وضاح خنفر

وضاح خنفر

مدير عام شبكة الجزيرة سابقا


بداية أعتبر هذا المنتدى (منتدى الجزيرة) بيتا وأعتبر الجزيرة فيه وطنا، وإن كنت لست اليوم في مقام الحديث لا باسم المؤسسة ولا باسم المنتدى، ولكني أعتقد أن الجزيرة وطن بلا حدود، يحبها كل من مر بها، وكل من استوطنها، وكل من استظل بظلها.

أذكر أنني وقفت في هذا المنتدى في العام 2006، في المنتدى الأول للجزيرة، مخاطبا جمعا من المشاركين من مختلف الجنسيات في ذلك الوقت، وكان هم الساعة يومها العراق، وهموم التحول في المنطقة، ومسارات الأحداث التي أعقبت احتلال العراق وانفجار صراعات طائفية فيها، وتأثير ذلك على المنطقة بأجمعها، وها هي الأيام تمر، تسع سنوات طوال وهموم الأمة تزداد تعمقا، ويزداد الانقسام وضوحا.

وأود في كلمتي هذه أن أقف أربع وقفات: الوقفة الأولى مع المنطقة، والوقفة الثانية مع العالم، أي عالم هذا اليوم، والوقفة الثالثة مع الناس في عالمنا العربي، أما الرابعة، فوقفة أمل مع المستقبل الذي نرجوه لمنطقتنا هذه.

عندما استقلت من إدارة شبكة الجزيرة كرّست جل وقتي لمؤسسة انطلقت مع مجموعة من الأصدقاء والباحثين والناشطين في العالم العربي سميتها "منتدى الشرق"، وعبارة الشرق لكثير من الناس الذين استفسروا عن سر هذه التسمية، هي المصطلح الذي أطلقه المؤرخون والكتاب والمثقفون على منطقتنا هذه في نهايات القرن التاسع عشر، ولا سيما بعد انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فكان "الشرق" هو المصطلح الذي استخدمه الشعراء والمفكرون والمصلحون في وصف هذه التركة التي تمتد عبر الأمم الأربع المكونة لمنطقة الشرق: العرب، والترك، والكرد، والإيرانيين.

"الشرق" اليوم يعبر فترة انتقال تاريخي، ويحتاج مشروعا جديدا، لأن الإقليم كما ترون يعيش حالة انتقال جوهري وحقيقي وكأن القرن الماضي بطوله، منذ الحرب العالمية الأولى لم يفعل شيئا كثيرا إلا أن سكن الواقع، لكنه سكنه على غير أساس

"الشرق" اليوم يعبر فترة انتقال تاريخي، ويحتاج مشروعا جديدا، لأن الإقليم كما ترون يعيش حالة انتقال جوهري وحقيقي وكأن القرن الماضي بطوله، منذ الحرب العالمية الأولى لم يفعل شيئا كثيرا إلا أن سكن الواقع، لكنه سكنه على غير أساس، فتفجر الواقع اليوم أمامنا بحدوده وأقلياته وأغلبياته وطوائفه ومذاهبه، في حالة يراها كثيرون حالة فوضى وانفلات كامل، وأراها حالة انتقال طبيعي وحالة تطور تاريخي باتجاه نقطة توازن ينبغي أن نسعى للوصول إليها بأقل قدر ممكن من الدماء، وأقل قدر ممكن من العنف والدمار.

الإقليم اليوم، خصوصا في الشهور القليلة الماضية، يعيش حالة جديدة، وأظن أن "عاصفة الحزم" التي انطلقت ضد الحوثيين في اليمن بعثت حسا جديدا بأن نظاما إقليميا ما ينبغي أن يتشكل أو أنه على قيد التشكل.

هذا النظام أو هذا التفاهم أو التحالف، الذي ينبغي أن ينطلق والذي أزف أوانه، والحقيقة أنه قد أزف منذ وقت طويل، لكنه تأخر كما تتأخر الكثير من المشروعات في بلداننا بفعل ضغط الماضي الذي يحاول دوما أن يوقف المستقبل بكل ما أوتي من قوة، أعتقد أنه بداية خلاص ينبغي لنا فعلا أن نتمسك به، وأن نبني عليه، وأن نحميه، وأن نطوره باتجاه مزيد من الاستقرار للمنطقة، وتأسيس قواعد جديدة لشرق متوازن.

أساس الذي يحدث اليوم أننا في السنوات القليلة الماضية انشغلنا بأنفسنا، وأنا عندما أقول "نحن" فأعني العرب، حيث انشغل العرب بأنفسهم، واختلطت أولوياتهم، وانقضوا على ذواتهم تنكيلا وعصفا وتفجيرا للواقع بطريقة كان ينبغي ألا تكون، لكنها صارت، لأن كثيرين عندما تخوفوا من "الربيع العربي" والثورات العربية، فأرادوا إسكاتها أو اقتلاعها، وكانت النتيجة أننا انقضضنا على أنفسنا بذواتنا وضربنا مناعتنا الذاتية بأيدينا.

الإقليم عاش حالة من الفراغ الإستراتيجي في السنوات الماضية، وكنا نحن الطرف الأضعف بين مكونات هذا الإقليم، فلا الإيرانيون ولا الأتراك عاشوا التجربة ذاتها التي عشناها، لأن لديهم كيانات أكثر استقرارا أصدق تمثيلا، أما كيانات التجزئة التي يعيشها العالم العربي مع الانقضاض على الذات واختلال الأولويات، فقد أدى بالفعل إلى عدم توازن جدي في المنطقة.

في هذه الأثناء لا شك أن إيران انطلقت في تطوير مشروعها التوسعي، وهذه حقيقة، وهنا عندما أقول إيران، فإنني أقصد "إيران الدولة" ولا أقصد المذهب، ولا لي صلة بمثل ذلك النقاش، لأنني أعتقد أنه في موازين الصراع والإستراتيجية فإن الدول كيانات يتشكل لديها طموح جامح نحو السيطرة، وفي سبيل ذلك تستخدم كل شيء بما فيه الدين والمذهب والطريقة. أنا اليوم أتحدث عن البعد الإستراتيجي للتدافع في الشرق، من دون الانجرار إلى اختزاله في الصراع الديني.

إيران توسعت في الإقليم في حالة فراغ، واستطاعت أن تتمدد في مسافات كانت -للأسف- فارغة بفعل واقعنا العربي المتشظي، ولكن إيران أيضا في تمددها ذهبت أبعد مما تستطيع هي أن تحتمل، واستفزت فينا جميعا، في المنطقة عموما، سواء كنا عربا أو تركا أو مسلمين ممن نسمي أنفسنا "أهل السنة"، استفزت فينا شيئا جديدا لم نكن نأمل أن نصل إليه، وهو "الشعور بسنيتنا".

مع أنني أعتقد، وما زلت على قناعة تامة، بأن أهل السنة ليسوا مذهبا ولا ينبغي أن ينظروا لأنفسهم على أنهم أهل مذهب، لكن الذي حدث في واقع الأمر أن نوازع الصراع والتحفز وصلت إلى درجة مستفزة أدت إلى ما نقف ونتحدث عنه هذا اليوم، فإيران استطاعت أن تصل إلى مرحلة استفزت فينا كوامن الغضب، فارتفعت نداءات الثأر تحت شعارات "مذهبية": سنة وشيعة، في ظل غياب رؤى سياسية متعقلة.

عندما أقول إيران، فإنني أقصد "إيران الدولة" ولا أقصد المذهب، ولا لي صلة بمثل ذلك النقاش، لأنني أعتقد أنه في موازين الصراع والإستراتيجية فإن الدول كيانات يتشكل لديها طموح جامح نحو السيطرة، وفي سبيل ذلك تستخدم كل شيء بما فيه الدين والمذهب والطريقة

الصراع مع إيران ومع النفوذ الإيراني في المنطقة لن يكون صراع شهر أو شهرين ولا عام أو عامين، بل نحن أمام حالة جديدة، الصراع فيها هو على قوانين اللعبة في المنطقة، على شكل الشرق الأوسط الجديد، على شكل "الشرق الجديد"، وهذا الصراع لن يكون صراعا يسيرا، بل سيكون صراعا طويلا يحاول فيه كل طرف أن يحقق القدر الأعلى من المكاسب إلى أن نصل إلى لحظة توازن تقتنع الأطراف فيها جميعا بأن مصلحة الشرق القادم هي مصلحة الجميع، وعلينا أن نجلس ونتحاور.

الذي أحذر منه هو أن يختلط الصراع الإستراتيجي من أجل المصالح والنفوذ بالصراع الديني الذي ينبغي جميعا أن نحمي أنفسنا من أن نتورط فيه، لأن الصراع الديني نهاياته مذبحة، والصراع السياسي نهاياته تصالح، ولا ينبغي أن يختلط ما نهايته المطلقة هو اقتلاع الناس أو تدمير وجودهم مع مصالح السياسة المؤقتة التي تختفي أو التي تنشأ وتنتهي وفقا للمصالح، فهذه قضية في غاية الأهمية، وأحمّل نخبنا وسياسيينا المسؤولية في أن ينجرفوا في مثل ذلك الصراع الدموي الذي يمكن أن يترك علينا جميعا أعباء ثقيلة لقرون قادمة.

النقطة الأخرى في هذا الموضوع، موضوع الإقليم، هناك دعوات لتأسيس تحالف سني، وأنا أريد أن أتوقف عند هذه الكلمة، حيث لا أعتقد أن محورا سنيا في العالم الإسلامي ينبغي أن يتشكل فقط من أجل التعامل مع إيران، لأن في ذلك خطأ إستراتيجيا وتاريخيا وأيديولوجيا.

إذا أردنا أن نشكل تحالفا في هذه المنطقة، فينبغي أن يقوم مثل هذا التحالف على مبدأ تحقيق المصالح لجميع أمم المنطقة وإعادة الاستقرار إليها، على أن يشمل كل القضايا التي يجب التعاطي معها من أجل الوصول إلى شرق مستقر، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فلا ينبغي لتحالف مثل هذا أن يغفل الصراع الدائر اليوم على أرض فلسطين، أو الحصار الذي تعاني منه غزة، أو المشكلات التي يعبرها الواقع الفلسطيني.

علما بأننا اليوم عالميا على المستوى الفلسطيني أفضل من أي وقت مضى، فهناك تفهم حقيقي بفضل الوعي الشعبي الجديد والأنواع الحديثة في التواصل بين الشعوب، هناك تفهم أفضل للقضية الفلسطينية، لكن للأسف لا نستطيع أن نحصد ثماره، بسبب حالة التردي والانقسام والتشظي في واقعنا العربي، فتحالف مثل هذا ينبغي أن يضع القضية الفلسطينية في المركز، وتحالف مثل هذا ينبغي أن يضع سوريا في طليعة القضايا التي يجب أن نتعاطى معها، فإعادة الاستقرار إلى سوريا ومحاولة القضاء على هذا النظام الذي فجر المنطقة تفجيرا طائفيا وتفجيرا سياسيا ومذهبيا ضروري لاستقرار الشرق.

ينبغي أن نضع العراق في صميم مثل هذا التحالف، لأن العراق هو درع الجزيرة العربية، ومن دون هذا الدرع فنحن منكشفون أمام إيران وأمام كل الصراعات التي يمكن أن تنشأ في المستقبل. وينبغي وضع أفغانستان أيضا في قائمة هذا التحالف لمحاولة التوصل إلى واقع في أفغانستان يجعل منها دولة مستقرة بمشاركة كل مكونات الشعب الأفغاني على اختلاف تصنيفاتها وتسمياتها في نظام سياسي متوازن.

تحالف مثل هذا يمكن بالفعل أن ينجح، بل إن مقومات نجاحه اليوم أكثر من أي وقت مضى، والسبب في ذلك، وهذا هو الموضوع الثاني الذي أود التحدث عنه، هو أن الواقع الدولي لم يعد كما كان في السابق، فحديثنا اليوم عن حلف إقليمي يعيد الاستقرار في المنطقة لم يكن ممكنا عام 2006 أو عام 2010 أو حتى في العام الماضي، والسبب في ذلك أن الولايات المتحدة اليوم ليست كما كانت في السابق، والاتحاد الأوروبي ليس كما كان في السابق.

إيران توسعت في الإقليم في حالة فراغ، واستطاعت أن تتمدد في مسافات كانت -للأسف- فارغة بفعل واقعنا العربي المتشظي، ولكن إيران أيضا في تمددها ذهبت أبعد مما تستطيع هي أن تحتمل، واستفزت فينا جميعا، شيئا جديدا لم نكن نأمل أن نصل إليه، وهو "الشعور بسنيتنا"

فاليوم الولايات المتحدة اتخذت سياسة إستراتيجية واضحة حيال الملفات الخارجية جميعها، وهي الانسحاب الجزئي من كمية التدخل التي كانت إدارة بوش والإدارات السابقة تحاول أن تقوم بها، وأنا الآن لا أتكلم عن الشرق الأوسط فقط، انظروا إلى أوكرانيا، وبالمناسبة فموضوع أوكرانيا من أكثر الموضوعات التي تؤثر في العلاقات الدولية، وتؤثر على توازنات القوى بسبب قربها من الاتحاد الأوروبي والعلاقة القديمة بين روسيا والغرب، فما الذي فعله الغرب من أجل أوكرانيا؟

لقد استطاعت روسيا أن تحتل القرم ثم اليوم تتدخل في المنطقة الشرقية من خلال المليشيات الأوكرانية، فماذا استطاع الاتحاد الأوروبي أن يفعل سوى بعض من العقوبات التي تحاول معظم الدول الغربية أن تحد منها، لأن لها تأثيرا سلبيا على اقتصادياتها المتداعية، ثم ماذا بعد ذلك؟ لا شيء، فحتى تزويد الحكومة الأوكرانية بالسلاح ما زال محل جدل كبير في الأوساط الغربية وفي الولايات المتحدة الأميركية.

فإذا كان القرار بالنسبة للإدارة الأميركية هو عدم المواجهة، فيستطيع أي طرف إذن أن يفعل ما يشاء متنبئا بالعواقب، وروسيا تدرك ذلك جيدا، وإيران تدرك ذلك، وأعتقد أننا في عالمنا العربي ينبغي علينا أن ندرك ذلك جيدا، الولايات المتحدة اليوم ليست كما كانت في السابق، اعتدنا نحن هنا في واقعنا العربي أن ننظر إلى أميركا على أنها هي العالم، وهي الخارج، وهي المجتمع الدولي والإرادة السياسية، أما اليوم فأميركا تقول: أنا لم أعد كما تريدون! فينبغي علينا ألا نتمسك بها كثيرا، بل على العكس، ينبغي لنا أن نفرح، لأن الانسحاب الأميركي الجزئي من هذه المنطقة بتقديري أفضل فرصة لبناء تحالف إقليمي ورؤية ذاتية لواقعنا متمحورة ومتمركزة حول مصالحنا نحن لا مصالح الغرب في بلادنا.. ينبغي لنا أن نواجه مثل هذه الحقيقة.

وأقول لقاصدي "كامب ديفيد" الأسبوع القادم من أجل اللقاء مع الرئيس أوباما، زعماء مجلس التعاون الخليجي، ينبغي أن تضعوا باعتباركم أن الإدارة الأميركية الحالية تواجه اليوم معركة حقيقية في واشنطن تنبني عليها الصورة الختامية لعهد الرئيس أوباما، وهي معركة إقرار "اتفاق لوزان". وتعرفون أن الكونغرس قد أقر قانونا بأن "لا اتفاق مع إيران دون موافقة الكونغرس"، والجمهوريون لأول مرة يتجرؤون على رئيس الولايات المتحدة الأميركية بأن يخاطبوا زعيما أجنبيا كما فعلوا بالرسالة التي بعثوها إلى إيران محذرين من أن الاتفاق لن يمر.

هم أوباما الأول والثاني والثالث هو تمرير الاتفاق النووي، واللقاء المزمع في "كامب ديفيد" يأتي من أجل هذا الغرض، (وكامب ديفيد بالمناسبة مكان مشؤوم كما تعلمون، لم يأت للعرب منه أي خير، تذكرون اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٩ التي مزقت الإجماع العربي) ينبغي أن نذهب ونحن على يقين بأن أوباما يريد من هذا اللقاء أن يحصل على موافقة عربية يذهب بها إلى زعماء الكونغرس وإلى الجمهوريين، ويقول لهم: أنتم تقولون بأننا سنتخلى عن حلفائنا التقليديين في الشرق الأوسط؟ فهذا ليس صحيحا، لقد وافقوا على لوزان، ولا مشكلة لديهم.

اللقاء في "كامب ديفيد" ليس الهدف منه أمن العرب ولا الخليج، وإنما الهدف منه إنقاذ الرئيس أوباما من المواجهة القادمة مع الكونغرس، فإذا عرفنا هذه النقطة، فنستطيع أن نذهب إلى هناك بأجندتنا نحن، بالتالي: أولا لا نعطي موافقة مجانية على الاتفاق مع إيران، ليس لأننا لا نريد الاتفاق مع إيران، بل برأيي لأن الاتفاق مع إيران في النهاية سيكون أمرا واقعا، لأن الولايات المتحدة الأميركية لن ترسل طائراتها وبوارجها لتحارب إيران، وأوباما يعرف ذلك والجمهوريون يعرفون ذلك، لكن الموافقة على لوزان من قبل العرب ينبغي أن يكون لها ثمن، وثمنها: العراق وسوريا واليمن.

الذي أحذر منه هو أن يختلط الصراع الإستراتيجي من أجل المصالح والنفوذ بالصراع الديني الذي ينبغي جميعا أن نحمي أنفسنا من أن نتورط فيه، لأن الصراع الديني نهاياته مذبحة، والصراع السياسي نهاياته تصالح

نريد من الإدارة الأميركية أن تغير من مواقفها الحالية باتجاه هذه الملفات الثلاثة. البعض يقول إن الأميركيين يدعموننا في اليمن، لكن هذا ليس صحيحا.. الأميركيون في اليمن يستخدمون منطقا ذا طابع مختلف عن الذي نريده، الأميركيون في اليمن يقولون إنهم مع "عاصفة الحزم" من حيث المبدأ، لكنهم في الحقيقة ضدها، هذه حقيقة، ودول المنطقة كلها تعرف ذلك، تعرف أن الأميركيين يضغطون باتجاهات مختلفة على الواقع في اليمن، فهم يريدون وقفا فوريا لإطلاق النار تعقبه عملية سياسة، وتعرفون أن هذا في النتيجة سيؤدي إلى شرعنة احتلال الحوثيين لليمن.

أما في سوريا، فالأميركيون منزعجون جدا من تقدم الثوار باتجاه دمشق، ويضغطون على كل الدول الداعمة للثورة لوقف التقدم نحو دمشق، حتى لا يسقط نظام بشار الأسد، لأن الأميركيين معنيون بعدم انهيار النظام السوري، ويعتقدون أن سقوط نظام بشار الأسد هو قيام لنظام قد يكون إرهابيا، ولذلك لا يريدون لهذا الأمر أن يتم، ويطرحون بالمقابل صفقة ما تمكن بشار من البقاء سنة أو اثنتين كمرحلة انتقالية يحاربون خلالها تنظيم الدولة وجبهة النصرة وغيرها حتى يصلوا إلى الاتفاق النهائي.

أما في العراق، فالسياسة الأميركية هي في الوقوف الكامل مع حكومة العبادي، وأنا أعتقد وأنتم تعرفون أن حكومة العبادي التي نتحدث عنها اليوم لا تختلف كثيرا عن حكومة المالكي فيما يتعلق بالسياسات والإستراتيجيات الكبرى في العراق، وما زال الواقع العراقي الذي رأينا مشهدا كئيبا منه في تكريت ماثلا أمامنا: جيش مذهبي ومليشيات متطرفة تمارس أبشع الممارسات، كما تمارس غيرها من التنظيمات، وبالتالي ليس هناك كيان رسمي حكومي عراقي نستطيع أن نقف خلفه ونقول إنه يمثل الدولة العراقية، بل هناك كيان رسمي عراقي يمثل طائفة ومذهبا ومصالح معينة لا يمكن بحال القبول بها.

إذن المقولات الثلاث لأميركا في منطقتنا تلتقي في جوهرها مع الموقف الإيراني، ولذلك قناعتي هي أن السقف الأميركي اليوم في الشرق الأوسط هو سقف إيراني.

عندما نذهب الى واشنطن، ينبغي أن يسمع الأميركيون منا كلاما واضحا، هو أن المطلوب منا ينبغي أن يكون له ثمن، والثمن ينبغي أن يكون وقوف أميركا مع تغيير جذري في سوريا، وتوازن جوهري في العلاقة بين السنة والشيعة والكرد في العراق، وعودة للشرعية في اليمن، ومن غير ذلك ينبغي لنا ألا نعطي أوباما شيئا مجانيا من قبيل الموافقة المجانية على خطته لكي يستخدمها في صراعه مع الجمهوريين ومع الكونغرس.

النقطة الثالثة حول مستقبل هذه المنطقة في ظل الصراع الداخلي في عالمنا العربي، للأسف مررنا بحالة مريرة، احتفلنا وانتشينا كثيرا بالواقع العربي عندما استطاع شبابنا أن يقفوا في ميادين العزة والكرامة والتحرير ويفجروا فينا كوامن الأمل، ثم انقضت القوى المعادية للثورة على القيادات الغضة الطرية من شبابنا ومن أحزابنا وتياراتنا السياسية ممن لم تكن لهم خبرة عميقة في السياسة.

اليوم نحن في واقع صعب، وأعتقد أن السهام التي توجهت إلى قلوبنا ينبغي ألا تصل إلى آمالنا، ينبغي أن نحتفظ بأن المشروع الذي ابتدأ بصيحة شاب في تونس من أجل الحرية والكرامة، ينبغي أن يستمر بنضج ووعي وإدراك تام لمتغيرات المنطقة، ومتغيرات الصراع واعتصام تام بالمآلات التي نريدها.

عندما نذهب الى واشنطن، ينبغي أن يسمع الأميركيون منا كلاما واضحا، هو أن المطلوب منا ينبغي أن يكون له ثمن، والثمن ينبغي أن يكون وقوف أميركا مع تغيير جذري في سوريا، وتوازن جوهري في العلاقة بين السنة والشيعة والكرد في العراق، وعودة للشرعية في اليمن

مشروع التحرر والكرامة في عالمنا العربي مشروع ثابت مستمر، ومن يعتقد أننا قد هزمنا وينبغي أن نرجع خطوة إلى الخلف وينبغي أن نصمت عشرين أو ثلاثين سنة، فهو واهم، وهذا فهذا كلام محبط غير دقيق وغير موضوعي، لأننا وإن لم ننتصر في واقع الحرية والديمقراطية في عالمنا العربي، فالقوى المعادية للثورة لم تنتصر هي الأخرى، والآن تستطيعون أن تنظروا حولكم لتروا أن كل الأنظمة التي ولدت كمحاولة لوأد الثورة هي أيضا لم تحصل على الاستقرار، بل بالعكس تعاني من إشكالات أعمق وأكثر من الإشكالات التي تعاني منها القوى التي تطالب بالحرية والديمقراطية.

