د. خالدة نصر

تملؤ نفوسنا الغبطة ويغمرنا السرور عندما يضاف لاسم أحدنا أو أحد أحبابنا حرف إضافي هو حرف الدال متبوعا بنقطة اختصارا للقب دكتور، وهي إضافة تحتاج لدراسة تمتد على سنين طويلة بعد إنهاء دراسة الثانوية، وهذا جهد عظيم لا يستهان به.

وقديما كانوا يلقبون الطبيب بالحكيم، وذلك لأنهم كانوا يعرفون تماما أن معنى الحكمة أوسع وأشمل، فلإن كان الطبيب هو من يعالج الأمراض فإن الحكيم يعالج النفوس ويطبب القلوب، فالحكمة تشمل المعرفة والفهم وأخلاقيات العمل الطبي، وكل الذوقيات الراقية التي يتحلى بها البشر خاصة من تفرض عليهم ظروف عملهم الاحتكاك بالآخرين في أوقات عصيبة, هي أوقات المرض.

فالطب مهنة تحمل جميع المعاني الإنسانية السامية، مما يحتم على الطبيب التصرف على قدر المسؤولية التي يتطلبها علاج الناس وإنقاذ أبدانهم من الألم والمرض، لأنه قبل كل شيء صاحب رسالة لا ممارس حرفة، ومداو للبشر لا مصلح للحجر.

وكان الصينيون يقولون من لا يستطيع الابتسام يجب ألا يفتح دكانا. وهو مثل ينطبق على الطب بما يتجاوز الابتسام، فالطبيب عليه التعامل مع مرضاه ومجتمعه بضوابط معينة تحافظ على ثقة الناس بشخصه وبمهنته، وتمكنه من تقديم الرعاية الصحية المحترفة.

وللقيام بواجبه للمرضى على الطبيب الالتزام بأخلاق سامية تحفظ كرامة المريض بالصورة التي تضمن تقديم أفضل رعاية صحية ممكنة له، وتحافظ على منزلة الطبيب الذي يفني عمره في سبيل راحة الناس.

الحكمة
وقيل فيها إنها جودة التفكير ودقة التعبير وسلامة التدبير، فالطبيب الحكيم يستطيع فحص مريضه وقراءة أعراضه وفحوصه لمعرفة العلة، ولكنه مع ذلك يحتاج إلى التعبير البليغ الذي يشرح للشاكي علته من دون تقليل لحجم المشكلة أو تهويل. فالمبالغة في تخويف المريض من الداء قد يدفعه لليأس ويدمر حالته النفسية مما سينعكس سلبا على مناعته وقد يسرع من استفحال المرض. أما التسخيف والتقليل فقد يؤدي بالمريض إلى التهاون في العلاج وعدم الالتزام بإرشادات الطبيب، والنتيجة تأخر الشفاء أو تفاقم المرض.

 الطبيب يتعامل مع الناس في أوقات عصيبة فمنهم الموجوع الذي طوقه الألم والمهموم الذي قيده السقم (الجزيرة)

وبعد ذلك تأتي سلامة التدبير التي من خلالها يضع الطبيب الخطة المناسبة للعلاج بدءا من تسكين الأعراض الطارئة والمهددة للحياة ومرورا بعلاج العلة وحتى الوصول إلى الوقاية ومنع الإصابة بالمرض مرة أخرى.

فالطبيب في تعامله مع زائره يجب أن يقول ما يقصده تماما، وأن يقصد ما يقول، فلا مجال لزخرف الكلام وتافهه، لأن المريض ينظر إلى كلام طبيبه كإرشادات صحيحة وغير قابلة للطعن، وقد يؤدي الاستهانة في التواصل إلى وصول رسالة خاطئة للأخير تدفعه للقيام بأمور قد تكون وخيمة على صحته.

الحلم
يتعامل الطبيب مع الناس في أوقات عصيبة، فمنهم الموجوع الذي طوق الألم جسمه كحزام ناري حارق، ومنهم المهموم الذي يفكر بعيال وزوجة يخشى عليهم أحداث الزمان إن أقعده الداء أو جاءته المنية. ومنهم المصدوم الذي كان ماضيا في حياته بسعادة ونشاط فجاءه المرض زائرا من دون ميعاد.

لذلك على الطبيب أن يكون مستعدا لردة فعل هؤلاء التي قد تشمل العصبية والغضب، أو السلبية والتجهم، فعليه أن يعذرهم ولا يحاول تحميلهم ما لا طاقة لهم به.

