بوعلام رمضاني-باريس

لا يمكن لمن يشاهد التلفزيون ويستمع للإذاعات ويقرأ الصحف هنا أن يجهل أو يتجاهل ظاهرة ثقافية وإعلامية اسمها إريك زمور الصحفي والكاتب الذي سطع نجمه الأعوام الأخيرة بعد أن ساهم بقوة في الترويج لفكر اليمين واليمين المتطرف، وخاصة المتعلق بقضايا المهاجرين بوجه عام والمسلمين خصوصا.

ويأتي الشروع في تطبيق قانون منع ارتداء البرقع مؤخرا تجسيدا لتوجهه الذي يخدم اليمين المتطرف من الساركوزيين التواقين إلى الظفر بالسلطة باستعمالهم المهاجرين كبش فداء.

هذا المثقف الذي يدعي أنه ينتقم من الاشتراكيين المنافقين الذين سبقوه للمتاجرة بالهجرة والمسلمين، هو من مواليد مونتراي سوبوا عام 1958 وينحدر من عائلة يهودية جزائرية أمازيغية وتربى في أحضان نساء علمنه كيف يتصرف كرجل على حد تعبيره.

وبعد أن تخرج من معهد الدراسات السياسية، بدا حياته الصحفية عام 1986 في جريدة "لوكوتديان دو باري" قبل أن ينتقل إلى "انفو ماتان" و"الفيغارو" عام 1996، وإلى مجلتي "ماريان" و"فالور أكتويال" عام 1999.

معركة النقاب في فرنسا سبقها زمور
بكتابه "حزن فرنسي" (الفرنسية-أرشيف)
انتزع زمور إعجاب الأصدقاء والأعداء في وقت مبكر بقدرته المهنية الاستثنائية، فكتب بين أعوام 1995و2011 مؤلفات "بلادور المتوقف وصاحب الخطى السريعة"، و"الكتاب الأسود لليمين"، و"انقلاب القضاة"، "وفئران الحراسة"، و"شيراك الرجل الذي لم يحب نفسه"، و"الجنس الأول".

"إسلام فرنسي"
كما نشر "حزن فرنسي" وهو الكتاب الذي نشره قبل أيام قلائل في عز الخطاب الدائر حول "إسلام فرنسي" لا يهدد العلمانية، ونشر زمور أيضا ثلاث روايات هي "المتأنق الأحمر" عام 1999 و"الآخر" عام 2004 و"الأخ الصغير" عام 2008.

ورد على أطروحات زمور المتاجرة بالإسلام والهجرة كل من شمس الدين حفيظ بكتاب "بماذا أصبح زمور اسما "، ومحمد سيفاوي بكتاب "إريك زمور خديعة فرنسية".

ولا يقتصر حضور زمور على الصحافة وحدها، بل يظهر دوريا في عدة قنوات تلفزيونية وإذاعية ومن بينها "أر تي أل" الأولى فرنسيا مما يمكنه من التعليق عن كل شيء كما جاء في كتاب "الاديدوكريت" أو "دكتاتورية كتاب الافتتاحيات" ، وهو الكتاب الجماعي الذي فضح الشلة الصحفية المسيطرة على المشهد الإعلامي الفرنسي والمؤيدة لإسرائيل في كل الأحوال.

يُذكر أن من أشهر المعارك الإعلامية التي تبقى فريدة من نوعها في سجل مواجهاته التلفزيونية تلك التي جمعته بالمخرجة التلفزيونية والسينمائية الاشتراكية والجزائرية الأصل يمينة بن قيقة صاحبة الأفلام التي تدين الوضعية المزرية التي تعيشها الجالية المهاجرة.

وفي تلك المواجهة، تجاوز عراك المخرجة مع زمور مدلل اليمين واليمين المتطرف هذه المرة مستوى المواجهة الكلامية الحادة، وغضبت مخرجة فيلم "عائشة " إلى الحد الذي دفعها إلى دعوة زمور إلى استكمال المواجهة ببعدها الجسدي خارج الأستوديو.

مسألة المهاجرين من القضايا الشائكة
التي تثير نقاشا بالمجتمع الفرنسي
(الفرنسية-أرشيف)
حرب العنصرية
ودخل زمور حروبا قضائية، فقد رفع دعوى قضائية ضد مغني الراب يوسوفا الذي هدده بالقتل في أغنية بيعت كالخبز في أوساط الشبان المهاجرين الذين كان زمور قد وصفهم بأنهم مجرد تجار مخدرات وسارقي سيارات وزوار سجون.

كما دخل زمور المحاكم ملاحقا قضائيا من قبل جمعيات مناهضة العنصرية بقيادة مولود أونيت الجزائري الأصل، وتسببت محاكمة زمور في ضجة إعلامية جديدة أحدثت شرخا في الأسرة السياسية والثقافية.

وإذا كانت ردود أفعال اليساريين والشيوعيين والخضر منتظرة من منطلق التنديد، فإن أنصار اليمين الساركوزي لم يترددوا في الدفاع عن زمور إيمانا بحرية تعبير رفضها أنصار زمور حين تعلق الأمر بكل من الممثل الشهير ديودونيه المحاصر إلى يومنا بعد أن مثل دور استيطاني يهودي قدمه في ثوب نازي، والمفكرين غارودي وفوريسون وهما المفكران اللذان اتهما بمعاداة السامية مثل ديودونيه.

وباسم حرية التعبير أيضا، حظي زمور شاغل الدنيا بدفاع شان بيار شيفنمان صديق العرب المفترض الذي استقال كوزير دفاع سابق بعد رفضه حرب الخليج حتى وإن كان لا يؤيد كل مواقفه.

وتخصص زمور أيضا في البكاء على أطلال الماضي البونابرتي والصفاء العرقي الأوروبي والمحافظة الأخلاقية والسخرية من مناضلات التحرر النسائي والجنسي الكامل على طريقة جمعية "لا مومسات ولا خاضعات" التابعة للفلك الاشتراكي والمحامية الشهيرة التونسية الأصل جيزيل حليمي.

يدعو زمور إلى ذوبان المهاجرين في القالب الثقافي الفرنسي مناقضا بذلك دعاة التنوع العرقي
ويدعو زمور إلى ذوبان المهاجرين في القالب الثقافي الفرنسي مناقضا بذلك دعاة التنوع العرقي، وهو نفسه الرجل الذي يرفض التدخل الخارجي الذي يعتبره استعمارا جديدا خلافا لما يؤمن به برنار كوشنر وزير خارجية ساركوزي السابق وبرنار هنري ليفي الذي زار ليبيا مؤخرا وسكت على عدوان إسرائيل في غزة.

الإنهاك الفرنسي
كتب المحلل النفساني الشهير جاك ألان مييه في الملف الذي أفردته الأسبوع الماضي مجلة "لوبوان" لشخصية زمور، فقال إن مؤيد ومكرس سياسة كلود غيو وزير داخلية ساركوزي الجديد الذي نبه مؤخرا إلى خطورة ارتفاع نسبة المسلمين يمثل الاسم المعبر عن الإنهاك الفرنسي الناتج عن فشل عام يريد أصحابه التغطية على مشكلاتهم وهزائمهم الحقيقية التي ترهق كاهل الفرنسيين.

وهو بذلك يخدم كل الذين يتاجرون اليوم بتخويف الفرنسيين من خطر داهم من أجل أغراض سياسية محضة. ويمارس زمور هذه الإستراتيجية المبرمجة والمغرضة -وفق مييه- بمهارة المنحرف فكريا.

المصدر : الجزيرة