في معبد برّان، أو عرش الملكة بلقيس تشعر أن التاريخ يرقد هنا، ومنذ أن تدلف إلى باحة المعبد المكشوفة من منفذه الشمالي تنتابك وحشةُ غريبة يضاعفها ذلك الصمت المطبق، وصفير الريح، وذاكرة مكان تكتظ فيه مئات الصور والأخيلة.

عرش الملكة بلقيس أو معبد برّان جنوب مدينة مأرب التاريخية باليمن (الجزيرة)
عبد الغني المقرمي- مأرب
 
في معبد برّان، أو عرش الملكة بلقيس كما يحلو للبعض أن يسميه تشعر أن التاريخ يرقد هنا، ومنذ أن تدلف إلى باحة المعبد المكشوفة من منفذه الشمالي تنتابك وحشةُ غريبة يضاعفها ذلك الصمت المطبق، وصفير الريح، وذاكرة مكان تكتظ فيه مئات الصور والأخيلة.
 
يستحضر الزائر فصولا من التاريخ القديم، وملكة استثنائية عاشت هنا حينا من الدهر ثم دخلت حرم التاريخ مفردة رائعة، وملكة جميلة كان لها حضور متفرد في سيرة النبي سليمان، وفي ذاكرة الأدب والفن على الصعيد الإنساني.
 
كل ما في المعبد يبدو مهابا وجليلا، السياج المربع الذي يحيط بالمعبد من جميع جهاته، والذي تتصل به من كل جهات المعبد مرفقات متنوعة، بنيت بأحجار متناسقة، والبئر المقدّسة التي تتوسط باحته، ثم السلم المرمري المؤدي إلى الهيكل.

هناك تنتصب ستة أعمدة باذخة العظمة، يصل طول الواحد منها إلى أكثر من اثني عشر مترا، مكللة بتيجان مزخرفة رائعة الدقة، اقتطع كل واحد منها من حجر واحد، تجبرك على الاندهاش، لكنه اندهاش غير مكتمل بسبب ذلك العمود المكسور من جهة اليسار، وخلف هذه الأعمدة توجد منصة واسعة، يعتقد أنها كانت موضع عرش الملكة.

عبد الله أبو الغيث: اكتمال الحفريات في المعبد يمكن أن تجعل منه العجيبة الثامنة (الجزيرة)

العجيبة الثامنة
يقع هذا المعبد جنوبي مدينة مأرب التاريخية (173 كم شمال شرق مدينة صنعاء)، ويعدّ الموقع الأثري الأشهر في اليمن، وقد ظل جزء كبير منه مدفونا تحت كثبان الرمال، وفي عام 1977بدأ المعهد الألماني للآثار بالتنسيق مع الحكومة اليمنية بعمليات تنقيب واسعة أدت إلى الكشف عن بقية أجزاء المعبد، الذي خضع لترميمات متواصلة حتى عام ألفين.

عن أهمية هذا المعبد  بين الآثار اليمنية والعربية القديمة، يشير الدكتور عبد الله أبو الغيث -أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة صنعاء، في حديثه للجزيرة نت- إلى أنه كان يمثل أضخم المعابد اليمنية قبل الإسلام، باعتباره المعبد القومي لعبادة القمر (إل مقه) الإله الرئيسي للسبئيين.

إلى جانب أنه كان يمثل محجة تهفو إليها أفئدة اليمنيين من مختلف أنحاء البلاد، ويعد اليوم من أعظم ما تبقى من آثار دولة سبأ واليمن القديم، ويرى البعض أنه بعد اكتمال الحفريات والكشف عن كامل مكوناته يمكن لهذا المعبد أن يحتل المرتبة الثامنة بين عجائب الدنيا السبع القديمة المعروفة.

ويضيف أبو الغيث أنه رغم تعرض المعبد للعبث والنهب المستمر -منذ القرن الرابع الميلادي بعد اعتناق اليمنيين للديانة التوحيدية- فإن المكتشفات تؤكد سعة هذا المعبد وضخامة جدرانه وأسواره وأعمدته الشهيرة.

ويذهب باحثو الآثار للقول بأن جدرانه الداخلية كانت مغطاة بصفائح برونزية يعتقد أنها كانت تحتوي على كتابات وزخارف متنوعة لم يتبق منها غير بقايا المسامير البرونزية التي كانت تثبت بها في الجدران.

الجزء الكبير من معبد بران ظل مدفونا تحت الرمال حتى 1977 (الجزيرة)

أرشيف متكامل
وقد عثر في المعبد على بقايا الهدايا النذرية التي كان زوار المعبد يتقربون بها من تماثيل ومذابح ومباخر، إلى جانب النقوش المسندية الكثيرة التي عثر عليها فيه وهي عبارة عن أرشيف متكامل للحوادث التي مرت بها الدولة السبئية منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وهو ما جعل الباحثين يؤكدن أن المعبد إلى جانب كونه مجمعا دينيا كبيرا فإنه كان بمثابة مركز توثيق للدولة السبئية.

ونظرا لأهمية هذا المعبد لدى اليمنيين القدماء -حسب أبو الغيث- فقد جعلوه نموذجا يحتذى به في بناء معابدهم في مهاجرهم خارج اليمن، يتضح ذلك من خلال تأسيس المهاجرين اليمنيين إلى الحبشة خلال الألف الأول قبل الميلاد لمعبدهم الرئيسي في مدينة (يحا) العاصمة الرئيسية لمستوطناتهم التي أقاموها هناك.

ويرى الشاعر سعيد بن علي -أحد أبناء مأرب- أن هذا المعلم التاريخي الشهير يعيش اليوم حالة قاسية من التسيب والإهمال مما يجعله عرضة لحملات نهب الآثار التي نشطت في الآونة الأخيرة، مؤكدا في حديثه للجزيرة نت أنّ هذا المعلم التاريخي أتاح لأبناء مأرب التعرف على شخصيات كبيرة عربية وعالمية ومحلية ممن جاؤوا للتعرف على هذا المعبد.

ويشير سعيد بن علي إلى أن المعبد أصبح شبه مهجور، وخاصة مع تراجع حركة السياحة في المحافظة، لأسباب أمنية يطول شرحها، مستغربا غياب هذا المعبد وغيره من الآثار اليمنية عن دائرة الاهتمام الشعبي والرسمي.

المصدر : الجزيرة