عبد الرحمن أبو العُلا-الجزيرة نت

بإعلان النتائج النهائية لأول انتخابات برلمانية في مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، ينسدل الستار على أطول وأنزه وأشمل انتخابات تشهدها مصر في عصرها الحديث، وربما القديم أيضا، بتفوق واضح للتيار الإسلامي وتراجع للتيارات الأخرى.

فانتخابات مجلس الشعب المصري -الذي من المنتظر أن تعقد أولى جلساته غدا الاثنين- هي الأطول من حيث الفترة الزمنية التي استغرقتها مراحلها الثلاث (نحو شهرين)، وهي الأنزه باعتراف المشاركين فيها والمراقبين لإجراءاتها سواء من داخل مصر أو من خارجها.

كما أن الانتخابات شهدت إقبالا جماهيريا للتصويت غير مسبوق منذ عصر الفراعنة (على حد تعبير رئيس اللجنة العليا للانتخابات)، إذ صوّت فيها أكثر من ثلاثين مليونا من المصريين بنسبة تفوق 60% ممن لهم حق التصويت. كما شارك مصريو الخارج -وللمرة الأولى- في التصويت الانتخابي.

لكن اللافت أكثر من كل ما سبق هو ما تمخضت عنه الانتخابات في نتائجها من تقدم واضح للتيار الإسلامي بجميع مكوناته وأطيافه، والتراجع الكبير للتيار الليبرالي، بالإضافة إلى من يُوصفون بأنهم شباب الثورة.

اضغط للتكبير
تفوق إسلامي
فحزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين أحرز المركز الأول بتفوق واضح بنسبة 47.2% من إجمالي مقاعد مجلس الشعب، الأمر الذي يُمكّنه -إن أراد- أن يشكل الحكومة المقبلة، بعد الاستعانة بعدد قليل من كتل برلمانية أخرى أو حتى من المستقلين
.

والحزب -الذي أحرز 127 مقعدا من مقاعد القوائم، بالإضافة إلى 108 مقاعد أخرى من المقاعد الفردية، بإجمالي 235 مقعدا، وصوت له نحو عشرة ملايين و138 ألفا و134 ناخبا- أكد أن جماعة الإخوان المسلمين التي لطالما عانت الأمرّين من نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، لم تكن بمعزل عن الشارع المصري في وقت من الأوقات.

وحلّ التحالف السلفي -الذي تزعمه حزب النور وضم حزب الأصالة وحزب البناء والتنمية المنبثق عن الجماعة الإسلامية- ثانياً بنسبة 24% في أكبر مفاجأة شهدتها الانتخابات البرلمانية.

وظهر تفوق التحالف في مقاعد القائمة التي حصد منها 96 مقعدا، في حين تراجع أداؤه كثيرا أمام الحرية والعدالة في مقاعد الفردي، فحصد 25 مقعدا فقط بإجمالي 121 مقعدا. وصّوت لتحالف النور سبعة ملايين و534 ألفا و266 ناخبا.

أما ثالث الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية وهو حزب الوسط فلم يُحقق نتائج مرضية، إذ حصل على عشرة مقاعد بنظام القائمة، فيما فشل مرشحوه الفرديون في الفوز بأي مقعد. وجاءت مفاجأته الكبرى في فشل رئيس الحزب أبو العلا ماضي في حجز مقعد له داخل مجلس الشعب.

تراجع ليبرالي
وفي المقابل، فإن الأحزاب الليبرالية -القديم منها والجديد- استطاعت مجتمعة أن تحقق أقل من 15% من مقاعد المجلس
.

وجاء حزب الوفد في مقدمة هذه الأحزاب، إذ حلّ في المرتبة الثالثة بعد حزبيْ الحرية والعدالة والنور بـ38 مقعدا بنسبة 8%، وصّوت له مليونان و480 ألف صوت.

أما تحالف الكتلة المصرية الذي ضم ثلاثة أحزاب هي المصريون الأحرار والمصري الديمقراطي الاجتماعي والتجمع- فحصل على 34 مقعدا بنسبة أقل من 7%، وصوت له مليونان و402 ألف صوت.

وحصلت قائمة الثورة مستمرة -التي ضمت عددا من الائتلافات الشبابية- على سبعة مقاعد، وحزب الإصلاح والتنمية على ثمانية مقاعد.

جدول النتائج النهائية للانتخابات (اضغط للتكبير)
دلالات النتائج
ولعل أولى الدلالات التي تُشير إليها نتائج الانتخابات تتمثل في الشعبية الكاسحة التي تتمتع بها الأحزاب الإسلامية في الشارع المصري
.

فهي أحزاب -كما يقول أصحابها- نبعت من الشارع وتتواصل مع احتياجات الجماهير اليومية، بعيدا عن برجوازية النخبة وانفصالها عن الشارع.

وعلى الرغم من النتائج المتقدمة التي حصل عليها حزب الحرية والعدالة، فإنه أعلن سابقا أنه لن يخوض الانتخابات على كافة مقاعد مجلس الشعب، داعيا في الوقت ذاته إلى تحالف موسع مع باقي الأحزاب المصرية (بدأ بـ34 حزبا، خاضت منها الانتخابات على قوائمه تسعة أحزاب، وحصلت على 22 مقعدا).

ولم يكن حصول حزب الحرية والعدالة على هذه الأغلبية المريحة أمرا مفاجئا، فجماعة الإخوان سبق أن خاضت غمار العمل السياسي والانتخابات منذ عشرات السنين، ولها خبرة تنظيمية وسياسية وخدمية كبيرة حققت لها قاعدة جماهيرية واسعة.

لكن اللافت للنظر هو ما حققه حزب النور السلفي من نتائج متقدمة على حداثة عمله بالسياسة.

فالحزب الذي أُنشئ بعد الثورة المصرية بعد أن كان أصحابه يبتعدون أو بالأحرى يُحرّمون المشاركة في العملية السياسية، اعتمد على الشعبية الكبيرة لعدد من رموز الدعوة السلفية في الشارع المصري، فضلا عن قربه من الطبقة الفقيرة في طول مصر وعرضها.

أما الوفد -وهو أحد أقدم الأحزاب في الساحة المصرية، وسبق أن حصد الأغلبية قبل ثورة يوليو/تموز 1952- فيبدو أن قربه من نظام الرئيس المخلوع أثر سلبا على نتائجه في الانتخابات.

كما أن التصريحات المتتالية لمؤسس حزب المصريين الأحرار نجيب ساويرس التي تصادم فيها مع الأغلبية المسلمة، بالإضافة إلى ما قيل من أنه حشد الكنيسة للتصويت لصالح الكتلة، أتيا بردود فعل معاكسة تماما لرغبتيهما في تحقيق نتائج مقبولة في الانتخابات.

لكن المفاجأة الثانية -بعد مفاجأة النور- كانت فشل عدد من الائتلافات الشبابية في تحقيق نتيجة مرضية في أول انتخابات تأتي بعد ثورة أشعل شرارتها الأولى الشباب على اختلاف توجهاته.

ويرى البعض أن السبب في ذلك يرجع إلى الرغبة الشعبية في تحقيق استقرار سريع قد لا يستطيع شباب حديثو السن أن يحققوه، كما أن الأحداث المتتالية بعد تنحي مبارك سحبت من رصيد هذا الشباب لصالح من هم أكثر خبرة وأقدم ممارسة، أضف إلى ذلك الخطاب الاستعلائي من عدد غير قليل من هؤلاء الشباب بدعوى أنهم من صنع الثورة.

سعد الكتاتني مرشح حزب الحرية والعدالة
 لرئاسة مجلس الشعب (رويترز)
ماذا بعد؟
وبعد أن آذنت الانتخابات بنهايتها، وذهبت السكرة وجاءت الفكرة، ماذا تخبئ الأيام للمشهد السياسي في مصر؟

من ناحيته، أعلن حزب الأغلبية (الحرية والعدالة) ترشيح أمينه العام سعد الكتاتني لرئاسة مجلس الشعب، وترك منصبيْ الوكيلين للوصيفين الثاني والثالث (النور والوفد).

وتواصلت اجتماعاته مع عدد من الأحزاب والكتل البرلمانية لتشكيل لجان المجلس المختلفة بما يعبر عن كافة التوجهات والكيانات السياسية. وأرسل الحزب رسائل عدة مفادها أنه لا يرغب في الاستئثار بالمناصب المختلفة داخل المجلس.

لكن الأكثر إشغالا للرأي العام المصري هو لجنة المائة التي سيشكلها مجلس الشعب لكتابة الدستور المقبل، ورغم تصريحات قادة الحزب المطمئنة والمتتالية بأن اللجنة لن تشكلها الأغلبية وأن كافة شرائح المجتمع ستمثل فيها لكتابة دستور توافقي، فإن البعض ما زال متخوفا من سيطرة الإسلاميين على كتابة الدستور.

أمر آخر ينتظر الحزبُ الانتهاءَ من كتابة الدستور للدخول فيه؛ وهو تشكيل الحكومة المقبلة، وإن سبق لقيادات الحزب الدعوة إلى تشكيل حكومة ائتلافية يشارك فيها الجميع.

المصدر : الجزيرة