رغم أن المؤشرات تدل على أن لا حل قريبا للأزمة بين روسيا وتركيا، يرى مراقبون أن التصعيد بين الطرفين وصل ذروته، وأن لقاء باريس المرتقب بين بوتين وأردوغان قد يشكل منطلقا لتحسين العلاقات بين بلدين تجمعهما مصالح اقتصادية وسياسية كثيرة.

أحمد السباعي
يروي تاريخ العلاقات بين روسيا وتركيا أن "الصداقة السياسية" التي جمعت رئيسي البلدين -فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان- "حالة شاذة"، فروسيا كانت تدفع باتجاه الجنوب والإمبراطورية العثمانية نحو الشرق، وكانتا دائما على طرفي نقيض، وخاضتا عشر حروب منذ عام 1676.

علاقة الرجلين كانت قائمة على تبادل الزيارات بشكل شبه دوري، وكان آخرها حضور أردوغان افتتاح مسجد في موسكو هو الأكبر في أوروبا، ومشاركة بوتين في قمة العشرين التي احتضنتها أنقرة وعقد لقاء مع أردوغان على هامش القمة.

ولكن على ما يبدو، فإن هذه العلاقة "استراحة قصيرة لمتحاربيْن وانتهت"، فالعلاقة أصيبت مع التدخل الروسي في سوريا، ودخلت غرفة العناية مع إسقاط أنقرة المقاتلة الروسية، مما دفع معظم الدول إلى رفع الصوت وطلب التهدئة من الطرفين قبل أن تموت هذه العلاقة وتنذر بنشوب الحرب الحادية عشرة بين البلدين تكون تداعياتها كارثية على العالم.

"الصداقة السياسية" التي جمعت بوتين (يسار) وأردوغان كانت عبارة عن "استراحة محارب" بين البلدين (أسوشيتد برس)

الدخان الأبيض
ويعزو مراقبون اعتماد الرجلين سياسة حافة الهاوية، إلى طموح زعيمين قويين لا يظهر أحد منهما نية التراجع والبحث عن تسوية، فبوتين يريد "اعتذارا تركيا صريحا أو عرضا لتسوية عن الأضرار ووعدا بمعاقبة المجرمين"، ثم يتابع أن "ما يجري يعطي انطباعا أن القيادة التركية تدفع العلاقات بين البلدين إلى طريق مسدود".

أردوغان لم يعتذر ولكنه أقر أن بوتين لم يجب على اتصالاته، وقال "نشعر بالحزن للغاية جراء حادثة إسقاط الطائرة الحربية الروسية"، وأضاف "نتمنى ألا يتكرر ذلك مرة أخرى، ولكن حدث ما حدث، نأمل ألا يحدث شيء من هذا القبيل مرة أخرى". 

ويؤشر ما سبق إلى أن التصعيد وصل ذروته، والجميع يضبط ساعاته على توقيت باريس بانتظار اللقاء المرتقب بين أردوغان وبوتين على هامش قمة المناخ التي ستعقد الاثنين في العاصمة الفرنسية، على أمل أن يكون "فرصة لإصلاح علاقات البلدين" كما صرح الرئيس التركي.

ولكن لماذا قد يخرج الدخان الأبيض من باريس وتعود الأمور إلى طبيعتها بين البلدين في حال عقد اللقاء بين الرجلين؟ يلخص المتابعون الإجابة بعدة نقاط:

  • حاجة البلدين لبعضهما البعض في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الذي بات يشكل خطرا عليهما.
  • الضغوط الدولية التي تدفع باتجاه تسوية تحفظ ماء وجه "القيصر" ولا تكسر "السلطان"، خصوصا أن نشر موسكو صواريخ "أس 400" المضادة للطيران يمنع المقاتلات التركية من دخول الأجواء السورية، ويشكل تهديدا مباشرا لمقاتلات التحالف وطائراتها من دون طيار في شمال سوريا.
  • أزمة "ناغورني كارباغ" لا تزال حاضرة في ذاكرة العالم كمثال على تهور الخطاب بين البلدين، حيث دعمت أنقرة الأذريين في مواجهة الأرمن الذين دعمتهم موسكو.
video
مصالح اقتصادية
  • تعد الحرب الدائرة في كل من العراق وسوريا حقلا لصراعات عدة قد تستمر أجيالا، فتركيا تعتبر حزب العمال الكردستاني "خطرا وجوديا" عليها، وتلمح إلى أن موسكو تدعم مليشيات كردية، في المقابل تزعم موسكو أن الجهاديين يمرون عبر تركيا لدعم المعارضة المسلحة والجماعات الإسلامية في سوريا لمحاربة حلفاء موسكو، كنظام الأسد والمليشيات الداعمة له.
  • البلدان يعتمدان اقتصاديا على بعضهما بعضا، فتركيا هي ثاني أهم الشركاء التجاريين لروسيا، والسوق الكبرى للواردات الروسية التي بلغت العام الماضي نحو ثلاثين مليار دولار، منها 25 مليارا قيمة الغاز الطبيعي، ويستبعد خبراء غربيون أن توقف تركيا إمدادات الغاز الروسية في الوقت الراهن. ويتابعون أن "تركيا ربما تبحث عن بدائل للغاز الروسي مستقبلا، إذا استمر التوتر السياسي والعسكري بين البلدين".
  • روسيا تعد الوجهة الكبرى للصادرات التركية وخصوصا من المنسوجات والمأكولات، إضافة إلى شركات المقاولات التركية التي فازت بحصة كبيرة في السوق الروسية، ولم يستبعد وزير البناء والإسكان الروسي ميخائيل مين، إمكانية فرض حظر على تركيا في مجال البناء، قائلا إن مصداقية الشركات التركية تأثرت سلبا.
  • صحيفة "برافدا" الروسية تتحدث عن احتمال إلغاء موسكو لمشاريع كبرى تقدر قيمتها بحوالي 44 مليار دولار.
video
خسائر سياحية
  • السياحة التركية تكبدت خسائر كبيرة بعد دعوة موسكو الروس لعدم التوجه إلى تركيا وإيقاف العمل بنظام إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول إلى أراضيها، وذلك اعتبارا من مطلع شهر يناير/كانون الثاني المقبل. وتستقبل تركيا نحو 4.4 ملايين سائح روسي سنويا، ضخوا في الاقتصاد التركي العام الماضي نحو مليار دولار.
  • روسيا تعاني حاليا من انخفاض إيرادات النفط والغاز الطبيعي، وتدهور قيمة الروبل، ومن الحظر الغربي الذي أثر على أسواقها وحصولها على القروض المالية من المصارف الغربية. كما تواجه صعوبات مالية كانت ستقودها للإفلاس، لولا الدعم الصيني. وبالتالي، فإن روسيا بحاجة ماسة إلى السوق التركية.
  • وزير الزراعة التركي، فاروق جليك، قال إن أي إجراءات تجارية تتخذها روسيا تضر بشكل أكبر بالمزارعين الروس. وكان الكرملين أوعز لمسؤولي الجمارك بتفتيش البضائع التركية على الحدود بدقة "لأسباب مختلفة"، بما في ذلك التهديد الإرهابي المحتمل.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية