ياسين بودهان-الجزائر

لم يحظ أي كاتب جزائري في السنوات الأخيرة بما حظي به الروائي كمال داود من تتويج، ورغم أن رصيده لا يتعدى رواية واحدة بعنوان "ميرسو تحقيق مضاد" الصادرة باللغة الفرنسية عن دار البرزخ (2013) بالجزائر، فإنها حصدت العديد من الجوائز المرموقة، مثل جائزة القارات الخمس للفرنكوفونية، وجائزة رونودو الأدبية، ومرشح للفوز بجائزة "الغونكور" وهي من أبرز الجوائز الأدبية بفرنسا، كما فاز مؤخرا بجائزة "إيسكال" الأدبية التي يمنحها فندق سوفيتال الجزائر.

وفي هذا الحوار الذي خصّ به الجزيرة نت يتحدث داود عن الأسباب التي دفعته لكتابة الرواية التي استمد فكرتها من رواية "الغريب" للروائي الجزائري الفرنسي ألبير كامو الفائز بجائزة نوبل عام 1957، وهل الرواية رد على كامو أم هي امتداد لفكره؟ كما تحدث عن أسباب احتفاء الفرنسيين بالرواية، وأسباب اختياره اللغة الفرنسية لتأليف العمل دون العربية.

وفي ما يلي نص الحوار:

روايتك "ميرسو تحقيق مضاد" صنعت الحدث إعلاميا في الفترة الأخيرة، ما الذي تناقشه هذه الرواية؟
هناك كاتب عالمي جزائري وفرنسي في نفس الوقت اسمه ألبير كامو كتب رواية "الغريب"، وتعد من بين الروايات الأكثر مبيعا في العالم، في الرواية شخصية تسمى "ميرسو" يقتل شخصا آخر اسمه "العربي"، ويحكم على ميرسو بالإعدام، ليس لأنه قتل "العربي"، ولكن لأنه خالف معتقدات ذلك العصر ولم يبك ولم يحزن ولم يتأثر بموت أمه، وأنا أخذت فكرة الرواية لكن بمنظور معاكس، باعتمادي على وجهة نظر الطرف الآخر، وهو "هارون" شقيق "العربي" المقتول.

وكيف خطرت لك فكرة الكتاب؟
دائما كنت أتساءل عن سبب عدم اهتمام أي شخص في الكتابة عن الموضوع، والعجيب في الأمر أن هناك كتابات كثيرة عن أعمال ألبير كامو وتراثه الأدبي وفكره الفلسفي، والعام الماضي شهدت فرنسا احتفالات بمئوية كامو، لكن لم ينتصر أي كتاب أو محاضرة لـ"العربي" المقتول، ولم يذكر ولو بكلمة أثناء الاحتفالات، وهو الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات.

لذلك، أعتقد أنه كان يجب على الرواية أن تُكتب سواء من طرفي أو من طرف كاتب آخر، لأنها قصة جزائرية، حدثت في الجزائر، وبسبب مقتل جزائري، ولأنها مسألة حق، ومسألة عدالة، كانت هناك رواية، وكان هناك كاتب، وكان هناك قتيل، وكان من اللازم بعد عشرية أو اثنتين أو حتى ثلاث أن تكتب القصة نفسها، لكن من وجهة نظر معاكسة انتصارا للعدالة.

إذن، أنت تقترح في "ميرسو تحقيق مضاد" قراءة مغايرة لرواية الغريب، والتي كرست صورة سلبية لـ"العربي" في الثقافة العالمية، حينما تخترع شخصية هارون شقيق العربي ليقص رواية أخرى من وجهة نظر شقيقه المقتول، هل يمكن اعتبار الرواية ردًّا على ألبير كامو أم هي امتداد لفكرته؟
هي ليست ردا على كامو، أنا مؤمن بأنه كاتب جزائري، حتى لو أدار لنا ظهره، بتاريخه، بولادته، بطفولته، بسنوات شبابه، هو جزائري، أحبَ ذلك أم كره.

روايتي في جزئها الأول رد على ميرسو وعلى كامو، لكنها أيضا تحليل للواقع الآن، وامتداد لفكر ألبير كامو، لكن من وجهة نظري. ما حاولت أن أقوم به هو أخذ تساؤلات كامو التي تخصني أنا الآن في الجزائر وفي الوقت الحالي، تساؤلات حول الموت والجنس والحرية والمعتقدات وحول القتل والعنف، أنا لم أكتب حول ألبير كامو لكن انطلاقا منه.

ما يزال سؤال الاستعمار يسيطر على الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية، حيث لاحظ الناقد الجزائري ليامين بن تومي أن الرواية من خلال التحقيق المضاد لمورسو أرادت أن تجد تبريرا أخلاقيا وأيديولوجيا لشخصية "العربي" التي جعلها كامو في ترتيب محتقر، وعليه يعتبر الرواية بقدر ما أحيت الأسئلة "الكولونيالية" بقدر ما تطرح سؤالا جوهريا عن عدم إثارتها تلك الهالة الأدبية في فضائها الجنوبي، هل ما تزال الأسئلة "الكولونيالية" للسرد تجد مبرراتها الأنطولوجية في الفضاء الإمبراطوري أم أن الصدفة هي التي لعبت في إحياء نوع من العقلانية المعكوسة لمحاولة إدانة الاستعمار أدبيا؟
الاستعمار لا يحتاج إلا إدانة أدبية من طرفي، الاستعمار أدين من كتاب جزائريين في الفترات السابقة، وأدين حتى من طرف المفكرين والنخب العالمية وحتى الفرنسية، ما أردت طرحه من خلال الحديث عن الاستعمار كان الهدف منه الخروج من فكرة الاستعمار وما بعد الاستعمار، أنا ابن الاستقلال لست ابن الاستعمار، لكن التفكير عن الاستعمار ما يزال قائما في الجزائر، وفي المواضيع السردية، وقائما حتى في التخيلات والأذهان.

الاستعمار لا نستطيع أن نخرج منه بالرفض، وإنما بتحمل مسؤولية النظر لهذا التاريخ، لكن ليس بالانغلاق داخل هذا التاريخ، أنا لست ابن الحرب، أنا أردت الخروج من ذاكرة الحرب، ومن ذاكرة من تحملوا الحرب، ومن ذاكرة من ضحوا بأنفسهم من أجل الاستقلال، ورغم أنني أدين لهؤلاء لأنهم قدموا النفس والنفيس من أجل تحرير البلد، لكن لا أريد أن تمضي حياتي كلها حول الموت، وحول المقابر، وحول التاريخ، وحول الماضي، أريد أن أعيش الحاضر، وأن أحلم بالمستقبل، أريد كتابة روايات عن الواقع الإنساني الجزائري، تاريخ الاستعمار هو هنا، لا أرمي به إلى البحر، ولا أريده أن يرمي بي إلى البحر.

الرواية -إذن- هي دعوة للتعامل بفكر آخر مع الظاهرة "الكولونيالية"؟
الرواية دعوة للتعامل بطريقة جديدة مع التاريخ، ومع الذاكرة، ومع الواقع، ومع المستقبل، نتحدث كثيرا عن الماضي لكن من يتحدث عن المستقبل، عن الأجيال القادمة، أنا لست مسؤولا عن الماضي لكنني مسؤول عن الحاضر وعن المستقبل، أريد وأحلم بخروج شرفي من بقعة التاريخ إلى الحاضر وإلى المستقبل.

وهل القارئ يصل في النهاية إلى هذه الفكرة؟ أين يمكن إسقاط ما ذهبت إليه من خلال فصول الرواية؟
شخصية هارون في الرواية يقوم بقتل فرنسي في ليلة الخامس من يوليو عيد استقلال الجزائر، يحكم عليه بالسجن، وحينما يتهمه الضابط الجزائري بقتل إنسان، يجيبه هارون قائلا بأنه قتله في "الخامس جويلية"، فيجيه الضابط قائلا لا هذه تعتبر جريمة قتل، لكن في "الرابع جويلية" لا تعتبر كذلك لأنها حرب، أردت أن أصور سوريالية الوضع، لأن الانتقام لا يحقق العدالة.

كم يجب أن نبقى من سنوات ونحن ندير الظهر لبعضنا البعض سواء مع فرنسا أو مع التاريخ، أنا جزائري وأعيش كذلك، أريد أن أتحدث للعالم من وجهة نظر جزائرية، العالم ليس فرنسا، فحينما يقتل هارون فإن ذلك لن يغير شيئا، بهذا المثل أردت أن أقول إن حقبة الحرب والقتل انتهت، يجب أن تكون هناك حقبة في الضمير وفي الوعي من خلالها يمكننا الخروج من الماضي، الذي يجب أن نتقبله وننظر إليه ونتحمل مسؤوليته لكن لا نبقى أسرى له.

وما مظاهر مشكلات الهوية التي يعاني منها الجزائري برأيك؟
التاريخ والدين، هارون شخصية تتحدى الجميع من أجل الحفاظ على الشيء الوحيد الذي يملكه، وهو حريته، يتحدى أمه، يتحدى حزب التحرير، ويتحدى فرنسا، ويتحدى ألبير كامو، ويتحدى ميرسو، ويتحدى أخوه الميت في سبيل الحفاظ على حريته.

المشكلة في الجزائر -والعالم العربي- هي مشكلة حريات، والبلد الذي لا تحترم فيه الحريات لا يمكن أن تحترم فيه ما ينتج عن تلك الحريات مثل الحب، والجنس، والمرأة، والديمقراطية، والتاريخ، والقوة وحتى الاقتصاد.

المشكلة الكبيرة من وجهة نظري في العالم العربي الآن هي المعتقدات والتاريخ، للاثنين وزن ثقيل جدا على الوعي العربي الحاضر، المعتقدات والدين أنتجا لنا وحوشا، هناك وحوش للتاريخ تتمثل في الديكتاتوريات، وهناك وحوش للمعتقدات وهم معروفون.

في حوار سابق لك قبل أيام مع "لوفيغارو" الفرنسية، قلت إنك اخترت الفرنسية لغة كتابة لأنها لغة حرية، هل هذا يعني قصور الكتابة بالعربية عن تلمس الجوانب الإبداعية؟
المشكلة بالنسبة للعربية خاصة في الجزائر هي أنها لغة عليها وزن المقدس والدين، لم نعد نفرق بين الدين واللغة، في أي بلد عربي يمكن أن تجد معربين لائكيين أو ملحدين، لكن ذلك أمر نادر في الجزائر، قلما تجد كاتبا بعيدا عن الدين وهو معرب.

في جلسة جمعتني مؤخرا مع الكاتب المصري علاء الأسواني قال لي إنه وجد أكثر الكتاب المعربين في الجزائر يتبنون الفكر الديني المحافظ، وهو ما يأسر منطق الرواية المعربة بالجزائر ولم تستطع أن تتحرر وتتطور بسبب ثقل المقدس عليها.

وكيف استقبلت الفوز بجائزة القارات وجائزة رونودو وجائزة فرنسوا مورياك والآن أنت مرشح للغونكور؟
حينما أخذتني دور نشر فرنسية للجلوس على مقاعد كبار الروائيين الفرنسيين تأثرت كثيرا وأنا ابن القرية الصغيرة والقبلية التي كنت أنا أول من التحق من أبنائها بمقاعد الجامعة، لكن الطريق لم تكن معبدة بل كانت شاقة وطويلة، وهذا فخر لي، لكن أريد أن يكون نجاحي سببا في إعادة الثقة في النفس وحب الامتياز للجزائريين، وهي المعاني التي افتقدوها بسبب غياب نماذج ناجحة عالميا ليس فقط على المستوى الأدبي وإنما على كل الأصعدة.

هناك من يعتبر أن رغبتك في مراجعة الذات الفرنكفونية والعودة بالهوية إلى جذورها سبب احتفاء الفرنسيين بروايتك لأنهم ضجروا من أدب فرنكفوني سطحي لا عمق فيه؟
أنا لست مسؤولا عن قراءة الفرنسيين للرواية وسبب احتفائهم بها، لكن بخصوص القراءة الجزائرية هناك من يريد الطعن في تتويجها، ولهؤلاء أقول ماذا تريدون؟ هل تريدون روايات دون صدى؟ أنا لست أول جزائري كتب رواية أصبحت مشهورة، لست أدري أين الخلل في احتفاء الفرنسيين بالرواية، هل السبب في كوني أكتب بالفرنسية، لو كان هناك اقتصاد قوي للكتاب بالجزائر يسمح لي بالعيش من كتاباتي لكتبت بالعربية.

هناك من ينتقدني لأنني توجت في فرنسا، في الجزائر لم تمنح لي جائزة إلا الأسبوع الماضي، وقد سعدت بها كثيرا لأنها أول جائزة تمنح لي في بلدي، أنا أتساءل كيف يمكن أن نشجع الإبداع في الجزائر حيث لا جوائز ولا نقاد؟ هناك اسمان أو ثلاثة فقط برزوا على مستوى العالم فلنجهز عليهم وينتهي الأمر.

أنت الآن وصلت للقمة لكن الأصعب هو البقاء فيها، هل هناك أعمال روائية جديدة ستصدر لك في الفترة المقبلة؟
مشكلتي سابقا هي أنني كنت أشتغل في الصحافة، وكان لي مقال رأي يومي، والصحافة عكس ما يعتقد البعض مهنة تأكل الكتابة، لأنه لا يوجد وقت كاف للكتابة، وكانت لدي ثلاث روايات شرعت في كتابتها، لكنني توقفت بسبب الوقت، والآن سأتفرغ للكتابة وسأكمل تلك الروايات.

وهل هناك عروض لترجمة الرواية للغات عالمية أخرى؟
نعم، هناك عدة دور نشر اشترت حقوق الترجمة ويتعلق الأّمر بالصين، وأميركا، والنرويج، والسويد، وإيطاليا، واليونان، وفيتنام، وإسبانيا ما تزال المفاوضات سارية، لكن اللافت أنه في العالم العربي لم تتقدم أي دار نشر لترجمتها للغة العربية.

هناك أيضا جهة اشترت حقوق تحويل الرواية إلى مسرحية، ومن المنتظر أن أوقع هذا الأسبوع مع منتجين فرنسيين ومخرج جزائري اتفاقية لتحويل الرواية إلى فيلم.

المصدر : الجزيرة