، حيث كشفوا انتماءه للإسلاميين وكان بعثيا أول الأمر.

الانقلاب
ووقع صباح يوم الجمعة 30 يونيو/حزيران 1989 انقلاب عسكري بقيادة العميد الركن عمر حسن البشير الذي أعلن نفسه رئيسا لمجلس قيادة الثورة وأسس مجلسا للثورة. وبالاتفاق مع الترابي تم الزج بهذا الأخير في السجن رفقة آخرين من أبناء "الجبهة الإسلامية القومية"، وذلك حتى لا ينكشف أن الإسلاميين هم من وراء الانقلاب.

وأكد الترابي في شهادته المسجلة أن مكوثه في السجن طالت مدته بخلاف ما كان الاتفاق عليه مع البشير، وخلال هذه الفترة كان علي عثمان طه، نائب الأمين العام هو من يتولى أمور الحركة الإسلامية، لكنه "استقل بالأمر وحده" إلى حد ما.

ومن القرارات التي اتخذها مجلس الثورة الإطاحة بحكومة الصادق المهدي المنتخبة، وتعطيل الدستور، وحل المجلس النيابي، وحل الأحزاب السياسية، ومصادرة أموال الأحزاب، وإلغاء رخص الصحف، وحل الجمعيات غير الدينية كلها.  

وبشأن مسؤوليته عن تسليم السلطة لنظام عسكري لا يختلف عن بقية الأنظمة الشمولية والقمعية، باعتباره صاحب فكرة ومشروع الانقلاب، قال إن الخطأ كان خطأ الحركة الإسلامية كلها.

وأقر الترابي رغم ذلك بأنه نجح في التمويه بشأن الانقلاب، حيث لقي هذا الأخير ترحيبا واسعا من جيران السودان، أفارقه وعربا، ومن الدول الغربية، ووعدت هذه الأطراف الرئيس البشير بمساعدة غير محدودة، واعتبر أن ذلك كان عامل فتنة للعسكر.

مجلس الشورى
وتحدث المفكر والسياسي السوداني الراحل في شهادته عن فترة خروجه من السجن الذي مكث فيه سبعة أشهر، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في بيته، ثم سفره إلى خارج السودان وبالتحديد إلى أوروبا الغربية، بصفته "فريسة للنظام".

كما تطرق إلى القرار الذي اتخذه قادة الحركة الإسلامية السودانية بعد خروج الترابي من السجن، والقاضي بحل مجلس الشورى، وكشف أن القرار تم التصويت له من طرف معظم الأعضاء (60) ولم يعترض عليه سوى اثنين أو ثلاثة. وقال إن مجلس الشورى كانت لها وظيفة واحدة، وهو إيصال الحركة إلى السلطة.

وأشار أيضا إلى تأسيس مجلس سري "المكتب التنفيذي" بعد تسعة أشهر من الانقلاب ضم أربعة من قيادات الحركة الإسلامية بينهم الترابي، وأربعة من العسكر بينهم البشير، وأربعة من الخبراء المدنيين في أي قضية تطرح، وكانت اختصاصات المجلس -الذي يترأسه الترابي- تتمثل في إدارة أمور الدولة والمجتمع، وكان يحسم في القرارات الكبرى مثل ما يتعلق بالسياسة الخارجية وبالموازنات.

وكشف الترابي أيضا في شهادته العاشرة المسجلة أن الحركة الإسلامية رفضت أن يتبع جهازها الأمني، الداخلي والخارجي، لجهاز أمن الدولة، بحجة حماية الحركة في حال حصول أي تغييرات أو تطورات.