سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني

في خطوة جديدة وتطور لافت أرسل بوتين قوات روسية إلى سوريا. إنها عملية غزو حقيقية كما فعلت إيران قبل ذلك من خلال إرسال قوات حزب الله ومليشيا شيعية عراقية وأفغانية وباكستانية ومن الحرس الثوري.

يؤشر التدخل العسكري الروسي إلى ضعف متزايد في قوة النظام السوري وإيران أيضا، حيث كان واضحا في الفترة الأخيرة أن النظام ضعف كثيرا، وأن إيران لم تعد تحتمل تعزيز قدراتها في سوريا لحمايته، بعد أن حدث اختلال في ميزان القوى العسكري لغير مصلحة النظام وحلفائه، وما كان يمنع سقوطه هو حسابات الدول الإقليمية التي تتحكم بقوى أساسية تقاتل النظام الآن.

القوات الروسية باتت إذن في مواجهة الثورة، وقد أرسل بوتين سلاحا من أحدث ما أنتجته المصانع الحربية الروسية. هذه خطوة لافتة ومستفزة، لكنها تعبر عن وهن النظام وضعف إيران وحزب الله. بالتالي استطاعت الثورة استهلاك هذه القوى، وضعضعة وضعها.

القوات الروسية باتت في مواجهة الثورة، بعد أن أرسل بوتين سلاحا من أحدث ما أنتجته المصانع الحربية الروسية، وهي خطوة لافتة ومستفزة، وتعبر عن وهن النظام وضعف إيران وحزب الله. وبالتالي فقد استطاعت الثورة استهلاك هذه القوى

ولفهم الخطوة الروسية لا بد من لفت الانتباه إلى مسألتين، الأولى تتمثل في أن روسيا التي تحولت من الشيوعية إلى الرأسمالية وباتت دولة إمبريالية تريد ككل إمبريالية أن تتوسع عالميا، بحيث تجد الأسواق لسلاحها وسلعها ونشاط الرأسمال، ولقد وجدت أن عليها التقدم نحو ذلك خصوصا بعد الأزمة المالية التي ضربت أميركا، وأبانت عن وهن أميركي يمكن استغلاله من أجل التوسع.

هنا كانت سوريا أساسية في ذلك، خصوصا بعد خسران ليبيا، التي أبعدت عنها بـ"المراوغة". لهذا استغلت الثورة من أجل فرض مصالحها على نظام يحتاج إلى "حماية دولية" في مواجهة احتمالات التدخل العسكري (الذي لم يكن قائما أصلا كما توضح في السنوات السابقة)، وتحصلت على امتيازات جرى التوقيع عليها في أغسطس/آب سنة 2012. كما أصبحت معنية بوجود قاعدة بحرية كبيرة على شواطئ البحر المتوسط، وهو ما جعل سوريا ضرورة "استراتيجية" كذلك.

بالتالي كانت سوريا ضرورة روسية، خصوصا وروسيا تفكر في العودة إلى "الشرق الأوسط" بعد التراجع الأميركي فيه. ولم تكن أميركا منافسا هنا، حيث أظهرت منذ بداية سنة 2012 ميلها لـ"بيع" سوريا لروسيا، ورتبت مبادئ جنيف1 معها، كما أوجدت معارضة تقبل بالحل الروسي. لهذا لم تكن روسيا تشعر بمنافسة أميركية في سوريا، بل بدعم متواصل لدورها السوري.

المسألة الثانية تمثلت في أن تطورات الصراع المسلح فرضت أن تمسك إيران بالقرار السوري، حيث أفضى ضعف السلطة إلى استجلاب مئات آلاف المقاتلين لمنع سقوط النظام ومحاولة انتصاره. لهذا دفعت بقوات حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري، ومن ثم باتت تقود الصراع العسكري مباشرة عبر ضباطها.

وقد استخدمت سياسات أدت إلى تدمير بنية الدولة، وتحويل الجيش إلى مليشيا، كما قتلت الكثير من الضباط، لكي تزيد في تحكمها. وهو الأمر الذي كان يشعر روسيا بأنها فقدت التأثير، وأن الأدوات التي تريد الاعتماد عليها تتلاشى، وهو ما قد يؤدي إلى خروجها دون مصالح. ورغم العلاقة الجيدة بين روسيا وإيران كانت مصالحهما في سوريا متخالفة، وظهر تذمر روسي من السياسة الإيرانية في سوريا، كما باتت روسيا تخاف من تحول إيران إلى حليف أميركي مما يفقدها كل شيء.

هنا ظهر تنافس مكتوم بين الحليفين، توضح في المفاوضات النهائية حول البرنامج النووي الإيراني، حيث اصطفت روسيا إلى جانب أميركا في الضغط من أجل إنجاز الاتفاق. وكان ذلك -فيما يبدو- في مقابل دعم أميركي لسياسة روسية في سوريا تعيد فرض روسيا قوة حاسمة في تقرير مصير البلد. وربما تكون سطحية رد الفعل الأميركي على التدخل العسكري الروسي مؤشرا واضحا في هذا المجال.

تقول روسيا بشأن خطوتها هذه إن سوريا لها، وإنها لن تساوم في هذا المجال، ولن تتنازل لأي كان، وربما تشير إلى أن سيطرتها على سوريا هي "معركة مصير"، في سياق دورها العالمي وميلها للعودة إلى "الشرق الأوسط". وهي هنا تتصرف كوريثة لأميركا (حتى في علاقتها بالدولة الصهيونية).

بالتالي هي تعيد ترتيب الهيمنة على النظام السوري محاولة إبعاد إيران أو تهميش دورها، خصوصا بعد أنْ لم تستطع منع اختلال ميزان القوى في سوريا، بعد التقدم العسكري الذي تحقق في الجنوب والشمال، وحتى في محيط دمشق، الذي هو في جزء منه جزء من الصراع الإقليمي الدولي للوصول إلى "حل سياسي". ومن هذا المنظور يبدو أن روسيا تريد تحسين مواقعها التفاوضية.

لكن ماذا تريد روسيا أكثر من ذلك من هذه الخطوة؟ هل تريد دعم النظام، وبالتالي إكمال ما بدأت به إيران، أي خوض الحرب ضد الثورة والشعب؟ أم تريد "وضع يدها" على النظام من أجل فرض الحل السياسي؟

ليس من السهل تقدير ما يمكن أن يفعله الروس، بالضبط لأن روسيا الإمبريالية تتسم بالغباء المتوارث من دوغما السنوات الأخيرة من وجود الدولة السوفياتية، فقد أهدرت فرصا سابقة، خصوصا هنا مؤتمر جنيف2، وكان تعاملها في أوكرانيا يتسم بالغباء ذاته، وهو ما أدى إلى خسارتها الكبيرة هناك.

النظام الروسي ينطلق من "نظرية المؤامرة"، لهذا يعتقد أن كل تحرك يجري في العالم هو من أجل هزيمة روسيا. ولا شك في أن "المؤامرات" على الاتحاد السوفياتي قد ولدت هذا الميل، الذي بات "سياسة عامة". وبات في أساس ممارسات وزارة الخارجية.

لكن خلف ذلك يتخفى قصور في الفهم، وشعور بالنقص، وإحساس بالضعف الذاتي، حيث يتعلق الأمر بصراع عالمي على تقاسم النفوذ، ودون وعي بحدود قدرات القوى الأخرى لا يمكن تحقيق التوسع في النفوذ، وروسيا تفتقد إلى ذلك، ولهذا لم تستطع تحقيق تقدم في "الشرق الأوسط" رغم التراجع الأميركي. أكثر من ذلك رغم المساعدة الأميركية لروسيا في تحقيق مصالحها هنا، بالضبط لأنها تريد منها التنازل في مناطق أخرى ضمن حساب أميركا التي ترى أن "حصار الصين" هو أولويتها.

إحدى نقاط ضعف روسيا هي أنها ما زالت تتمسك ببشار الأسد، ربما لأنها لم تجد آخرين من داخل السلطة يقبلون التواصل معها، أو لأن بنية السلطة لا تسمح بإمكانية ظهور "بديل" من داخل السلطة، حيث التهمت كل احتمال لهذا الظهور

بالتالي ربما كان "الوجود على الأرض" هو ضمن هذا الشك الذي يحكم علاقتها، حيث تريد أن تضمن السيطرة على الأرض في كل الأحوال، دون خشية من "غدر".

ورغم ذلك فإن الوجود العسكري الروسي يمكن أن يقود إلى منزلق عاشه الاتحاد السوفياتي سابقا في أفغانستان، ويمكن أن يحدث ذلك إذا تصرفت كمدافع عن السلطة، وكمشارك فعلي في الحرب التي تخوضها السلطة بكل وحشيتها، حيث سوف تنجر القوات الروسية إلى ما انجرت إليه قوات إيران نفسها، وستتكبد خسائر كبيرة دون أن تستطيع تحقيق تغيير جدي في ميزان القوى العسكري.

ربما يكون تدخلها، بالتالي، من أجل زيادة في القتل والتدمير والتخريب، وسيولد ذلك مزيدا من الحقد الشعبي على روسيا كما هو على إيران وعلى السلطة.

ما يبدو، إلى الآن على الأقل هو أن التدخل الروسي قادم من أجل تدعيم سلطة الأسد المتهاوية، وبسبب ذلك سوف تخسر روسيا. فلا حديثها عن الحرب ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) مقنع، لأن السلطة تتحالف مع داعش ولا تخوض الحرب ضدها، وداعش أصلا "ورقة تمرير سياسات" وليست قوة فعلية تحارب. وعليه ستخوض روسيا الحرب ضد الثورة وبعض القوى الأصولية الأخرى، وفي ذلك انجراف لحرب لن تنجو منها، كما لم ينجُ كل من إيران وحزب الله.

إحدى نقاط ضعف روسيا هي أنها ما زالت تتمسك ببشار الأسد، ربما لأنها لم تجد آخرين من داخل السلطة يقبلون التواصل معها، أو لأن بنية السلطة لا تسمح بإمكانية ظهور "بديل" من داخل السلطة، حيث التهمت كل احتمال لهذا الظهور. لكن ليس من بديل لإبعاد الرئيس ومجموعته المقربة لكي يتحقق استقرار ما يسمح لروسيا أن تحصد بعضا من مصالحها.

ويبقى السؤال هل سيسمح الوجود العسكري الروسي المباشر بتشكيل هذا "البديل"؟ أم سيتعذر إيجاد البديل ويتجدد الصراع لسنوات أخرى؟ وفي كل الأحوال فإن الوجود الروسي سوف يشكل "حالة احتلال"، وسوف يستهلك كذلك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك