تبدو تجربة الإذاعات السورية التي ولدت بعد اندلاع الثورة على نظام الأسد حافلة بالصعوبات، فهي لم تتمكن من العمل داخل الوطن، كما أبعدها وجودها خارجه عن آلام السوريين الذين ربما باتت متابعة وسائل الإعلام ترفا بالنسبة لأكثرهم.

هيثم حسين-لندن

 
على وقع الأوضاع الصعبة التي يعيشها السوريّون منذ أربع سنوات، ومع تزايد فترات الانقطاع بين الداخل والخارج، ولدت إذاعات محلية تحاول نقل الوقائع والأحداث وإيصال الأصوات بين الوطن الجريح وأبنائه.

أصبحت الإذاعات المحلية إحدى سبل تغطية الثورة، وشكّلت نوعاً من التعويض النسبيّ في ظلّ التعتيم المفروض من قبل النظام، وسعت لتسليط الأضواء على المعاناة المتفاقمة من جهة، وإبراز بعض صور الصمود والتحدّي من جهة أخرى، ناهيك عن استيعابها لعدد من الإعلاميّين وإعدادها لإعلاميّين شباب، وتوفيرها مصدر رزق لعدد ممّن وجدوا أنفسهم مفصولين من أعمالهم، أو لاجئين بدول الجوار.

ورغم وصول عدد الإذاعات التي تغطي جوانب من حياة السوريّين بمختلف الأمكنة، للعشرات، فإنّ بعضها يفتقر إلى المقوّمات الأساسيّة للعمل، ويكتفي بالأغاني والاستعانة بالأخبار والتعليقات من وسائل الإعلام الأخرى، ولم يتمكن من تحقيق شخصيّة خاصّة.

عدّة تجارب ظهرت واحتلّت حيّزاً من الاهتمام، وراكمت خبرة وتجربة خلال عملها وانطلاقها، وأسست أرضية يمكن البناء عليها، والإفادة منها، من هذه التجارب على سبيل المثال إذاعة "صوت راية" التي تبثّ من إسطنبول، وإذاعة "نوروز"، و"آرتا إف إم" التي تبثّ من الداخل السوريّ من مدينة عامودا على الحدود التركيّة.

أليسار حسن: الإذاعات ولدت من التساؤلات اليومية المرتبطة بهوية المجتمع (الجزيرة نت)

مغامرة وصمود
مديرة إذاعة "صوت راية" أليسار حسن تقول إن الإذاعة "ولدت من التساؤلات اليومية المرتبطة بهوية المجتمع السوري، من هو الإنسان السوري؟ ماهي الصورة الحقيقة للمجتمع السوري؟".

وتشير إلى أن سبب ولادة الإذاعة وغيرها بالخارج يعود لغياب الظروف النموذجية للعمل الإعلامي نتيجة للتعتيم والقمع الذي مارسه النظام السوري، وغياب الظروف الطبيعية للحصول على المعلومات بالمناطق الخارجة عن سيطرة النظام بسبب قطع موارد الطاقة وتعطيل وسائل الاتصال والتواصل من قبل النظام، والفراغ الكبير في حاجة الناس للمعلومة والمعرفة.

وعن أهداف الإذاعة، تقول "تركز صوت راية على الشأن المحلي في كل القضايا المرتبطة بحياة الأفراد والجماعات والقوميات المكونة للهوية السورية، وتعمل على خدمة المواطن وزيادة مشاركته في الشأن العام وفي القضايا التي تؤثر على حياته اليومية، وتنقل قصصه للرأي العام، وتحاول وضعه في صورة الأحداث المحلية والدولية، وخلق التواصل بين المواطن والمجتمع وصناع القرار".

وتذكر أنّ إذاعتهم تعرّضت لهجمات من قبل مسلّحين في بعض المناطق، ما تسبّب بوقف البثّ عبر الموجة القصيرة FM لفترة، كما تعرّض مبناها بمدينة سراقب لقصف من قبل قوات النظام، ما أجبر على إيقاف البث ونقل الفريق والمعدات لمكان يعتبر أكثر أمناً، وهو ما جعل العاملين يرفعون شعار "الصوت مقابل الموت".

العاملون بالإذاعات يواجهون القمع والاعتقال والقتل داخل سوريا (الجزيرة نت)

قمع واعتقال
وتتحدث مديرة إذاعة "صوت راية" عن ضغوط يتعرّض لها عدد من مراسلي إذاعتهم بالداخل السوريّ، من قمع واعتقال وخطف، وكيف أنّ عدداً منهم يلجأ للعمل بأسماء مستعارة بهدف حماية أنفسهم.

كما تؤكد أنّه خلال سنة وبضعة أشهر من عمر الإذاعة استطاعت تحقيق عدد من أهدافها، وتمكنت من تكوين شراكة وتعاون مع راديو هولندا العالمي، إضافة لإطلاقها ورعايتها لحملات حقوقية يدور موضوعها حول الشأن السوري.

تعبير عن التنوّع
إذاعات محلّيّة أخرى سعت لإظهار التنوّع الذي تحفل به سوريا، وحاولت تشكيل جسر بين مكوّنات البلد، كإذاعة "آرتا إف إم" التي تبثّ بأربع لغات "الكردية والعربية والسريانية والأرمنية".

يقول المدير التنفيذي سيروان حاج بركو إنّ العمل الاعلامي بالداخل السوري معقد وصعب لأسباب كثيرة، منها غياب الاستقرار للقائمين على العمل، ما يؤثر على تركيزهم بالأداء، بالإضافة إلى الضغوط النفسية الناتجة عن العوامل المحيطة كغياب الخدمات ومنها الكهرباء وقلة الوقود والغلاء والهجرة المستمرة والضغوط الأمنية، والتصرفات العشوائية من السلطات التي تدير المناطق، إضافة لأجواء الحرب التي تعيشها المنطقة كلّها.

ويؤكّد بركو أنّ "آرتا إف إم" استطاعت خلال عام ونصف عام أن تصبح وسيلة لنقل معاناة الناس وأمنياتهم.

ويقول "كانت مناطقنا مهمشة بدون أي وسائل إعلام أو مراكز لتدريب الصحفيين على تعلم المهنة، وكان الناس يحتاجون لإعلام يبحث مشاكلهم وينقل أخبارهم وما يحدث في محيطهم ووطنهم والعالم بلغتهم، وهذا ما ركّزنا عليه منذ بداية عملنا في أننا إذاعة محلية تعمل في منطقة الجزيرة وعين العرب (كوباني) وقريباً في عفرين، باعتبارها مناطق مهمشة في غالب المجالات وبخاصة الإعلام".

خليل: نقلنا انتهاكات النظام والمعارضة بحق المدنيين (الجزيرة نت)

ضغوط وعراقيل
أمّا اذاعة "نوروز سوريا" التي بدأت بثّها منذ حوالي سنة ونصف سنة كواحدة من منظومة الإعلام السوري البديل الذي نتج عن الحراك الثوري، فهي ناطقة بالعربية والكردية.

المدير التنفيذي السابق للإذاعة عبدو خليل، والذي انتقل مؤخّراً لألمانيا، قال إنه منذ البدايات حاولت الإذاعة تطبيق معايير الإعلام الحر، وحاولت الفصل بين الأجندات والميول السياسية لصالح مهنية العمل الصحفي.

ويتابع "نقلنا انتهاكات النظام بجرأة ولم نوفر انتهاكات الفصائل المسلحة المحسوبة على المعارضة بحق المدنيين، ونقلنا صورة الأوضاع وهيمنة بعض الأطراف وما رافقها من خروقات لمفاهيم حقوق الإنسان".

ويعترف خليل أنّهم كإعلاميّين باتوا خارج حدود المكان والزمان، وأنّهم مكانياً خارج البلد ولم يستطيعوا الصمود على الأرض مثلهم مثل غيرهم نتيجة تعقيدات الوضع العسكري، وزمنياً خرجوا من الأحداث وصناعة الأخبار لتشكيل رأي عام، وتحولوا لإذاعات تتحدّث عن صناعة الكعك وصعوبات الاندماج في البيئات الجديدة المفروضة على السوريين نتيجة ظروف اللجوء.

ويقول بمرارة "بين ليلة وضحاها وجدنا أنفسنا ضحية كذبة كبيرة هي الإعلام الحر أو البديل، عدا عن أننا ساهمنا مع غيرنا في إنتاج شريحة إعلامية بات همّها الأول الحصول على سقف رواتب عالٍ يلائم مغريات العيش في بلد مثل تركيا وهذا بحد ذاته مشكلة أخرى يطول الحديث حولها".

وبرأي خليل فإن بناء إعلام حر وبديل يحتاج، إضافة لمعايير المهنية والمصداقية، إلى تأمين رأسمال وطني مؤمن بدور الإعلام الحر، ويؤمّن له الحدود الدنيا من الاستقلالية بعيداً عن الأجندات السياسية، محلية كانت أو دولية.

المصدر : الجزيرة