من هنا، ينبغي لنا أن نقول بأن الأمل مستمر، وأن الواقع لم يبدأ بالأمس ولن ينتهي غدا، فهذه المنطقة منذ آلاف السنين كانت محطا للتغيير العالمي أجمع، والتغيير فيها له انعكاسات على العالم كله، وثمن التغيير فيها أكبر من ثمن التغيير في أي مكان على وجه الكرة الأرضية، فمن أراد أن يسعى من أجل استقرار حقيقي لمنطقة الشرق، ينبغي له أن يعلم أن الثمن سيكون باهظا، وأن الطريق سيكون طويلا، وأن الصبر سيكون ملزما، ومن لا يستطيع أن يفعل ذلك فعليه أن يتنحى اليوم، وألا يكون عامل إحباط أو يأس.

التاريخ قال لنا إن الرسالات السماوية ولدت هنا، والمذاهب الفكرية ولدت هنا، وبالتالي هنا تكمن أعلى درجات التعقيد في المشهد الذي نعيشه، فعندما نتحدث عن الشرق إنما نتحدث عن روح العالم القديم، وروح الشرق ممتدة في صميم العالم بفلسفته وسياسته وتاريخه واقتصاده، نحتاج أن نفهم ذلك، ونفهم أننا نعيش في مركز حضاري فريد، نحتاج فيه إلى فعل أعمق وأبعد وأذكى مما كان وربما ما زال موجودا حتى هذه اللحظة.

أقول هذا لأن اليأس الذي يتسرب إلى قلوب كثيرين يدفعنا إلى قدر كبير من الاستعجال، وأعتقد أن الثمن الذي دفع من أجل الكرامة والعزة في عالمنا العربي لا يزال ثمنا قليلا إذا ما قورن بأن هذا الصراع هو صراع على المستقبل بأجمعه، فهو ليس صراعا على كرسي رئاسة، ولا على موقع في برلمان، وليس صراعا على حقيبة في وزارة.. هذا صراع على روح الشرق، هذا صراع على روح الأجيال القادمة، هذا صراع على روح التغيير في العالم أجمع، وينبغي لنا أن نفهم ذلك، وأن نعيشه، وأن نتعاطى معه كما ينبغي، رجالا ونساء، أن نكون مستعدين لمراجعة أنفسنا وأفكارنا، وأن نخرج بمناهج وبرامج قادرة على أن تقف في مواجهة أي حلف عالمي وإقليمي. أما الجديد، فسيولد بنا أو بغيرنا، وينبغي أن يكون لنا شرف أن يكون مع من يقف إلى جانب هذا الجديد.

أود أن أختم بالقول بأن العالم اليوم والمنطقة ونحن في مجتمعاتنا نعيش حالة فريدة، وأستعيد مرة ثانية روح الصحفي التي عشتها، وما زلت أعيشها في ذاتي، والصحفي تطربه في كثير من الأحيان حالات الانتقال، ولا أقول الأزمات ولا التوترات، لكن الرتابة والنمطية الموجودة في القبور لا تطرب أحدا، وإنما التحول والتدافع هو الذي يطرب ويفتح الآفاق، ونحن نعيش حالة تحول، علينا أن نحتفي بها وألا يصرفنا الألم عن العيش المستمر في دوائر الأمل بالتغيير، وينبغي ألا تصرفنا الأثمان الباهظة عن أن نتمسك بالجوائز الكبرى المتحققة لأولادنا وأحفادنا والأجيال القادمة.

ثم ينبغي لنا أن ندرك أننا لسنا فقط في صراع جيوسياسي، بل نحن في صراع فكري وصراع من أجل اكتشاف ذواتنا، فكم فجر فينا الربيع العربي من ألم، وكم فجر فينا من مآس، كم فجر فينا أيضا من عفن محتقن في أفكارنا ورؤانا وتصوراتنا، هل كان أحد يعتقد أن شعوبنا التي خرّجت هؤلاء الشباب الذين اعتصموا في الميادين من أجل العزة والكرامة خرّجت أيضا من يحتفي بقتلهم وحرقهم؟

نحن أيضا نعيش حالة أزمة في فكرنا ومنهجنا وواقعنا، وهذه فرصة جديدة لكي نعيش حالة انقلاب على كل هذه المفاهيم، وإعادة بعث جديد لمفاهيم جديدة ترتقي بنا لهذا المستوى الجديد.

لن يستقر هذا الواقع في الشرق إلا إن استقر لنا جميعا، وإلا إن كانت النتيجة خلاصا لنا جميعا، وأقول مرة ثانية: عجبت لنيلسون مانديلا عندما وقفت في العام 1994 أستمع إلى خطابه في جنوب أفريقيا عندما صار رئيسا وأوقف إلى جانبه جلاديه، وقال "جئت اليوم لا لأحرر نفسي بل لأحرر جلادي، لأن الحرية لا تقبل الاحتكار"

المستوى الذي أتحدث عنه من روح الشرق لا تحمله نفوس مأزومة، ولا عقول مضطربة، ولا أرواح تائهة، إنما تحمله عزائم رجال ونساء عرفوا هويتهم وثقافتهم وحضارتهم على حقيقتها، عرفوها بروح الفتح لا بوعود الذبح، عرفوها كما عرفها محمد صلى الله عليه وسلم الذي إن قاتل فإنما قاتل ليقول في ختام المشهد: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

هذه هي روح الفتح التي جاء الإسلام لكي يغذيها في أبناء الشرق، لا روح الذبح، وينبغي ألا يدفعنا اليأس للحظة زمنية واحدة أن نختار الانتحار بدل حياة الكرامة، لأن الوجود في حد ذاته مقدس، والله خلقنا لكي نعمر الأرض لا لكي نعمر المقابر، فان عمرنا المقابر يوما، فإنما نفعل ذلك لكي يعمر الأرض غيرنا من أبنائنا، لكن ليس هدفنا أبدا أن نعمر المقابر، فنحن عمار الأرض وعمار الحياة ونحن صناع الأمل.

هذه هي ثقافة الشرق، أقول هذا لأن شبابنا اليوم موزعون مفرقون تائهون بين دعوات غريبة وبين شعارات عجيبة ترتفع باسم الدين يوما، وترفع باسم الثأر وباسم المذهب وباسم الطريقة وباسم شيء من هذا وذاك، ولكن أين تلك الروح العميقة القديمة العتيقة الموجودة فينا جميعا؟ أين روح المحبة والإخوة من أبناء الشرق؟

أنا عشت في فلسطين، وفلسطين أرض تنوع ديني واجتماعي عتيق، وعاش كل واحد منكم من أبناء هذه المنطقة في بلده وقريته ودولته، عشنا وأصدقاؤنا وجيراننا مسلمين ومسيحيين، شيعة وسنة، دروزا وعلويين، عشنا عربا وكردا وعجما، عشنا جميعا في هذا الشرق، عشناه شرقا واحدا، هذه هي روحه وحقيقته، والذي يعاند هذه الروح سينكسر، روح الشرق خالدة فينبغي ألا نعاندها، هذا الشرق هو التنوع، هذا الشرق هو التعدد، هذا الشرق هو الاستعلاء فوق كل الفروقات ومن أراد أن ينحدر إلى جحر يأوي إليه، فإنما ينحصر فيه ويموت ويذوي، أما الشرق بنوره ومستقبله، فباق بإذن الله تعالى لنا جميعا، وإن كنا سنحارب من أجل الحرية، فسوف نحارب من أجل الحرية لنا جميعا.

لن يستقر هذا الواقع في الشرق إلا إن استقر لنا جميعا، وإلا إن كانت النتيجة خلاصا لنا جميعا، وأقول مرة ثانية: عجبت لنيلسون مانديلا عندما وقفت في العام 1994 أستمع إلى خطابه في جنوب أفريقيا عندما صار رئيسا وأوقف إلى جانبه جلاديه، وقال "جئت اليوم لا لأحرر نفسي بل لأحرر جلادي، لأن الحرية لا تقبل الاحتكار"، وأردد هذا مرة أخرى في واقعنا، وأسأل الله أن تكون لنا الحرية جميعا في هذا المكان العزيز العظيم الجميل الرائع المسمى "الشرق".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك