شوقي بزيع: الحاكم ينحني للشاعر
آخر تحديث: 2011/7/4 الساعة 21:07 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/7/4 الساعة 21:07 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/4 هـ

شوقي بزيع: الحاكم ينحني للشاعر

الشاعر اللبناني بزيع يقول إنه لم يمدح قط حاكما أو ممثلا لأي سلطة (الجزيرة نت)

حاورته في بيروت: زهرة مروة

بين "عناوين سريعة لوطن مقتول" 1978 و"مدن الآخرين" 2011، تكمن مسيرة شاعر عنده حنين للأمكنة. شاعر أخبرنا أنه متأثر بالريف الذي نشأ فيه وشعرُه ينطق بالطبيعة والأشجار والمياه. أينما حلّ الشاعر اللبناني شوقي بزيع يلاحقه صدى ضيعته زبقين (جنوب لبنان) التي ولد فيها عام 1951. وهو لا يكتب الشعر فحسب، بل هو ناثر بامتياز، ونثره لا يقلّ جمالية وغرابة عن شعره. وقد عمل في الصحافة الثقافية مسؤولا عن القسم الثقافي في جريدة السفير عام 1992. وله مساهمات في العديد من الصحف والمجلات أبرزها الآداب اللبنانية، والراية القطرية، والاتحاد الظبيانية.

ومن دواوينه الشعرية: أغنيات حب على نهر الليطاني 1985، وردة الندم 1990، مرثية الغبار 1992، قمصان يوسف 1996، شهوات مبكرة 1998، فراديس الوحشة 1999، صراخ الأشجار 2007. كما أصدرت له دار الآداب حديثا ديوان "مدن الآخرين"، وحصل مؤخرا على جائزة عكاظ عن قصيدته "مرثية الغبار". وقد قصدنا الشاعر بزيع، وأجرينا معه مقابلة حول الديوان الجديد وجائزة عكاظ، كما تضمنت المقابلة أسئلة إشكالية أخرى حول مسيرة الشاعر وتجربته الغنية عموما.

أيهما يغني الشاعر أكثر في رأيك التجربة الحياتية أم المطالعة والثقافة؟ ومن أين استمددت هذا الغنى في شعرك؟

شوقي بزيع والأمير خالد الفيصل خلال تسلم الشاعر اللبناني جائزة عكاظ في السعودية (الجزيرة نت-أرشيف)
- كل تجربة شعرية لا بد أن تكون محصلة لهذين المصدرين الأساسيين اللذين لا يمكن لشاعر حقيقي أن يتلافاهما: الحياة والمطالعة أو الثقافة والاطلاع. وفيما يتعلق بتجربتي الخاصة أكثر ما رفدني شعريا -إضافة إلى الموهبة التي أعتبرها ضرورية لكل شاعر- هو الطفولة، وخاصة أن هذه الطفولة هي طفولة ريفية، غنية بكل أنواع الرؤى والمشاهد والأخيلة.

قريتي في الجنوب تتربع على تلة عالية تشرف على مساحات شاسعة من الأرض. هذا العالم الغني بالمياه والروائح والرياح خدم تجربتي وأغنى حواسي. يضاف إلى ذلك غنى الحياة الريفية وخاصة أنني أنتمي لبيئة فقيرة، كل ما يحصل فيها متعلق بالطبيعة، كزراعة التبغ، قطع الأشجار وتحويلها إلى فحم... رؤية الوجع في عيون الناس أثّر أيضا فيّ، الحزن أيضا دبغني في مكان ما، والمشهد الكربلائي أغناني كثيرا. أوافق على ما قاله غاستون باشلار "ليس هناك من شعر غني بلا طفولة غنية"، واعتبر باشلار أن الطفولة هي السحر الغامض للأيام المطمورة.

من جهة ثانية، قراءاتي أغنت تجربتي الشعرية، لكن قراءاتي الحديثة وقراءة الأدب المعاصر تأخرتا حتى الفترة الجامعية لكوني أنتمي إلى أم أمية وأب لم يكن شغوفا بقراءة الروايات أو الشعر. كنت أتمنّى لو استطعت أن أقرأ الروايات العالمية أو أمهات الكتب في سن مبكرة. حاولت التعويض عن هذه الفجوة، عبر تكثيف قراءاتي عبر آلاف الكتب التي قرأتها ولا أزال في أنواع مختلفة.

هل تعتبر ديوان "مرثية الغبار" تحوّلا مفصليا في شعرك، ولِمَ رشحت قصيدة من هذا الديوان بالذات لجائزة عكاظ في السعودية؟

- جاء ديوان "مرثية الغبار" بعد خمس سنوات من انقطاع تام، وبعد أربع مجموعات شعرية تدور حول الجنوب والعلاقة مع الاحتلال، وحول المكان الذي تم فقدانه، وحول المرأة. هذه موضوعات مهمة جدا ولكنها لم تكن كافية لمتابعة مسيرتي الشعرية ولم أكن أرغب في تكرار نفسي. بينما في هذا الديوان تنفتح القصيدة على موضوعات شتى، تذهب عميقا في الوجدان الشخصي، كما في الوجدان الجماعي المتعلق بالتاريخ والجماعة.

غلاف ديوان مدن الآخرين (الجزيرة نت)
أهمية قصيدة "مرثية الغبار" لا تكمن في موضوعها فحسب، وهو موضوع الحوار القاسي والمؤثر بيني وبين الطفل الذي كنته، حيث وقف كل واحد منا على ضفة من ضفتي الحرب الأهلية المديدة مناديا الآخر، أين أنت، وماذا فعلت؟ بل تكمن أهميتها في كون هذه المرثية قد أصبحت مرثية جيل بكامله لنفسه ولحياته المنصرمة ولأحلامه المجهضة.

شعرت أن هذه القصيدة هي المحطة الأساسية التي فصلت بين مناخين مختلفين عندي، وأيضا لأنها لا تثير مشاكل تتعلق بانتهاك المقدس. أي لا تحدث أي رد فعل سلبي من قبل لجنة المحاكمة ورشحتها للجائزة.

قيل إن هناك فتاة منعت من الصعود على المنبر في سوق عكاظ يوم تسلمك للجائزة. كيف لم تحتجّ على الأمر وأنت تعتبر شاعر المرأة؟

- هذا الكلام ليس صحيحا، عدم صعود الفتاة إلى المنبر لم يكن لأنها امرأة، بل لأن المنبر كان مكتظا. وما يؤكد ذلك أن هناك شاعرات أخريات قرأن على المنبر.

إن النخب الثقافية تعاني من إحساس بالقمع والقهر والبحث المضني عن لقمة العيش، كل ذلك يخلق نوعا من التكوين النفسي المعقد والسلبي ومن العدائية المسبقة للآخر. وهناك تشكيك دائم في كل ما يحصل عليه أي كاتب أو شاعر. أعتبر هذه الإشاعة نوعا من الاصطياد في المياه العكرة. وأنا شخصيا ترفعت عن الرد لأن المسألة لا تستحق الرد.

كونك شاعر المرأة وعدد كبير من قصائدك عن العشيقة، هل خفّف الزواج من شعريتك؟

- أنا سعيد بأن يقال عني شاعر المرأة وأن أكثر من هذا الاحتكار. أنا شاعر ممسوس بالمرأة منذ نعومة أظفاري لأسباب أجهلها. قصائد الحب تشكل نصف قصائدي. وغالبا ما كنت أكتبها في غياب المرأة، أي كانت بمثابة حروب استرداد لفظية للحياة الغائبة. فمن الطبيعي وأنا أحتفي دائما بالحب أن يشكل الزواج نوعا من الضربة لهذا النوع من الشعر، وأن تتراجع قصيدة الحب عندي.

من المعروف أيضا أن لديك آراء تتعدى الشعر والحب والمرأة، لكونك واحدا ممن اصطلح على تسميتهم "شعراء الجنوب" لكن أنت غالبا ما تنكر هذا المصطلح أو تتنكر له لماذا؟

اعترف بأنني كنت في السابق أتخذ مواقف صلبة من السياسيين ولا أتكلم معهم بتاتا. أما الآن فقد أصبحت أكثر ليونة في هذه الأمور لكن دون أن أتنازل في أمور جوهرية
- لم أنبهر بتسمية "شعراء الجنوب" وكذلك لم أعمل على التنصل منها. بل قلت إن الشعر هو أبعد من أن يكون متصلا بجهة من الجهات. الشعر هو وجود كوني متصل بالإنسانية جمعاء.

المسألة ليست في أن نرفض أو نقبل، على الأقل علينا أن نناقش هذه الظاهرة التي هي نتيجة لتضافر عوامل عدة ومنها التاريخ الممتد إلى الخلف باتجاه كربلاء، والجغرافيا المعتدلة التي هي مزيج بين صلابة الصخر ورخاوة المياه، بين الداخل المتصل بالتراب الأم وبين الخارج الذي يذهب به بعيدا نحو المطلق، بين الأمومة والأنوثة... إضافة إلى ذلك، هناك أيضا تهميش للجنوب باعتباره منطقة من الأطراف وليس في المتن اللبناني الأساسي. هناك أيضا الفقر، والمواجهة مع العدو الإسرائيلي هي عامل ضغط نفسي وذهبت إلى هذه المواهب الشعرية لمزيد من التفتح.

كل هذه العوامل بدون شك أسهمت في خلق هذه الظاهرة، لكن هذه الظاهرة لا يمكن أن تظل جنينية، لا بد لها أن ترسو على بر، بمعنى أنه عندما يخرج الشاعر من تحت عباءة الشعار الإيديولوجي والسياسي والإعلامي، لا يبقى من ظهير له سوى نصه.

من يقرأ ديوانك "مدن الآخرين" يلاحظ أنه لا يتمحور حول موضوع واحد، بل يتطرق الى مواضيع كثيرة وهواجس لم تكن موجودة في شعرك سابقا، هل يمكن أن تحدثنا قليلا عنه؟

- أريد أن أشير في هذا الصدد إلى أن الشعر هو انفجار داخلي وليس قرارا إراديا، وغالبا لا تتحلق المجموعات حول موضوع بحد ذاته، لذلك تسمى مجموعات شعرية. طبعا هناك نوع آخر من الكتابات معتمدة في الغرب، حيث غالبا ما تتحلق المجموعة الشعرية حول موضوع واحد وأنا أفضل هذا النوع، وقد اعتمدته في شعري مرتين: المرة الأولى في ديوان "سراب المثنى" الذي يتمحور بشكل عام حول علاقة الشكل بالمضمون وحول علاقة المثنى بالأنوثة. الديوان الثاني هو "صراخ الأشجار"، الذي يتحلق حول الأشجار التي كانت بمثابة مسرح واسع لطفولتي.

أما ديوان "مدن الآخرين"، فهو لا يركز حول موضوع بعينه، لكن في نفس الوقت يمكن أن أقول إن مشقة الكتابة بحد ذاتها تحولت عندي إلى موضوع للكتابة، والمعاناة الصعبة التي يعيشها الشاعر في مغالبة قصيدته وطريقة كتابتها تتحول إلى موضوع، وهذا ما يبدو جليا في قصيدة "كيف أنصب فخا لما لا يرى" وقصيدة "صورة النبع في جفافه". وهناك أيضا موضوعات متعددة يطالها الكتاب كالشعراء الموتى، ابنتي حنين، ورثاء محمود درويش.

يمكن أن أصفه بديوان استعادي وليس تأسيسيا. إنه كالمعرض الاستعادي الذي يقوم به الفنان، يستعيد فيه مراحل من أعماله. لكن البصمة في هذا الديوان تتجسد في قصيدة "مدن الآخرين" لأنها تحاول أن تقارب موضوع الشغف بغير الممتلك سواء كان هذا الشغف امرأة أو مدينة أو قصيدة.

إذن تقصد بعبارة "مدن الآخرين" المدن غير المتاحة والمتعذر الوصول إليها؟

شوقي بزيع وزعيم الحزب الاشتراكي
وليد جنبلاط (الجزيرة نت-أرشيف)
- ثمة ما يستفزنا في المدن الأخرى التي لم نزرها بعد، لذلك أحلم بمدن غير متاحة، مدن ليست قائمة على هذا الكوكب، مدن مصنوعة من أضغاث الأحلام. هذا هو سر احتفائي بهذا النوع من المدن.

وبالمناسبة لم أكتب عن بيروت لأنها مدينتي ولأني عشت فيها. المدن التي نعيش فيها تفقد البريق التي كان يشدنا إليها. وأشبهها بالزوجة التي نعيش معها والتي لا نكتب عنها.

كيف تفسر علاقتك باعتبارك شاعرا بالسلطة: أنت تزعم دائما أنك بعيد عن السلطة، لكن زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قام بتكريمك مثلا، إضافة إلى علاقاتك الكثيرة برجال السياسة؟

- لم يستفزني هذا السؤال لأني من أكثر الشعراء المتشددين بمسألة العلاقة مع السلطة. وقد اتخذت مواقف حاسمة من شعراء تحولوا إلى شعراء بلاط. وأدعو دائما إلى الابتعاد عن إحراق الأصابع بهذه السلطات التي يمكن أن تجهض التجربة الشعرية.

لم أمدح حاكما قط، كيف لشاعر مصنوع من طينة الأزل أن يمدح حاكما مصنوعا من طينة راهنة وظرفية ومؤقتة، الحاكم يجب أن ينحني للشاعر.

أمامنا تجربة أمين معلوف، عندما أتى رئيس فرنسا السابق إلى لبنان وتحدث عنه بشيء من التقدير العالي، لم يجد أفضل منه للتعبير عن قاسم مشترك بين الهويتين الفرنسية واللبنانية. وأصبح معلوف أحد أعضاء الأكاديمية الفرنسية أو من أسرة الخالدين كما يطلق عليهم في فرنسا.

وأعتبر تكريمي من قبل وليد جنبلاط شيئا عاديا جدا. لأني حصلت على هذا التكريم لكوني كتبت قصيدة أرثي فيها الراحل كمال جنبلاط بعد موته، الرثاء لا يعتبر مديحا.

أهمية كمال جنبلاط تكمن فيما يملك من ثراء معرفي وفكر وفلسفة وفي التصوف الذي اختبره وعاشه من الداخل، وهذه الشخصية هي بعيدة عن السياسة. لذلك لا أعتبر أنني تنازلت عندما رثيته. والوسام جاء بعد أكثر من ثلاثين سنة من كتابتي للرثاء.

لكنني أعترف بأنني كنت في السابق أتخذ مواقف صلبة من السياسيين ولا أتكلم معهم بتاتا. أما الآن فقد أصبحت أكثر ليونة في هذه الأمور لكن دون أن أتنازل في أمور جوهرية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات