تونس.. غضب يتصاعد مقابل الغلاء

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

عـاجـل: رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تنجو من اقتراع لحجب الثقة عنها كزعيمة لحزب المحافظين

تونس.. غضب يتصاعد مقابل الغلاء

خميس بن بريك-تونس

يحدق المواطن الخمسيني منذر ساسي النظر بعينين غاضبتين في جحافل رجال الشرطة المصطفين أمام مبنى وزارة الداخلية التونسية بزيهم الأسود وخوذاتهم، وأمام أعينهم يصرخ مئات الشباب المحتجين بهتافات تدوي بإسقاط الحكومة، تعبيرا عن غضبهم من غلاء الأسعار في أعقاب المصادقة على قانون المالية 2018.

هذه ليست المرة الأولى التي نزل فيها هذا الرجل الممتعض من غلاء المعيشة وسط شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة للمشاركة في الاحتجاجات المنددة بارتفاع الأسعار، تاركا خلف ظهره مكتبه الخاص للترجمة في أحد الأزقة القريبة مقفلا، وهمّه الوحيد بات منصبا نحو الاحتجاج لا غير.

لم يتردد الرجل في الإدلاء بتصريحه للجزيرة نت حول ظروف عيشه ووجوده في هذا المكان المدوي بشعارات غاضبة وصلت حد المطالبة برحيل الرئيس الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد بسبب القفزة الجنونية للأسعار، فهو يرى أن الأسعار أخذت "منحى تصاعديا دون رجعة".

تونسيون في شارع الحبيب بورقيبة أمس الثلاثاء يحتجون على ارتفاع الأسعار (رويترز)

أوضاع متردية
قبل تسع سنوات بدأ ساسي مع شريكة حياته في مشوار الزوجية بحلم اكتساب شقة متواضعة في العاصمة تونس تجمعهما مع ولديهما الصغيرين، لكن كل ما جمعاه من أموال طيلة تلك السنوات تبخر تدريجيا بسبب لجوئهما إلى السحب من دفتر ادخارهما لتغطية مصاريف الدراسة وإيجار المنزل ونفقات الأكل والنقل والدواء وغيرها.

وزاد كساد السوق من تدهور عائدات المترجم المتخرج من إحدى كليات الفلسفة، بينما اضطرت زوجته لفتح محل لبيع المرطبات التونسية التقليدية لإعانة زوجها، لكن غلاء المواد الأولية وضعف القوة الشرائية للتونسيين جعلا عائداتها المالية تتقلص، فهي بالكاد تستطيع تسديد معلوم إيجار متجرها لتحتفظ بالنزر اليسير.

ورغم هذا ما زال بصيص الأمل قائما لدى ساسي المشتعل رأسه شيبا من قسوة الحياة عليه، فهو يرى أن تجدد الحراك الثوري في البلاد بعد ركود طويل يمنح نقطة دفع جديدة لإعادة مطالب الثورة إلى مربعها الأول، وهي مطالب قال إنها "لم تتجسد بعد مضي سبع سنوات عجاف على الثورة المنتكسة أمام قوى سياسية حاكمة سعت لوأدها في المهد".

قد يبدو على وجه منذر ساسي بداية علامات الكبر والوهن، لكنه يقول إن قلبه متقد بعدوى شرارة الشباب الواعي والمستمر في نهجه الثوري رفضا لما يعتبره تفقيرا وتقصيرا وتهميشا بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة بعد سقوط النظام السابق عام 2011 والراضخة لإملاءات صندوق النقد الدولي ودوائر النفوذ العالمي، بحسب هذا المثقف.

الشرطة التونسية أثناء مواجهات مع محتجين الليلة الماضية (رويترز)

غلاء مستمر
مضى أكثر من ربع قرن جابه فيه ساسي الحياة بعزيمة، لكنه كلما ازداد كدحا في عمله ازداد فقرا، وحاليا هو لا يملك منزلا ولا سيارة، ولا آفاق له غير عائلته الصغيرة المتعلقة به. وعجزه عن تغيير حياته نحو الأفضل جعله يشعر بالإحباط مثل غيره نتيجة غلاء الأسعار التي استفاق التونسيون على ذروتها صبيحة العام الجديد 2018.

وبداية من رأس السنة الجديدة شهدت رسميا أسعار البنزين والغاز ارتفاعا، لكن المعضلة لم تقف عند ذلك، فرغم تأكيد الحكومة أنها لم تفرض أي زيادة في أسعار المواد الأساسية شهدت الكثير من السلع الاستهلاكية ارتفاعا كالسكر والقهوة والخضر واللحوم والأدوية والتوابل ومواد التجميل وغيرها جراء تحرر أسعار أغلب السلع.

وقد زاد الجدل المرافق للمصادقة على قانون المالية لسنة 2018 واحتوائه على بنود تنص على الزيادة في الأداء على القيمة المضافة والأداء على الشركات وأداء الجمارك والخصم من الأجور بعنوان مساهمة ظرفية موجهة للصناديق الاجتماعية؛ في توتر الأوضاع في العديد من المدن التونسية المشتعلة بنيران الاحتجاجات المستمرة.

وفي ضوء هذه الزيادات الملتهبة تصدرت ساحات العاصمة وعديد المدن التونسية حملة شبابية محتجة أطلق عليها "فاش تستناو؟" (ماذا تنتظرون؟) نجحت في تعبئة الشوارع للاحتجاج ضد الحكومة والمطالبة بإسقاطها وإسقاط قانون المالية، إحدى السياسات اللاوطنية المستهدفة لقوت الشعب والطبقات المحرومة بحسب أنصارها.

احتجاجات غاضبة
وتشهد منذ أيام عديد المدن احتجاجات ليلية قام خلالها محتجون بحرق سيارات أمنية وعجلات مطاطية والاشتباك مع قوات الأمن، بينما اتهمت أحزاب الائتلاف الحاكم المحتجين بالتخريب والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة وبث البلبلة، وهي اتهامات تنفيها إحدى ناشطات "فاش تستناو؟".

تقول الطالبة بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية في تونس زينب بن أحمد للجزيرة نت إن هناك محاولات سياسية لتشويه الاحتجاجات الرافضة لتمرير قانون المالية، مؤكدة أن هذه الاحتجاجات يخوضها شباب من مختلف المشارب والتوجهات الرافضة لما يعتبرونه تفشيا للبطالة وتدهورا للمعيشة بسبب خيارات الحكومة.

ولا تنكر هذه الشابة الثلاثينية وقوع أعمال تخريب، لكنها تتهم أطرافا مأجورة بارتكابها لتشويه الاحتجاجات بهدف توسيع الاعتقالات تجاه العشرات من ناشطي الحملة وتبرير الاعتداءات من قبل الشرطة التي اتهمتها بقتل أحد المتظاهرين في العاصمة دهسا بالسيارة. وتنفي وزارة الداخلية تلك الاتهامات.

وما زالت الحكومة التونسية ماضية في تنفيذ قانون المالية الجديد، بينما تتوعد زينب ورفاقها بمواصلة الاحتجاج بكل الأشكال السلمية لإسقاطه، معتبرة أن الشباب التونسي المطالب بالحرية والكرامة لن يخسر شيئا أكثر مما خسره بعدما ظلت الأوضاع على حالها بعد سبع سنوات على الثورة مع بقاء الفقر والجوع والقمع، حسب تعبيرها.

المصدر : الجزيرة