الرفق
وهو التعامل اللين بالكلمات اللطيفة التي لا تجرح المريض وتنفره، فالطبيب لا يقول لمريضه الذي يعاني من الوزن الزائد: أنت سمين وجسمك يكاد ينفجر من بدانتك! بل يلتف حول الموضوع ويخاطبه: أنا متأكد أنك سوف تحب تناول المزيد من الخضار والفواكه، كما أن جسمك النشيط سيلائمه المشي لمدة 30 دقيقة في اليوم. وشتان بين الرسالتين، فالأولى إهانة للمريض وتثبيط له، أما الثانية فإشارة من طرف خفي للخطأ ولكن عبر التركيز على الحلول، فالمريض بكل تأكيد يعلم بمعاناته من زيادة في الوزن، ولكن الطبيب لم يرم هذه الحقيقة في وجهه بأسلوب فج، ولكنه نصحه بالغذاء الصحي والرياضة مركزا على المتعة والفائدة التي سيجنيها مريضه من النظام الغذائي الصحي.

المرونة
وهي الدمج بين الشد والجذب، والترغيب والترهيب، والتحذير والتحفيز. وهي صفة مهمة خاصة في التعامل مع المرضى الذين يعانون من ظروف صحية مزمنة، كالسكري وارتفاع ضغط الدم والاضطرابات السلوكية، لأن العلاج يتطلب متابعة طويلة وتعاونا من المريض نفسه الذي قد يخل بما يطلب منه، سواء كان في نمط حياته أو التزامه بالدواء، وهذا يستوجب من الطبيب فهم ظرف المريض النفسي والرسالة التي سيستقبلها في اللحظة، فعليه تارة أن يخوفه من مضاعفات المرض، وتارة أخرى يمتدح مثابرته وعدم استسلامه للظرف الصحي. وليكن شعاره كلام أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان الذي قال "لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبدا، إذا أرخوا شددت, وإذا شدوا أرخيت".

الرحمة
المرض كما السفر قطعة من العذاب، وهو يصيب الشخص في بدنه كما في روحه، ويمتد إلى الأهل الذين يرون قرة أعينهم يذوي كزهرة في نار الصيف الحارقة، أما الدواء فهو رحمة من رحمات الله يرسلها للبشر. ولذلك فإن الطبيب بعلاجه للناس إنما هو رسول يحمل الرحمة الربانية لا مجرد تاجر يجني المال، وملاك يطبب جراح المعذبين لا مستثمر يتربح من آلامهم.

التشخيص الصحيح للمرض يحتاج إلى إعمال الفكر وعدم التسرع (الألمانية)

الهدوء والتأني
وذلك لأن التشخيص الصحيح للمرض يحتاج إلى إعمال الفكر وعدم التسرع، كما أن توتر الطبيب قد يخيف المريض ويزعزع ثقته بطبيبه. وحتى إن كان التشخيص يحمل أنباء سيئة للمريض فعلى الطبيب إيصالها بروية. وهذا يستلزم منه تنقية ذهنه وتصفية فكره من أي شيء قبل أن يدخل عيادته. صحيح أن الطبيب في النهاية إنسان كالمريض يحزن ويفرح ويمر بظروف صعبة وقد يكون مريضا بما هو أشد من مرض زواره، إلا أن تحمله لهذه المسؤولية العظيمة يفرض عليه التعالي على جراحه وتركيز فكره نحو الاهتمام بمرضاه.

كما من المهم أن يبتعد الطبيب عن العصبية والغضب، فلا يستثار بسرعة أو يفقد اتزانه بسهولة، فعليه تجاهل السفاهات والترفع عن المهاترات، كما عليه ألا يحقد ولا يحمل قلبه الحقد، لأن الحقد يأكل الرحمة، فإن كان الطبيب حقودا فلن يكون رحيما.

الصدق
فهو الفضيلة الكبرى، وأحوج ما تكون الحاجة إليه في الطب، وهو لا يقتصر على إخبار المريض بحقيقة مرضه وما يتطلبه التعامل معه، بل يتعداه إلى إعلامه بأنه إذا شعر الطبيب بعدم قدرته على تشخيص حالته أو علاجها. فمن غير المقبول أن يكابر الطبيب ويستعمل مبدأ التجربة والخطأ في علاج مريضه، بل عليه أن يدرك حدود إمكاناته ويحوله إلى من يعتقد بقدرته على فهم ما استعصى عليه.

كل يوم يخرج الطبيب من بيته ويسير إلى عيادته، وفي هذه اللحظات يجب عليه استحضار الرسالة العظيمة التي يحملها، وهي تغيير حياة الناس والنهوض بالأمة التي لن تقوم لها قائمة إذا كان أبناؤها مرضى تأكل أجسادهم الجراثيم وتقعدهم الأوبئة. فصحة الأمم من صحة أبنائها, فلا صناعة ولا تعليم ولا تقدم إذا غابت العافية عن واقع الناس.

فالمرض يستنفد مقدرات الأمم ويمتص خيراتها، كما أنه يدمر نوعية الحياة التي يعيشها أبناؤها ويجعل أيامهم سوداء بائسة، وصحة هؤلاء وتعافيهم لا تكون إلا بأطباء مهرة يكرسون حياتهم لحياة الآخرين، ويخرجون البشرية من جحيم المرض إلى جنة العافية.
---------------------------------
* استشارية طب وجراحة الفم والأسنان

المصدر : الجزيرة