ياسين بودهان-الجزائر

أثارت فتوى لمسؤول تنظيم جبهة الصحوة السلفية بالجزائر (غير معتمد من طرف الحكومة) عبد الفتاح زيراوي حمداش بتكفير الروائي الجزائري كمال داود والمطالبة بإعدامه علنا ردود فعل مستنكرة وغاضبة من المثقفين، ودعا بعضهم إلى التضامن مع الكاتب حماية لحرية الرأي والإبداع.

وخلال حلوله ضيفا على القناة الفرنسية الثانية السبت الماضي في حلقة "لم ننم بعد" أطلق داود عدة تصريحات مثيرة تتعلق بموقفه من قضايا اللغة والدين والانتماء.

وردا على سؤال لمقدم الحلقة بشأن اعتقاده بوجود هوية عربية أجاب "أنا لم أشعر بنفسي يوما عربيا"، وكشف أن "هذا الحديث عادة ما يسبب له تهجمات ضد شخصه"، ليؤكد أنه "جزائري وليس عربيا" لأن العروبة ليست جنسية، واعتبر أن "العروبة احتلال وسيطرة".

وبخصوص موقفه من الدين اعترف داود بأنه كان إسلاميا في بداية شبابه بسبب غياب بدائل أيديولوجية أو فلسفية تطرح أمام الفرد الجزائري، وأضاف أن "الشاب الجزائري يجد نفسه مجبولا على الإسلاموية منذ صغره باعتباره فكرا شموليا"، وقال إن "علاقة العرب بربهم هي من جعلتهم متخلفين".

مسؤول جبهة الصحوة السلفية الحرة بالجزائر صاحب الفتوى المثيرة للجدل (الجزيرة)

انتقادات
وقد جلبت هذه التصريحات انتقادات واسعة من طرف بعض المثقفين ضد الكاتب، إذ اعتبروا صاحب رواية "ميرسو: تحقيق مضاد" -التي حصدت عدة جوائز أدبية مرموقة- قد تجاوز الخطوط الحمراء وقفز على الهوية الجزائرية وعلى مقدسات الدين والتاريخ واللغة.

ورأى البعض أن ذلك يبرر الاحتفاء الفرنسي بهذه الرواية بتكريمها بعدة جوائز على غرار جائزة القارات الخمس، كما حلت في المرتبة الثانية بجائزة غونكور.

ورغم أن كل تلك الانتقادات بقيت في إطار الجدل الفكري العام فإن مواقف داود كانت سببا كافيا لزعيم جبهة الصحوة السلفية الحرة عبد الفتاح زيراوي حمداش في تكفيره عبر بيان نشره في صفحته على شبكة التواصل الاجتماعي (فيسبوك) اتهم فيه داود بـ"الزندقة والكفر"، وبأنه "متصهين".

وبرر في حديثه للجزيرة نت ذلك بـ"تطاوله على القرآن ومحاربة الإسلام واللغة العربية ومعاداة أهل الإسلام وتمجيد أعدائه"، ودعا "النظام الجزائري إلى الحكم عليه عن طريق القضاء بالإعدام علنا".

فتوى حمداش أثارت عاصفة من الانتقادات الغاضبة بين أوساط المثقفين، وما يجعل هذه الفتوى "الغريبة" -حسب وصف الروائي والصحفي بشير مفتي- تثير هؤلاء أن "جراح اغتيال الكثير من الكتاب والمبدعين الجزائريين سنوات التسعينيات لم تندمل بعد"، معتبرا أن هذه الفتوى تمثل عودة إلى الوصاية باسم الدين.

وعلى المستوى الشخصي، يقول مفتي للجزيرة نت إنه "قد لا يوافق كمال داود على كل ما يصرح به، خاصة عندما يصرح به في قنوات أجنبية وليس داخل بلده"، لكنه يؤكد أنه مؤمن بحرية التعبير والتفكير، ولهذا يعتبر أن كل تصريحاته يمكن أن تناقش بعيدا عن لغة التهديد والعنف.

وأوضح أن "المثقف الجزائري دفع ثمنا رهيبا في التراجيديا الجزائرية بسبب الانغلاق والتزمت العقائدي، وليس باستعداده بعد كل هذه التضحيات من شهداء الكلمة والفكر لأن يقبل من أي طرف كان -خاصة الذين يريدون أن يكونوا مرة أخرى دعاة فتنة ووصاية باسم الدين- أي درس من جهتهم، أو لغة تخرج عن لغة الحوار والتسامح".

مروان الوناس: الفتوى تكشف غياب منطق التعايش بين أبناء الجزائر (الجزيرة)

إخفاق
بالمقابل، أوضح الكاتب الصحفي مروان الوناس أن الجدل سببه تصريحات داود لإحدى القنوات الفرنسية وليس روايته التي صدرت قبل أكثر من عام، وأن تناقل الصحافة لتصريحاته لفت الأنظار إلى روايته التي ضمنها حسب البعض انتقادات للقيم والثوابت من إسلام وعربية وانتماء.

ويقول الوناس للجزيرة نت إن النقاش يجب ألا يخرج عن الدائرة الفكرية والفلسفية والأدبية لما قاله داود، إلا أن الانحراف بدأ برأيه بفتوى حمداش بإهدار دم الكاتب، واعتبر أن "هذه الفتوى مرفوضة ومردودة، لكنها تعكس الأزمة التي يعيشها المجتمع الجزائري الممنوع من التعبير الحر، لدرجة أن كل التيارات السياسية والأيديولوجية تشعر بالغربة في وطنها".

ولفت المتحدث إلى وجود قطيعة بين كل الأطراف وغياب منطق التعايش وقبول الآخر، وبرأيه فإن المجتمع الجزائري لم يستفد من فترة الحرب الأهلية التي اندلعت بسبب إخفاق الجزائر في احتواء تناقضات أبنائها السياسية والأيديولوجية.

قضية الروائي كمال داود تؤكد وتثبت -حسب الوناس- أن "التطرف لا يزال في المجتمع الجزائري، وأن هذا التطرف ليس بالضرورة إسلاميا فقط، لأن هناك الكثير برأيه من العلمانيين المتطرفين يستفزون الأغلبية، مما يولد ردود فعل عنيفة ومتطرفة في الجانب الآخر".

بالمقابل، دشن مجموعة من النشطاء والمثقفين حملة لجمع التوقيعات لمطالبة وزيري العدل والداخلية بتحريك دعوى قضائية لمتابعة حمداش بسبب دعوته العلنية لقتل كمال داود.

المصدر : الجزيرة