صالح النعامي

صالح النعامي

صالح النعامي

الفرص المحتملة
المحاذير المتوقعة 

تبدي دوائر صنع القرار ومحافل التقدير الإستراتيجي ومراكز التفكير في إسرائيل اهتماما كبيرا برصد التداعيات المحتملة للحملة التي تشنها دول عربية بقيادة السعودية على دولة قطر، واستشراف تأثيراتها المختلفة على مصالح الكيان الصهيوني الإستراتيجية.

ويُستدل من الجدل الواسع الذي يدور حاليا في تل أبيب بشأن تبعات هذه الحملة، على أن الكثير من الدوائر الرسمية بإسرائيل ترى أن الحملة على قطر تخدم المصالح الإستراتيجية للكيان الصهيوني. لكن في مقابل هذا التفاؤل، فإن عددا من مراكز الأبحاث الرائدة والنخب الوازنة في تل أبيب تحذر من أن بعض تداعيات الحملة على قطر يمكن أن تمثل مصدر تهديد لمصالح إسرائيل.

وسنحاول في هذا المقال الإلمام بقائمة الفرص التي ترقبها تل أبيب في الحملة على قطر، وجملة المحاذير التي تحملها هذه الحملة في طياتها، والتي يمكن أن تستحيل إلى مصادر تهديد للمصالح الإسرائيلية.

الفرص المحتملة
ضمن قائمة الفرص التي تراهن إسرائيل على تحقيقها عبر الحملة على قطر، يمكن الإشارة إلى التالي:

- إحباط فرص التغيير في العالم العربي: لا خلاف بين محافل التقدير الإستراتيجي والنخب الإسرائيلية على أن أحد أهم مسوغات الحملة على قطر، يتمثل في حساسية السعودية -والدول العربية التي تسير في ركبها- من إسهام الدوحةفي توفير قوة الدفع التي سمحت بتواصل الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي، حتى تمكنت من إسقاط بعض الأنظمة العربية أو التخلص من رؤوسها.

تجاهر دوائر صنع القرار في تل أبيب بأن أحد أهم المصالح المشتركة لكل من إسرائيل والدول التي تناصب الدوحة العداء، هو ضمان استقرار أنظمة الحكم العربية والحفاظ على بنية النظام الإقليمي، من خلال محاولة إجبار الدوحة على قطع علاقاتها مع القوى التي تمثل حاضنة للتغيير الداخلي، وتحييد تأثير قناة الجزيرة


وتسجل المحافل الإسرائيلية أن الدوحة اتبعت في إستراتيجيتها هذه تكتيكين رئيسيين، وهما: بناء علاقات مع القوى السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تحمل لواء التغيير الداخلي في العالم العربي؛ إلى جانب الدور الذي لعبته قناة الجزيرة في منح هذه القوى القدرة على عرض برامجها ورؤاها على الجماهير العربية.

وتجاهر دوائر صنع القرار في تل أبيب بأن أحد أهم المصالح المشتركة لكل من إسرائيل والدول التي تناصب الدوحة العداء، هو ضمان استقرار أنظمة الحكم العربية والحفاظ على بنية النظام الإقليمي، من خلال محاولة إجبار الدوحة على قطع علاقاتها مع القوى التي تمثل حاضنة للتغيير الداخلي، وتحييد تأثير قناة الجزيرة وتغطيتها التي تؤجج التغيير.

ويعود الحماس الإسرائيلي لكل تحرك عربي يحاول تقليص فرص اندلاع موجة تغيير ثالثة في العالم العربي، إلى إدراك تل أبيب أنه لولا نجاح الثورات المضادة لما تمكنت إسرائيل من استعادة الشراكة الإستراتيجية على نطاق واسع مع دول مثل مصر، وبناء تحالفات صامتة مع دول عربية أخرى.

- المس بالقضية الفلسطينية: لقد رأت المحافل الرسمية الإسرائيلية أن الحملة على قطر تحسن قدرتها على المس بالقضية الفلسطينية من خلال: حصار المقاومة، وتوفير بيئة لفرض "تسوية" وفق المعايير الإسرائيلية، وشرعنة الاحتلال.

فقد استمدت إسرائيل التشجيع من مطالبة وزير الخارجية السعودية عادل الجبير قطر بقطع علاقتها مع حركة حماس كأحد أهم الشروط لإعادة العلاقات معها. ورأت تل أبيب أن إعلان الجبير يقلص هامش المناورة أمام المقاومة الفلسطينية التي تعد "حماس" رأس حربتها، ويجفف مصادر دعمها الإقليمي.

وقد اعتبرت حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب أن الحملة على قطر تحسّن فرص تمرير مشروع "التسوية الإقليمية"، الذي ينظّر له رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ويقوم على التطبيع الكامل والعلني بين إسرائيل والدول العربية.

