الطيب بوعزة

كاتب مغربي


ثمة انقلاب جذري بدأ يرتسم بوضوح في الثقافة الغربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، انقلاب في تحديد ماهية الكائن الإنساني مع تحول كبير في تقييم أبعاده وقدراته المعرفية والقيمية.

إنه تحول جذري استوى الآن مفرزا نمطا ثقافيا أخذ في التمدد، والهيمنة على مختلف الشعوب بفعل ثورة تقنية وسائط الاتصال.

وبسبب ذلك يغدو تناول نمط الثقافة الغربية بالتحليل والنقد ليس مندوبا فحسب ولا من باب الترف الذهني، بل هو أمر يرتقي إلى مرتبة الوجوب.

فما هي محددات رؤية الكائن الإنساني التي بلورتها الثقافة الغربية؟ وما هي معالم الانقلاب الذي أنجزته في لحظتها المعاصرة؟

إذا كانت الفلسفة الغربية منذ لحظتها الأفلاطونية والأرسطية قد حددت الكائن الإنساني بوصفه كائنا عاقلا، وإذا كانت الأديان في اتجاهها العام قد أعلت من شأن الوعي أو العقل واعتبرته مناط التكليف، وإذا كانت الأنساق القانونية والأعراف المجتمعية قد حددت العقل كأساس المسؤولية والجزاء، وإذا كانت فلسفة الحداثة في لحظة تأسيسها الديكارتية، وفيما تلا تلك اللحظة من توجهات عقلانية، قد أكدت على أن الوعي/العقل أهم محدد للكائن الإنساني، فإن الفكر الفلسفي المعاصر سينقلب على هذا التصور لا في اتجاه إعادة الاعتبار للأبعاد اللاعقلية فقط، بل في اتجاه استنزال العقل من مقامه السابق وتحويله إلى مجرد كينونة هامشية تهيمن عليها قوى لاشعورية أو غريزية.

صحيح أن الحداثة الغربية بتسييدها للعقل كانت مدخولة بأوهام العقلنة الأداتية حتى أنها انتهت إلى تأليه العقل لا استعماله فقط، إذ جعلت منه صنما ولم تجعل منه مجرد مرجعية معرفية يصدر عنها التفكير.

"
النقد ما بعد الحداثي أنجز قلبا في القيم والمعايير دون استنقاذ الوعي الفلسفي الغربي من مزلق التوثين، فهو لم يفعل سوى استبدال وثن بآخر، حيث إن التأليه الذي خلع على العقل في فلسفة الحداثة نجده حاضرا في فلسفة ما بعد الحداثة لكنه يلف أبعادا وجودية أخرى غير العقل
"
لكن النقد ما بعد الحداثي في المقابل أنجز قلبا في القيم والمعايير دون استنقاذ الوعي الفلسفي الغربي من مزلق التوثين، فهو لم يفعل سوى استبدال وثن بآخر، حيث أن التأليه الذي خلع على العقل في فلسفة الحداثة نجده حاضرا في فلسفة ما بعد الحداثة، لكنه يلف أبعادا وجودية أخرى غير العقل.

وقد أصبح الوثن الجديد هو شروط الإنتاج مع ماركس وألتوسير، أو اللاشعور مع فرويد، أو الغريزة مع نيتشه، أو النسق اللساني مع رولان بارت..

أما فيما يتعلق بالرؤية الأنثروبولوجية (أي النظرة إلى الإنسان) فنجد فكر ما بعد الحداثة قد أنجز قلبا دلاليا جذريا في معنى الكائن الإنساني.

إذا كان أرسطو يحدد الإنسان بوصفه حيوانا عاقلا، فإن الفكر الفلسفي المعاصر يكاد يقف في تحديده عند وسم الحيوانية، حيث يعرف الإنسان بكونه "حيوانا" هكذا فقط دونما إضافة نوعية.

إنها أنثروبولوجيا ما بعد الحداثة، أنثروبولوجيا مختزلة في فسيولوجيا كسيحة تختصر كينونة الإنسان في جسده!

فما سبب هذا الانقلاب الجذري الذي ارتسم في تاريخ الفكر الفلسفي الأوربي؟ وما دلالة وخطورة هذا التغيير في تحديد ماهية الكائن الإنساني؟

قبل استخلاص دلالة هذا التحول في مفهوم الإنسان، وتحديد سببه/أسبابه لابد من إيضاح ملامح هذا التحول ابتداء.

بيد أن مقاربة مفهوم الإنسان في الفلسفة المعاصرة موضوع أوسع من أن يختصر في مقال، لذا فانتقاء النماذج والرموز التي تعبر عن التوجه الفلسفي المعاصر مسلك منهجي مشروع بل لا مناص من سلوكه.

وفي سياق انتقاء النماذج المعبرة عن "هوية" الفكر الفلسفي المعاصر أرى أولوية استحضار اسم نيتشه لأنه من داخل عباءته خرجت مختلف التلوينات الفلسفية لما بعد الحداثة بدءا بالهيدغرية وانتهاء ببنيوية فوكو وتفكيكية دريدا..

يُعد نيتشه من أشهر الرموز الفلسفية التي اهتمت بخلخلة موقع العقل وإزالته عن عرشه الفلسفي الذي استقر فيه لمدة طويلة.

ولم تكن هذه الخلخلة مجرد مؤاخذات أو تعبيرات مجتزأة منثورة بين فقرات كتاباته، كما كان الحال في النقد الفلسفي الرومانسي للعقل الذي ظهر في القرن الثامن عشر، بل إن النقد النيتشوي للوعي يشكل محور فلسفته، ويشكل مدخلا لتحديد ماهية الكائن الإنساني عنده.

يرى نيتشه أن العقل ما هو إلا غريزة يجب أن تنحصر وظيفتها في حفظ البقاء (الحياة).

ففي كتابه "العلم المرح" يقول إن الانحراف الذي حصل في الثقافة الإنسانية راجع إلى تبديل وظيفة العقل هذه، وذلك عندما تم تحميله مسؤولية إنتاج الحقيقة ووضع المعايير الأخلاقية، الأمر الذي جعله متعارضا مع الغريزة والهوى.

فتم احتقار الأبعاد الغريزية واستهجانها مع أنها هي المكون المركزي في الذات والحياة الإنسانية!

وإعاقة دفق القوة والحياة هو ما زادته أخلاقيات الأديان توكيدا وتجذيرا، حيث يذهب نيتشه في بحثه المعنون "جنيالوجيا الأخلاق" إلى رؤية موغلة في تسفيه قيم الرحمة والتسامح، إذ يراها مجرد أخلاق الضعف والعبودية لا أخلاق القوة والسيادة.

وأرى أن نص نيتشه هذا من أكثر نصوص الفلسفة المعاصرة إرهابية ولا إنسانية، فهو مثقل بالعبارات المنادية بالعنف والقتل والاستعلاء العرقي المقيت، وهو تعبير عن استعلاء الأنا الغربي وعجز منظوره الفلسفي عن استيعاب الاختلاف العرقي والتعدد الثقافي واحترام وجوده واستمراره.

"
إذا كانت فلسفة الحداثة –رغم نظرتها للعقل بوصفه أداة- قد سقطت في تأليهه، فإن فلسفة ما بعد الحداثة بنفيها للبعد العقلي انزلقت إلى رؤية جد فقيرة للكائن الإنساني تختزله في كينونته البيولوجية
"
إن النقد الجينيالوجي الذي أنجزه نيتشه للأخلاقية المسيحية الذي هو في عمقه نقد للمثل الأخلاقية عامة، هو نتاج رؤية مريضة مثقلة بشذوذ الفكر والوجدان، إذ يصدر من عنصرية آرية ساذجة، لم تبصر دلالة المثل الأخلاقية ولا أدركت قيمتها لتحقيق كينونة الإنسان، فنادت بتعويضها بإرادة القوة المفرغة من كل قيمة.

هكذا ينتهي نيتشه إلى المناداة بتحويل العقل من وظيفته المعرفية والقيمية إلى مجرد خادم للغريزة وقوة الحياة العمياء المفرغة من أي توجيه قيمي، فبدل وظيفة التأسيس العقلي الحداثي للمعايير الأخلاقية.

