مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

بين تفكيرين سياسيين
ضرورات الانفتاح
ضرورات المراجعة والتقييم

أماطت الخلافات التي طفت على سطح المواقف السياسية لحركة حماس، بخصوص إعلان الدوحة الذي قضى بإسناد حكومة التوافق الوطني إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، اللثام عن ديناميات الحراك الجديد الذي يموج داخل أطر وقوالب التفكير السياسي للحركة، وأزاح الستار عن ملامح التحول الواضح والانفتاح المطرد الذي يعتري مساحة واسعة من تفاصيل المشهد الحمساوي الداخلي.

قد يبدو اتجاه الانفتاح الغالب على حماس -الذي ظهرت مؤشراته مؤخرا- مفاجئا أو مستغربا لدى الكثيرين بالنظر إلى الطابع العام المتشدد للحركة إزاء قضايا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي والشأن الفلسطيني الداخلي، إلا أن المتابع لتطورات المشهد الحمساوي الداخلي، والقارئ لما بين سطور المواقف التي تعلنها وتتبناها القيادات الأساسية للحركة بين الحين والآخر يدرك أن ديناميات التحول والانفتاح قد فعلت فعلها داخل الأطر القيادية الرفيعة للحركة، وأن النضج الذي يتفاعل حاليا داخل الحركة وينقلها من حال إلى حال ليس طارئا أو يعبر عن قفزة غريبة بقدر ما يعبر عن تجسيدات الحراك القيادي الحمساوي الداخلي الذي تبلور تحت السطح بشكل غير معلن طيلة الأعوام القليلة الماضية. 

بين تفكيرين سياسيين
بكل ثقة ويقين يمكن التأكيد أن حماس اليوم ليست هي ذاتها حماس الأمس، فالحركة تحولت في إطار المواقف والسياسات من الألف إلى الياء.

وبكل ثقة ويقين أيضا يمكن التأكيد أن الحركة رغم التحولات التي طرأت عليها، فكرا وسياسة وسلوكا، ومستوى النضج الذي بلغته في الآونة الأخيرة، يتنازعها تفكيران سياسيان متباينان في العديد من الرؤى والتصورات حيال أولويات المرحلة وسبل إدارة الصراع مع الاحتلال وآليات التعاطي مع الوضع الفلسطيني الداخلي في ظل الانقسام الذي جثم على صدور الفلسطينيين إبان السنوات الماضية.

التفكيران السياسيان يحاكيان التشدد والانفتاح داخل الحركة وصفها القيادي، ويؤثر في كل منهما ظروف ومعطيات وعوامل خاصة، ويمتلك كلٌّ منهما عناصر قوة ومقومات دفع في مواجهة الآخر.

تحرص قيادة حماس على إنتاج قراراتها وبلورة سياساتها دوما في إطار توافقي، وتبتعد عن منطق حسم وفرض القرارات وفقا لمنطق الأغلبية والأقلية، حفاظا على وحدة صفها القيادي

يصعب الحديث عن تضاد كامل بين التفكيرين، إذ يشتركان في العديد من القواسم المشتركة إلا أنهما يحرصان قدر الإمكان على عدم إظهار تبايناتهما أمام وسائل الإعلام، ويحاولان تقنين اختلافاتهما ورؤاهما في إطار المؤسسة، ويديران ما استعصى من خلافات بمنطق الاحتكام إلى المعايير الداخلية والأصول التنظيمية التي تجد احتراما والتزاما تاما من الجميع.

التيار الأول الذي يجسد المرونة والانفتاح يمثله خالد مشعل وموسى أبو مرزوق وطائفة واسعة من قيادات الخارج والضفة الغربية، فيما يتركز التيار الآخر بشكل رئيسي في قطاع غزة الذي تسيطر عليه وتديره حماس بشكل منفرد منذ منتصف صيف عام 2007.

يواجه التيار الأول بعض الصعوبات في تسويق رؤيته للتيار الآخر، فهو بحكم احتكاكه بالبيئة الإقليمية وخبرته بتعقيدات الواقع الدولي أكثر مرونة في التعاطي مع القضايا والأحداث، ما يقابل بتحفظ واضح من التيار الآخر في بعض الأحيان.

لذا، تحرص قيادة حماس على إنتاج قراراتها وبلورة سياساتها دوما في إطار توافقي، وتبتعد عن منطق حسم وفرض القرارات وفقا لمنطق الأغلبية والأقلية، حفاظا على وحدة صفها القيادي وضمانا للسياج الأخوي الذي تحرص الحركة على أن يظلل العلاقة المباشرة بين كافة مستوياتها القيادية.

ضرورات الانفتاح
حديث الصوت العالي داخل حماس الذي برزت تجلياته مؤخرا ليس خطرا داهما أو نذير شؤم -كما يتصور البعض- على الحركة ومستقبل دورها في حياة الفلسطينيين وقضيتهم الوطنية.