وإن كان هذا لا يكفي، فإن النخب اليمينية المرتبطة بحكومة نتنياهو رأت في قائمة الكيانات والشخصيات "الإرهابية" -التي أعلنتها كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين- إقرارا عربيا بأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية لم يعد مصدرا من مصادر عدم الاستقرار في المنطقة. وقد عبر عن هذا الموقف بشكل صريح الكاتب اليميني الإسرائيلي عمير رابوبورت في مقال نشرته صحيفة "ميكور ريشون" (12 يونيو/حزيران الجاري).

- تحسين بيئة إسرائيل الإقليمية: لقد عززت الحملة على قطر -في نظر دوائر صنع القرار بتل أبيب- فرص تطوير العلاقات بين إسرائيل والدول الخليجية التي شاركت في الحملة، على اعتبار أن هذا التطور وسع مساحة القواسم المشتركة بين تل أبيب وعواصم الدول الخليجيةالتي تناصب الدوحة العداء.

جاهر وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بالإفصاح عن رهاناته "الإيجابية" على الحملة على قطر، عندما أعلن أن هذه الحملة تحمل في طياتها فرصا كبيرة لإحداث تحولات جذرية على علاقة إسرائيل بالعالم العربي، معتبرا


فقد جاهر وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بالإفصاح عن رهاناته "الإيجابية" على الحملة على قطر، عندما أعلن أن هذه الحملة تحمل في طياتها فرصا كبيرة لإحداث تحولات جذرية على علاقة إسرائيل بالعالم العربي.

واعتبر أن ما أقدمت عليه السعودية ودول أخرى ضد قطر يدل على أن إسرائيل -في نظر هذه الدول- هي "جزء من الحل وليست مركبا من مركبات المشكلة" (قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية، 10 يونيو/حزيران).

في حين أن سلف ليبرمان في المنصب موشيه يعلون اعتبر أن المسوغات التي قدمتها الدول التي قاطعت قطر لتبرير إجراءاتها ضدها، تدل على أن "إسرائيل ودول الخليج تسير في نفس المركب" (قناة التلفزة الإسرائيلية العاشرة، 4 يونيو/حزيران).

ومن هنا، لم يتردد مستشار الأمن القومي الأسبق لنتنياهو الجنرال يعكوف عامي درور في الجزم بأن الأزمة الحالية ستفضي إلى حدوث "طفرة" في التعاون الإستراتيجي بين إسرائيل والدول الخليجية (جاءت تقديرات درور في تقدير موقف نشره مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية، بتاريخ 14 يونيو/حزيران).

مع العلم بأن وسائل الإعلام الإسرائيلية عادة ما تشير إلى التحسن الكبير الذي طرأ على مستوى التعاون الأمني والاستخباري بين إسرائيل وبعض الدول الخليجية وتحديدا السعودية، لا سيما بعد التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران والدول العظمى.

فقد كشفت مجلة "الدفاع الإسرائيلي" بتاريخ 16 أكتوبر/تشرين الأول 2016 تفاصيل كثيرة عن طابع ومناشط التعاون الاستخباري بين الاستخبارات السعودية وكل من جهاز "الموساد" وشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان".

- التقاء المصالح في سوريا: تراهن إسرائيل على أن الأزمة الخليجية الحالية ستؤدي إلى التقاء المصالح بينها وبين والسعودية في سوريا. فحسب تقديرات "مركز يروشليم لدراسة الجمهور والدولة" وهو الأكثر التصاقا بحكومة نتنياهو؛ فإن السعودية يمكن أن تتجه لتأييد تقسيم سوريا كحل للصراع القائم هناك، وذلك من أجل "الإضرار بمصالح تركيا، ردًّا على اصطفاف رئيسها طيب رجب أردوغان إلى جانب قطر" (موقع المركز 11 يونيو/حزيران).

وحسب هذا التقدير، فإن السعودية التي ظلت ترفض كل الأفكار المتعلقة بتقسيم سوريا يمكن أن تتحول إلى تأييد تمتع الأقليات في سوريا -لا سيما الأكراد- بكيانات مستقلة.

ومن نافلة القول إنه في حال تحققت توقعات المركز فإن هذا يمثل إسناداً قوياً لتنفيذ خريطة المصالح الإسرائيلية في سوريا، حيث إن تل أبيب ترى في تقسيم سوريا إلى دويلات الوصفة الأفضل لعدم تحول سوريا إلى مصدر تهديد للعمق الإسرائيلي مستقبلا.

المحاذير المتوقعة
وفي مقابل الفرص التي تراهن عليها دوائر صنع القرار في تل أبيب؛ فإن هناك محاذير ترصدها مراكز تفكير ونخب إسرائيلية بشأن تداعيات الأزمة التي تعصف بالخليج على المصالح الإسرائيلية، ويمكن حصرها في التالي:

- تهديد فرص تشكل "الناتو الشرق أوسطي": بخلاف المحتفين بالأزمة، فإن هناك في إسرائيل من يرى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ارتكب خطأ كبيرا عندما سمح بتفجر الأزمة الخليجية على اعتبار أنها -في حال تعاظمت- ستفضي إلى المس بمكانة الولايات المتحدة وتُقلص قدرتها على تحقيق مصالحها.

لو دار في أروقة صنع القرار في الدول الخليجية -التي شنت هذه الحملة على قطر- نقاش جدي وموضوعي يستند إلى مرجعية إستراتيجية وقيمية وأخلاقية، لما أقدمت على ما أقدمت عليه، إذ لا يمكن تصور أن تتبنى أي منظومةٌ سياسيةٌ عربيةٌ إستراتيجيةً تجني عوائدها حصريا إسرائيل أو إيران


فحسب "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي فإن الانقسام والتصدع في الصف الخليجي لا يسمح ببناء التحالف الإقليمي الذي نظر له ترمب كثيرا، وراهن على دوره في مواجهة إيران و"الإسلام السني المتطرف"، وهو التحالف الذي أطلق عليه "ناتو شرق أوسطي".

ليس هذا فحسب، بل إن "المركز" حذر -في ورقة نشرتها مجلة "مباط عال" في عددها الصادر يوم 8 يونيو/حزيران- من أن الحملة ضد قطر قد وفرت بيئة إقليمية حسنت مكانة إيران وعززت قدرتها على الحركة، وسمحت بتوفير ظروف تدفع دولا أخرى للتقارب معها خاصة تركيا وقطر.

ومن هنا، فإن في تل أبيب من يرى أن إضعاف مكانة الولايات المتحدة جراء تصدع صف حلفائها في الخليج وتحسن مكانة إيران، يقلصان العوائد التي يمكن أن تجنيها تل أبيب من تقاربها مع بعض دول الخليج في أعقاب الأزمة.

- تعزيز فرص اندلاع مواجهة مع غزة: يكاد لا يختلف اثنان من المعلقين في إسرائيل على أن أحد المخاطر الناجمة عن الحملة على قطر، هو زيادة فرص اندلاع مواجهة قريبة مع حركة حماس في قطاع غزة.

فحسب التقديرات الإسرائيلية، فإنه إذا أسفرت الحملة الحالية عن توقف المساعدات الاقتصادية القطرية للقطاع، فإن هذا سيدفع إلى انهيار تام للمرافق العامة هناك بشكل يفضي إلى مواجهة جديدة.

واستنادا إلى المنطق الإسرائيلي، فإن قيادة حركة حماس يمكن أن تبادر إلى إشعال مواجهة جديدة ضد إسرائيل إن وصلت إلى قناعة مفادها أنه لم يعد هناك ما تخسره في أعقاب توقف الدعم القطري، الذي يعد الدعم الأكثر تأثيرا على حياة الفلسطينيين في غزة.

فرغم أن البيئة الإقليمية تسمح لإسرائيل بشن حرب على القطاع حاليا، فإن اندلاع هذه الحرب في هذه الظروف لا يخدم المصالح الإستراتيجية لإسرائيل، ليس فقط لأن الحرب ستسفر عن أعداد كبيرة من القتلى والجرحى إلى جانب المس بالمرافق الحيوية الإسرائيلية، بل أيضا -وبشكل أساسي- لأنه لا يوجد طرف يمكن أن يدير شؤون القطاع في حال أسفرت الحرب القادمة عن إسقاط حكم حركة حماس.

ويعني ذلك أن إسرائيل ستضطر عندها للتورط في الوحل الغزي عبر الاحتلال المباشر، وإدارة شؤونه بشكل يفاقم التحديات الاقتصادية والأمنية أمامها ويمس بمكانتها الدولية، علاوة على أن مثل هذا السيناريو لا يضمن معالجة مصادر التهديد التي تشكلها المقاومة بشكل نهائي.

وفي الوقت ذاته، فإن هناك من يقول إن بقاء الارتباط بين غزة والدوحة يسمح للقيادة القطرية بلعب دور الوسيط بين تل أبيب وحماس في حال اندلعت مواجهة بين الجانبين، على اعتبار أن الثقة التي تحظى بها قطر لدى حماس تسمح للدوحة بالتوسط لتطويق المواجهات العسكرية.

وخلاصة القول هي أنه رغم التباين في التقديرات الإسرائيلية بشأن تداعيات وانعكاسات الحملة التي تتعرض لها قطر على مصالح الكيان الصهيوني، فإنها تتفاوت بين تحديد أي من إسرائيل أو إيران هو المستفيد الرئيسي من هذه الحملة.

ومما يبعث على الأسى حقيقة أنه لو دار في أروقة صنع القرار في الدول الخليجية -التي شنت هذه الحملة على قطر- نقاش جدي وموضوعي يستند إلى مرجعية إستراتيجية وقيمية وأخلاقية، لما أقدمت على ما أقدمت عليه. فلو تجاوزنا حقيقة أنه لا يوجد مسوغ موضوعي يبرر الحملة، فإنه لا يمكن تصور أن تتبنى أي منظومةٌ سياسيةٌ عربيةٌ إستراتيجيةً تجني عوائدها حصريا إسرائيل أو إيران.

المصدر : الجزيرة