بل إن هذا القلب الوظيفي لمهمة العقل تتجاوز ما سبق إلى انتزاع وظيفة التفكير منه وإرجاعها إلى الجسد!! أجل إنه بالنسبة لنيتشه لا تأتينا الأفكار ولا تنبثق فينا عندما نريد نحن، بل تأتي عندما تريد هي ذلك، بمعنى أنه ليس الأنا هو الذي يفكر، بل إن ثمة لاوعيا كامنا هو الذي يفرز الفكر.

وهكذا يتم مع النيتشوية قلب كامل للكوجيتو الديكارتي الذي تم فيه إعلاء الوعي أو "أنا أفكر" فبدل جعله مصدر الفكر يصبح عند نيتشه مجرد كينونة هامشية زائفة.

يشير في كتابيه "العلم المرح" و "فيما وراء الخير والشر" إلى أن الأنا مجرد ضمير نحوي لغوي تم تحويله خطأ إلى "أنا مفكر" أي "وعي" و "عقل".

وهذا التحويل بدأ منذ القديم، وخاصة مع التوليد السقراطي والمنطق الأرسطي، ثم تم إرساؤه بوضوح في الفلسفة الحداثية الديكارتية، مع مقولة الكوجيتو (أنا أفكر أنا موجود).

وضد هذه الأطروحة يرى نيتشه أن الوعي والفكر نتاج الجسم، أي نتاج العضوية البيولوجية، إذ الإنسان يفكر على نحو دائم بكيانه البيولوجي دون أن ينتبه هو إلى ذلك.

ومن ثم فقد أخطأت الفلسفة العقلانية عندما أرجعت وظيفة التفكير إلى العقل، لأن التفكير آلية غريزية تنبع من كياننا الجسمي كله، ولكن عندما زُيفت حقيقته وأصبح الوعي هو مصدر الفكر، وتم تقعيد نظم التفكير بقواعد منطقية، تم تحريف وظيفة العقل فأصبح مضادا للحاجة الحيوية الغريزية.

إن هذا النقد النيتشوي للوظيفة المعرفية للعقل يمتد إلى نفي الثنائية الديكارتية، حيث لم يعد الإنسان فكرا وجسما، إنما بإرجاع وظيفة التفكير إلى الامتداد الجسمي، أصبح الإنسان جسما فقط!

وبذلك يسقط التمييز الديكارتي بين الكائن الإنساني والكائن الحيواني؛ لأن كليهما مجرد امتداد بيولوجي حيوي!

ونحن هنا في معرض تحليل ونقد ما بعد الحداثة في نموذجها الفلسفي النيتشوي لا نقصد أننا ندافع عن الأطروحة البديلة القائلة بالعقل كجوهر، والإعلاء منه إلى مستوى التوثين والتأليه، بل لابد من التأكيد على أمر آخر وهو أن كلا الموقفين فيهما اختلال في تقويم الوظيفة الفكرية للإنسان.

فإذا كانت فلسفة الحداثة -رغم نظرتها للعقل بوصفه أداة- قد سقطت في تأليهه، فإن فلسفة ما بعد الحداثة بنفيها للبعد العقلي انزلقت إلى رؤية جد فقيرة للكائن الإنساني تختزله في كينونته البيولوجية.

والفكر النيتشوي لم يكن ليحظى بكل هذا الاحتفاء والتقدير في الفلسفة المعاصرة لولا نزوعه هذا، وتشديده في نقد فلسفات الكوجيتو(أي فلسفات العقل) لأن ذلك هو ما جعله متناغما مع التيار الثقافي العام الذي هيمن على فكر ما بعد الحداثة، حين أصبحت زحزحة الوعي من مقامه الديكارتي المهمة الأساسية للفلسفة في القرن العشرين.

وقد اشتركت في إنجاز تلك المهمة مختلف التوجهات الفكرية؛ حتى الأبحاث الأنثروبولوجية التي ركزت على امتياز الإنسان عن الحيوان بالقدرة على إنجاز الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة، نحا أغلبها نحو اعتبار الفارق بين الكائن الحيواني والكائن الإنساني فارقا درجيا فقط لا فارقا نوعيا.

ومن هنا نفهم سبب ذلك التوظيف الأيديولوجي للنظرية الداروينية، وذلك الاحتفاء الكبير الذي حظيت به فرضيتها القائلة بالأصل الحيواني للإنسان.

ولو رجعنا إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين للاحظنا شيوع الداروينية في حقل العلوم الإنسانية، حيث حضرت بقوة في السوسيولوجيا مع هربرت سبنسر؛ كما كان لها في المجال الثقافي العام حضور لافت للنظر في الأدب والرواية والمقال الصحفي.

والواقع أن هذا الحضور لم يكن يفصح عن وعي بدلالتها العلمية، بل كان يفصح عن توظيف أيديولوجي لها.

"
البشرية اليوم في أمس الحاجة إلى استشعار الحس النقدي وإلا ستخسر الشيء الكثير عندما تتقبل بنمط الثقافة الغربية المادية التي أتقنت بناء الأشياء وأفلست إفلاسا ذريعا في بناء الإنسان
"
فعلى الرغم من كونها طرحت بوصفها فرضية، فقد استحالت في الإشهار الثقافي (البروبغاندا) إلى حقيقة يقينية، مما يؤكد أنها سلعة فكرية كانت مطلوبة مرغوبة، إذ كان الوعي الأوروبي في أمس الحاجة إليها ليقيم قطيعة مع فكره الديني.

وهذا هو السبب الذي كان ثاويا خلف تلك المقاربات الفلسفية الحريصة على تحديد الإنسان بوصفه عضوية بيولوجية فقط، لأن في هذا الاختزال للإنساني إلى الحيواني تجريدا للإنسان من إنسانيته، ومن قيمة المسؤولية الأخلاقية، واختزال سقف مطالبه في الحاجات المادية، ومسخ أشواقه وأحلامه واغتيال مثله.

والواقع أن صيرورة الفكر الأوروبي تكشف أن مفهوم الإنسان كان دائما يطرح على نحو مشروخ بفواصل واجتزاءات متضادة تنفي إمكانيات التداخل والتمفصل الواجب استحضارها في كل رؤية للإنسان تبتغي الشمول والإحاطة.

فمفهوم الإنسان في المرجعية الدينية الغربية كان يطرح على نحو مجتزأ يفصل بين الروح والجسد، مع استهجان المكون الحسي واحتقار مطالبه ((ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم)).

وانتهت صيرورة تطور الثقافة الأوربية في لحظتها الراهنة إلى توكيد الغريزة والجسد، فسقطت هي الأخرى في الرؤية التجزيئية القاصرة عن استيعاب الكائن الإنساني في كليته وتعدد أبعاده.

إن اختزال الكائن البشري في الكائن الجسد مجرد مظهر خارجي لأزمة الثقافة الغربية، وهي أزمة كامنة في مرجعيتها الدينية والفلسفية على حد سواء.

وإذا أردنا موضعة موقف نيتشه ضمن سياق الإرث الفلسفي الألماني يمكن القول إن هذه الفكرة التي يفصح عنها في كتابه هذا، وفي سياقات عديدة من كتبه وشذراته، هي قلب جذري للأنثروبولوجيا الكانتية القائمة على النظر إلى الكائن الإنساني ككائن أخلاقي، تلك الأخلاقية التي يجعلها كانت مبرر استحقاق الإنسان للكرامة.

هذا القلب هو ذات الموقف الذي يمكن أن يوسم به المشروع ما بعد الحداثي في مختلف تجلياته.

ومن ثم نقول إن ما نلاحظه عند بعض المتفلسفة العرب من انتهاج مسلك التقليد والتكرار لمنطوقات الفلسفة الغربية –حداثية كانت أو ما بعد حداثية- هو سلوك ينافي الحس الفلسفي ذاته، ذلك الحس الذي يزعمون أنهم يمتلكونه ويستشعرونه!

فالحس الفلسفي منذ منهج التوليد السقراطي هو حس تساؤل وأشكلة ونقد، بينما نهجهم في تلقي الفكر الفلسفي الغربي هو نهج تقليد ومحاكاة.

والبشرية اليوم في أمس الحاجة إلى استشعار الحس النقدي وإلا ستخسر الشيء الكثير عندما تتقبل التنميط بنمط هذه الثقافة الغربية المادية التي أتقنت -إلى حد ما– بناء الأشياء، وأفلست إفلاسا ذريعا في بناء الإنسان.

المصدر : الجزيرة

التعليقات