مع طول أمد الثورة السورية التي باتت مفتوحة، تطول معاناة السوريين الذين تلاحقهم آلة الحرب والدمار من قبل قوات النظام، مما يجعل طعم الأعياد التي تمر عليهم خالية من الفرحة وتحل محلها المخاوف من القتل وذكريات ذويهم الذين قضوا.

يزن شهداوي-ريف حمص
سلافة جبور-دمشق

ما بين شبح الموت الذي يطاردهم وذكريات فقدان من راح ضحية آلة القتل، استقبل السوريون عيد الأضحى حيث تسود الأحزان والمخاوف، لكن عفوية الأطفال وبراءتهم خلقت جوا من الفرحة.

ففي حي الوعر بريف حمص المحاصر، لاحقت الصواريخ التي تطلقها قوات النظام الأهالي في أول أيام العيد، وسقطت قرب المقابر التي هي عبارة عن حديقة كبيرة داخل الحي يتم دفن قتلى الحي بداخلها.

وتحدث مدير مركز حمص الإعلامي أسامة أبو زيد عن حالة من الرعب أصابت الناس، "حيث عاش المصلون في مسجد الحي لحظات موت محققة تزايدت مع سماع هدير الطائرة الحربية. وبدأ الأطفال يهرعون للاختباء بين المصلين"، وانتهى الأمر بغارة قرب المقبرة دون إصابة أحد من المصلين.

أطفال سوريا يتحدون واقع الدمار بإعلانهم حبهم للحياة (الجزيرة)

فرحة الصغار
ويضيف إن ذلك لم يمنع الأطفال لاحقا من الخروج للعب واللهو بما هو متاح من الألعاب البسيطة التي زرعت بسمة على وجوههم، كما شهد الحي تبادل الزيارات بين من بقي من الأهالي؛ لكن حلوى العيد غابت.

أما الناشط محمد الحمصي فقال "في ثاني أيام العيد نظم عدد من مسؤولي الحي سباقا في العدو للأطفال والشبان، واجتمعوا عند نهاية السابق ليتم توزيع جوائز وحلويات وألعاب بسيطة علها تزرع فرحة في قلوبهم".

وتقول أم خالد التي قتل ابنها البالغ من العمر 20 عاما برصاص قناص من قوات النظام "حالتي تشبه آلاف الأمهات، فالعيد لم يعد بهجة للسوريين بل بات دفترا للذكريات يذكرنا بأيام السعادة والفرح والحسرة عليها".

وغير بعيد عن مركز العاصمة دمشق، وتحديدا في حي القابون -الذي شهد معارك عنيفة وحصارا مريرا العام الماضي- غصت "مقبرة الشهداء" منذ الصباح الباكر بعشرات الآباء والأمهات، وهم يقفون أمام قبور ذويهم، تسبق دموعهم كلماتهم وهم يتذكرون أعيادا سابقة كان أبناؤهم ما زالوا فيها بين أحضانهم.

أهالي الضحايا  يزورون قبور ذويهم في أول أيام العيد (الجزيرة)

ضحايا
ومن بين هؤلاء أبو رفيق وعائلته الذين قدموا لزيارة قبر ابنهم ربيع "19 عاما" الذي قتل قبل عامين عندما كان مقاتلا في صفوف الجيش الحر، ويقول أبو رفيق "رغم الحزن والمرارة إلا أن العائلات هنا تهنئ بعضها البعض باستشهاد أبنائها، فالشهداء ذهبوا للجنة وهم سيشفعون لنا بكل تأكيد".

ويؤكد أبو رفيق اعتزازه وعائلته بابنه البطل "الذي استشهد في إحدى المعارك دفاعا عن وطنه وأرضه"، مضيفا أنه لم يشعر يوما بغيابه "فهو حاضر دوماً وفي كل مناسبة معنا".

أما منى التي قدمت من حي برزة المجاور مع عائلتها لتزور قبر أخيها، فتقول "استشهد أخي منذ عام ونصف أثناء المعركة والحصار على حي برزة. في تلك الأيام كان من المستحيل الوصول لمقبرة الحي بسبب اشتداد القصف ووجود القناصين، فكنا نلجأ إلى مقبرة القابون كي ندفن شهداءنا. وها نحن اليوم وفي كل عيد نأتي هنا كي نزور قبر أخي ونقرأ الفاتحة".

وتضم "مقبرة الشهداء" في حي القابون أكثر من ألف شهيد من أحياء أهمها القابون وبرزة، وهي أحياء تعيش حالة من الهدنة بين قوات النظام والفصائل المعارضة منذ مطلع العام الحالي.

ويوضح علاء -وهو أحد الإعلاميين في القابون- أن تلك المقبرة أقيمت منذ حوالي السنتين بسبب استهداف القناصين لمقبرة الحي المجاورة لمبنى قيادة الوحدات الخاصة التابعة للنظام، أثناء المعارك العنيفة.

ويضيف "في بداية الحراك السلمي كنا ندفن الشهداء في المقبرة الأساسية والتي يوجد فيها الآن حوالي مائتي شهيد، إلا أن منع قوات النظام للأهالي من دخولها، إضافة إلى حالات القنص المتكررة أثناء عمليات الدفن دفعت بنا للبحث عن مكان آخر أكثر أمانا".

ورغم أن المقبرة الحالية غير مكشوفة أمام قناصي النظام، فإن قذائف الهاون والمدفعية لا زالت تطالها، وقتل 15 شخصا أثناء عمليات الدفن وزيارات الأهالي في الأشهر الماضية.

المصدر : الجزيرة