مبنى مصنع مسجد السجائر يعتبر من أهم معالم مدينة دريسدن (الجزيرة نت)

خالد شمت-دريسدن

على مدخل مدينة دريسدن الألمانية يبدو المبنى الضخم الواقع على ضفاف نهر الألبا بقبته الزجاجية المتعددة الألوان ومناراته الشاهقة الارتفاع وزخارفه الإسلامية البديعة وطابعه المعماري المميز.

ويحمل المبنى منذ تأسيسه اسم "مسجد السجائر"، ما يجعل الزائرين وعابري السبيل الذين يشاهدونه لأول مرة يستغربون عند معرفتهم بأن صلته بالمساجد لا تتعدى الاسم والشكل الخارجي، وأنه مجرد مجمع إداري وتجاري تابع لمجلس مدينة دريسدن.

وقال المشرف على المبنى غيرهارد كوفوس إن السر في تسميته الغريبة يعود إلى أنه تأسس في أوائل القرن الماضي مصنعا للتبغ والسجائر مصمما من الخارج كنسخة من مسجد مملوكي موجود في مدينة القاهرة المصرية.

وأوضح للجزيرة نت أن بلدية دريسدن غيرت رسميا اسم المبنى عقب إعادة ترميمه عام 2000 إلى المجمع الإداري والتجاري استجابة لمناشدات مسلمين من دريسدن ومدن ألمانية مختلفة عبروا عن استيائهم من استمرار إطلاق اسم "مسجد السجائر" على المبنى بعد تأجير أقسام منه لمراقص وبارات ونواد ليلية.

المبنى صمم على الطراز الأندلسي (الجزيرة نت)
مسجد للدعاية
وتعود قصة المبنى المسمى "مسجد السجائر" إلى عام 1886 حينما أسس الصناعي الألماني هوغو تسيتس شركة للسجائر الشرقية في دريسدن أطلق عليها اسم ينيدتسا نسبة إلى قرية ينيدتسا التركية المنتجة للتبغ.

وخلال رحلة له في نفس العام إلى تركيا وألبانيا وبلغاريا، رأى تسيتس أن أفضل وسيلة للدعاية للشركة هي تصميم مصنع تابع لها على شكل مسجد.

وعهد تسيتس بتصميم المبنى إلى معماري لم يسبق له رؤية مسجد في حياته هو مارتين هاميتسش الذي لجأ لاستلهام تصميمه من صور جلبها لمسجد السلطان حسن بالقاهرة ومساجد من الأندلس.

ورفض ملك مقاطعة سكسونيا في ذاك الوقت أن يجاور قصره المصمم على الطراز الباروكي في دريسدن مبنى ذا طابع معماري أندلسي، غير أن الملك ما لبث أن تراجع عن رفضه ووافق على إقامة هذا المبنى بعد تهديد الصناعي تسيتس بنقل المصنع الجديد إلى مقاطعة أخرى وإضاعة فرصة عمل مضمونة على المئات من سكان سكسونيا.

السلام عليكم
وأقام المهندس هاميتسش هيكل المبنى من الصلب ثم أكمل البناء بالخرسانة المسلحة، ولجعل المصنع يأخذ شكل المسجد شيدت أعلاه قبة زجاجية ارتفاعها 18 مترا بجانبها عدد من المآذن الصغيرة، وبنيت مدخنته على شكل مئذنة ارتفاعها 60 مترا.

وصنع خبراء متخصصون سقف قبة المبنى من مجموعة ثمينة من الزجاج والموزاييك ملونة بالأحمر القرمزي والأزرق والأخضر والأصفر.

واحتوى المبنى على 600 نافذة ووضعت فوق سطحه لافتة نيون ارتفاعها متران مكتوب عليها "السلام عليكم"، وتم استخدام آلتي بخار لتوليد الكهرباء لإضاءة القبة واللافتة التي كانت أول لافتة نيون تنتج في ألمانيا.

وبعد الانتهاء من تشييده تحول المصنع إلى مورد لثلث السجائر المستهلكة في ألمانيا، وحملت سجائره أسماء خليفة بغداد وعبد الله وسالم، واحتوت السيجارة الواحدة على توليفة من 15 نوعا من التبغ الشرقي، مما جعل هذه السجائر مفضلة في قصور أمراء وملوك أوروبا.

قبة المبنى تحولت بفعل الأضواء لمشكاة شرقية (الجزيرة نت)
معلم بارز
وإلى جانب دوره الصناعي والاقتصادي تحول مبنى المصنع بعد افتتاحه إلى معلم بارز للعمارة الإسلامية في ألمانيا، وأصبح مصدر فخر لسكان سكسونيا ومركز جذب لزائري عاصمتها دريسدن، وتحولت قبة المبنى بفعل الأضواء المنبعثة منها في كل مساء إلى ما يشبه المشكاة الشرقية.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية تسببت أطنان القنابل الأميركية التي ألقيت على دريسدن في تحويل المدينة لركام وأطلال، وطال الدمار ثلث مبنى المصنع وأزال لافتة "السلام عليكم" التي لم يعد لها وجود منذ ذاك الوقت.

وبعد انتهاء الحرب وتقسيم ألمانيا أممت سلطات الجمهورية الشرقية المصنع عام 1953 وحولته لمخزن للتبغ الخام. وعقب توحيد الألمانيتين أعادت بلدية دريسدن المالكة الجديدة للمبنى ترميمه بتكلفة 14 مليون يورو، واشترطت ملائمة أنشطة بعض مستأجريه مع طابعه التاريخي.

المصدر : الجزيرة