لا غبار على أي تطور أو اجتهاد داخل الحركة ما دام منضبطا إلى فلك معياري سليم، وما دامت المستويات المختلفة داخل الحركة مشدودة إلى الأصول الناظمة للحال والمسار، وملتزمة بأدب الاختلاف الذي يشكل السياج الواقي من الخلل والانحراف.

منذ انخراط حماس في معمعة الحكم عام 2006 كان واضحا أن الحركة قد انتقلت من النطاق التنظيمي المحدود إلى المجال الوطني الفلسطيني الواسع، والفضاء الإقليمي والدولي اللامحدود بحكم الطبيعة الخاصة للقضية الفلسطينية وأبعاد الصراع الفلسطيني العربي الإسرائيلي وتشابكاته الإقليمية والدولية.

لم تستوعب حماس بسهولة متغيرات اللحظة التاريخية التي حملتها إلى سدة الحكم آنذاك، فقد انتقلت من حال إلى حال دون أي تهيئة أو انتظار، واستغرق منها الأمر فترة طويلة نسبيا قبل أن تدرك أن وجودها ضمن مربع الحكم يجعلها في موقع المساءلة الدائمة، وأن المعالجات الخاصة بالشأن العام قد لا تفلح معها السريرة التنظيمية، ولا تجدي معالجتها إلا في الإطار العلني الذي يستشرف موقعها العام في حياة الفلسطينيين.

حماس تخطو اليوم خطوة مهمة في الاتجاه الإيجابي الذي يثري تجربتها وينضج مسيرتها، فالحركات الكبرى الواثقة لا تخشى إبراز نقاشاتها وعرض اجتهاداتها في دائرة الضوء، بل إنها توسع آفاقها وتتطور نوعيا لتغدو صفحة مفتوحة واضحة المعالم أمام جميع الفلسطينيين، مما يكسبها مزيدا من التقدير والمصداقية في أعين الخصوم والأصدقاء على السواء.

حماس اليوم ليست حركة أو تنظيما مجردا لأبنائها، بل هي حركة قائدة للمجموع الوطني الفلسطيني، وهكذا فإن التقوقع في زوايا ومسالك العمل التنظيمي أصبح شيئا من الماضي وخارج الزمن، في وقت تموج فيه المنطقة والإقليم والعالم بتحولات تاريخية وتغيرات شاملة تجعل من الانفتاح أمرا ملحا واستحقاقا غير قابل للتأجيل.

التقوقع في زوايا ومسالك العمل التنظيمي أصبح شيئا من الماضي وخارج الزمن، في وقت تموج فيه المنطقة والإقليم والعالم بتحولات تاريخية وتغيرات شاملة تجعل من الانفتاح أمرا ملحا واستحقاقا غير قابل للتأجيل

حماس ليست بدعا من الحركات الأخرى التي مرت بذات التجربة والسياقات، فقد شهدت جماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العالم ذات الظروف وأكثر، فالمرحلة الراهنة لا تحتمل سوى الانفتاح على الرأي العام وبسط القضايا التي تهمّ المجموع الوطني الفلسطيني في مسارب المنطق السليم والموضوعية المجردة.

الدنيا تتغير، وما لم تتكيف حماس مع أجندة التغيير الإيجابي الراهن فإن الزمن سيتجاوزها لا محالة، ولن تفلح في قيادة الشعب الفلسطيني بروح العصر والفهم الدقيق لمكونات البيئة المحلية والإقليمية والدولية.

حماس عبر تفاعلها مع اتفاق المصالحة وإعلان الدوحة وانفتاحها المطرد على المجتمع تقدم اليوم نموذجا جيدا لجهة توظيف الوقائع والمتغيرات لصالح الفلسطينيين وقضيتهم العادلة، ويتبقى أن تشرع في مراجعة شاملة لتقييم مسيرتها في إطار ممارسة الحكم والمقاومة بغية استخلاص العبر ومعالجة الأخطاء وجوانب الإخفاق، وتعزيز الإيجابيات وجوانب النجاح. 

ضرورات المراجعة والتقييم
ما يزيد على 24 عاما هي عمر حركة حماس التي تواجه اليوم تحديات داخلية وخارجية مختلفة برسم المرحلة، مرت الحركة في إطار مسيرتها الحافلة بمراحل ومنعطفات عديدة، وتأقلمت مع ظروف عاصفة منذ نشأتها وحتى اليوم.

وبالرغم من أن المراحل الأولى من عمر الحركة كانت قاسية بفعل تحديات النشأة واستحقاقات التكوين ومتطلبات إثبات الجدارة والانتشار، إلا أن المرحلة الأخيرة التي عايشتها الحركة عقب فوزها في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006 وانخراطها في معمعان الحكم، وسيطرتها على غزة، وفرض الحصار عليها، شكلت المرحلة الأهم في تاريخ الحركة التي تجاوزت فيها الشرنقة المحلية إلى مواجهة تعقيدات وتشابكات السياسة الإقليمية والدولية في ظل الأوضاع المعروفة التي تعيشها القضية الفلسطينية.

بين سطور وتعرجات المرحلة الأخيرة جرت معطيات كثيرة تركت آثارها البالغة على مسيرة الحركة التي وجدت نفسها بين عشية وضحاها في مواجهة انتقال قسري من حال المقاومة إلى حال الحكم والسياسة، وما ارتبط بذلك من رؤى وحسابات.

تحتاج حماس اليوم إلى وقفة جادة لمراجعة وتقييم مسيرتها، وإعادة صياغة رؤيتها لتفاصيل ومكونات المشهد الفلسطيني والإقليمي والدولي، كي تتمكن من تحصين ذاتها التنظيمية وترشيد مسارها الوطني وتستقيم على طريقة قويمة تؤهلها لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة، مما يعني أن الحاجة تبدو أشد ما تكون مساسا لإعادة تأصيل وتقنين موقف الحركة وسياستها تجاه العديد من القضايا والملفات الرئيسة داخليا وخارجيا.

ومن هنا تقف حماس اليوم أمام اختبار الإجابة عن العديد من التساؤلات المصيرية في إطار جهد المراجعة والتقييم، ولا مناص من تقديم إجابات دقيقة تسهم في تقويم الحال والمسار، وتذليل العوائق التي تعترض مشروع الحركة التي باتت العنصر الأهم في تركيبة المعادلة الفلسطينية الداخلية.

أولا، ينبغي على الحركة أن تجيب عن سؤال الموقف من موقعها الأساس كحركة تحرر وطني، بما يؤدي إلى إعادة تعريف وتحديد مواقفها وسياساتها تبعا لمنطلقاتها الأساسية في هذا الاتجاه، وأن تعمد إلى تكييف ذاتها، نظريا وعمليا، مع متطلبات مسيرة التحرر الوطني واستحقاقاتها المطلوبة.

وها هنا فإن سؤال الموقف من مسألة الانخراط في السلطة الخاضعة تحت رحمة الاحتلال، وما يتعلق بذلك من سؤال الموقف تجاه مسيرة المصالحة والانتخابات، فضلا عن آليات المقاومة وإدارة الصراع مع الاحتلال، ينبغي أن يشكل عنوان البحث والتقييم داخل الحركة خلال المرحلة الراهنة، كون الإجابة عن هذه التساؤلات يحدد بوصلة الحركة خلال المرحلة المقبلة. 

بقدر ما تسرع حماس في مراجعاتها وإعادة تقييمها لذاتها ومواقفها وسياساتها، تعيد تأهيل ذاتها وأبنائها ومشروعها لقيادة المرحلة المقبلة وتجاوز التحديات التي تتربص بها

ثانيا، يفترض أن تبادر الحركة للإجابة عن سؤال العلاقة والتواصل مع الناس والجماهير الفلسطينية، وخصوصا في قطاع غزة، بما يؤدي إلى إعادة بناء العلاقات الاجتماعية مع الناس على أسس سليمة، فلا يكفي اجتراح الحملات الموسمية الرامية إلى التواصل مع الناس، بل إن الحركة مدعوّة اليوم إلى تصويب العلاقة مع الجماهير التي تشكل رأسمال الفصائل الفلسطينية وذخرها الإستراتيجي.

ثالثا، لا مناص من الاعتراف بضرورة مواجهة سؤال الموقف التربوي الراهن، مع ما يعنيه ذلك من مراجعة شاملة للمسار والمنظومة التربوية الداخلية التي تضررت كثيرا في السنوات الأخيرة من الألف إلى الياء، والعمل على إعادة صياغة النظرية التربوية للحركة كأولوية هامة غير قابلة للتمييع أو التأجيل.

وأخيرا، ينتصب سؤال الموقف من مكونات البيئة الإقليمية والدولية كمحدد أساس لتحديد طبيعة تعاطي الحركة وانفتاحها على العالم الخارجي، فالحركة بحاجة إلى بلورة خطاب سياسي وإعلامي جديد يراعي خصوصية المشهد الإقليمي والدولي وطبيعة العلاقات والمصالح الدولية المعروفة وانعكاساتها التقليدية على القضية الفلسطينية.

وبقدر ما تسرع حماس في مراجعاتها وإعادة تقييمها لذاتها ومواقفها وسياساتها، بقدر ما تعيد تأهيل ذاتها وأبنائها ومشروعها لقيادة المرحلة المقبلة وتجاوز التحديات التي تتربص بها دوائر الحصار والاستهداف.

خلاصة القول إن حماس تتحرك باطراد على طريق الانفتاح على مكونات البيئة المحلية والإقليمية والدولية، وإن ديناميات التحول في مضمار التفكير السياسي للحركة قد قطعت شوطا هاما في الآونة الأخيرة، مما يعزز مسار الحركة باتجاه مزيد من الرشد والنضج الوطني، ويؤهلها للاضطلاع بدور أكثر قوة وبروزا على المستويين: الداخلي والخارجي إبان المرحلة المقبلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك