خبراء من واشنطن يجيبون.. هل تشن أميركا حربا باردة على الصين؟

العلاقة الأميركية الصينية لا تعرف حروبا مسلحة بالوكالة كما كان الحال بين موسكو وواشنطن، بل تجمعهما علاقات تجارية واقتصادية واسعة تتخطى قيمتها 650 مليار دولار سنويا.

سيناريوهات- كيف ستكون مآلات الحرب التجارية بين أميركا والصين؟
هناك تساؤل إذا ما كانت العلاقات التجارية والاقتصادية الواسعة بين أميركا والصين تستطيع منع حرب باردة بينهما (الجزيرة)

واشنطن- في ختام مؤتمر قمة الدول الأعضاء بحلف شمال الأطلسي (الناتو) في يونيو/حزيران الماضي، أكد أمينه العام ينس ستولتنبرغ أن "طموحات الصين المعلنة وسلوكها المتواصل يشكلان تحديا لأسس النظام الدولي… وأن هذا يمثل بُعدا وتحديا جديا للحلف الأطلسي". ولم يتأخر رد الصين، إذ سارعت باتهام "حلف شمال الأطلسي بانتهاج عقلية الحرب الباردة وسياسة التكتل".

من جانبه، وضع الرئيس الأميركي جو بايدن مواجهة الصين في قلب أجندته الاقتصادية والإستراتيجية، بوصفها التحدي الأكبر في هذه الحقبة. وجاء الإعلان عن الاتفاق الأمني الثلاثي الذي يجمع بين واشنطن ولندن وكانبيرا، وما سبقه من تكتل رباعي تقوده الولايات المتحدة مع اليابان والهند وأستراليا، ليدفع الصين إلى اتهام الولايات المتحدة مجددا بشن حرب باردة جديدة عليها.

حرب باردة مختلفة

تُعرف الحرب الباردة بأنها المواجهة السياسية والأيديولوجية والعسكرية غير المباشرة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. واستُخدم مصطلح الحرب الباردة لأول مرة في الولايات المتحدة من قبل المستشار الرئاسي برنارد باروخ في خطابه عام 1957 بمدينة كولومبيا بولاية ميريلاند.

وشهدت تلك الفترة توترا في علاقات الدولتين، واندلعت إثرها حروب ومواجهات عسكرية بالوكالة، مثل حرب الكونغو، والحرب الكورية، وحرب فيتنام، إضافة إلى أزمة صواريخ كوبا 1961، والحرب الأفغانية.

وترغب الولايات المتحدة في الحفاظ على مكانتها بوصفها أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، وهو ما يدفع البعض للضغط لتبنّي معادلات صفرية في علاقتها مع الصين التي تنازع الولايات المتحدة مكانتها اقتصاديا وعسكريا.

من هنا، رأى معلقون أننا بصدد حرب باردة جديدة لا يمكن تجنب المواجهة فيها، خاصة على الموارد الطبيعية، وصولا إلى الصراع على مستقبل التكنولوجيا. في حين اعتبر آخرون أنه لا يمكن الانخراط في حرب من هذا النوع بين أكبر اقتصادين مترابطين في العالم.

الجزيرة نت استطلعت آراء عدد من الخبراء العسكريين وخبراء الشأن الآسيوي حول هذه الاتهامات ومعادلات العلاقات الصينية الأميركية الجديدة.

تصميم يظهر التنافس الاقتصادي الصيني الأميركي (غيتي)

لسنا بصدد حرب باردة

يقول جوش كورلانتزيك خبير الشؤون الآسيوية بمجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف عدة كتب عن صعود الصين، إن وجود "حكومة محافظة في أستراليا أسهم في التوصل للاتفاق الأمني الثلاثي، الذي روّج له على أنه ردع للصين على ما تقوم به من أعمال عدائية تجاه جيرانها في بحر جنوب الصين".

وأشار كورلانتزيك إلى أن "الصين لا تملك إلا الغضب من التحالفات التي تقودها واشنطن، في وقت لا تستطيع التصعيد مع أستراليا أو مقاطعتها اقتصاديا، وتحتاج إلى كثير من المعادن القيمة التي تستوردها من هذا البلد".

ولا يعتقد كورلانتزيك أننا بصدد حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين، وقال "لا تعرف علاقات الدولتين حروبا مسلحة بالوكالة، كما كان الحال بين موسكو وواشنطن. بل تجمعهما علاقات تجارية واقتصادية واسعة تتخطى قيمتها 650 مليار دولار سنويا. في حين لم تكن هناك علاقات تجارية واسعة بين طرفي الحرب الباردة الأميركية السوفياتية".

Australia's Collins Class Submarines To Be Replaced With Nuclear Submarine Fleet Following AUKUS Agreementاستبدال الغواصات الأسترالية من طراز "كولينز" بأسطول من الغواصات النووية بعد اتفاق "أوكوس" (Aukus) (غيتي)

المخاوف من فقدان السيادة

أما خبير الشؤون الآسيوية بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، ريتشارد روسو، فيعتبر أن هناك ما يربط توقيت إنشاء المبادرة الأمنية الثلاثة وعقد القمة الرباعية، إذ إن واشنطن وحلفاءها يدركون خطورة تحركات الصين المستمرة لزعزعة الأمن في أنحاء آسيا. وأشار روسو إلى أن "المخاوف المشتركة بشأن فقدان الحرية والسيادة في منطقة بحر جنوب الصين، تجبر الدول ذات التفكير المماثل على التكاتف".

وبالنسبة للعديد من الدول، يقول روسو: "أثارت أزمة كوفيد-19 فرصة للمراجعة وإعادة الحسابات تجاه الصين. بالمقابل، تنشط الصين في سياساتها العدائية، وتضغط بمطالب غير قانونية، وغالبا بتهديد مبطن باستخدام القوة العسكرية".

وبحسب روسو، ترغب واشنطن في ردع السياسات العدوانية الصينية، حيث تنشط الصين في إنشاء جزر اصطناعية باعتبارها قواعد عسكرية قريبة -بشكل خطير- من الدول الآسيوية الأخرى مثل فيتنام والفلبين، وتسخر من حكم المحكمة الدولية والأمم المتحدة في نزاعها البحري مع الفلبين، وتشن هجمات إلكترونية خطيرة ضد دول متعددة، وتحاول الإضرار باستقلال تايوان ومكانتها الدولية، كما تثير التوتر على طول حدودها مع الهند.

وإضافة إلى كل ما سبق، يقول روسو إن "الصين تستخدم أساطيل الصيد بصورة لا تحترم القواعد الدولية، ولقد استبقت التحالفات بكل تلك السياسات والمواقف العدائية".

واستبعد روسو رد فعل قوي من الجانب الصيني على هذه التطورات. وقال: "آمل أن يؤدي إظهار التضامن والقوة من جانب الشركاء الغربيين -الذين يرغبون في السلام والاستقرار الإقليميين- إلى إقناع الحزب الشيوعي الصيني بإعادة الانخراط بصورة أكثر إيجابية"، مضيفا أنه من الصعب تصور أن هذه الخطوات ستدفع الصين إلى المزيد من العدوانية.

هل تقبل الصين بسهولة؟

من جهتها، اعتبرت يوكي تاتسومي، خبيرة شؤون شرق آسيا والمحيط الهادي بمعهد ستيمبسون، أن اتفاق "أوكوس" (Aukus)، جاء في توقيت "جيد جدا" لطمأنة الحلفاء والشركاء بشأن التزام إدارة بايدن بإعادة تأكيد نفسها قائدة في منطقة المحيطين الهندي والهادي.

وبطبيعة الحال، تقول تاتسومي إن "اتفاقا كبيرا من هذا القبيل ممكن فقط بين دول تجمع بينها في الأصل علاقات راسخة"، حيث يجمع بريطانيا وأستراليا والولايات المتحدة تعاون استخباراتي، إضافة إلى كل من كندا ونيوزيلاندا.

ولا ترى تاتسومي أي تصرف عدواني في هذه التطورات الأخيرة، فهذه التحركات -باعتقادها- تتفق تماما مع موقف الولايات المتحدة الجاد في مواجهة الصين عند الحاجة، التي تعد الساحة السياسية والعسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادي المسرح المناسب لإظهار دعم وتصميم واشنطن لمجابهة تطلعات بكين.

لكن تاتسومي تعتقد أن الصين لن تقبل ما يحدث بسهولة، "وقد أشارت إدارة بايدن بالفعل إلى أن الرئيس مستعد للاجتماع مع نظيره الصيني لإعادة ضبط العلاقة، ولكن سيكون من المثير للاهتمام إذا رفضت بكين هذا التواصل من الولايات المتحدة على ضوء التطورات الأخيرة".

ديفيد دي روش أستاذ الدراسات الأمنية بجامعة الدفاع الوطني والمسؤول العسكري الأميركي السابق (مواقع التواصل)

تعاون استخباراتي قديم

بدوره، يعتقد الأستاذ بجامعة الدفاع الوطني التابعة للبنتاغون، ديفيد دي روش، أنه لا توجد بالضرورة علاقة بين توقيت الإعلان عن مبادرة أوكوس واجتماعات الدول الرباعية بعد أيام.

بل يعتبر "مبادرة أوكوس مدفوعة أكثر بالتكنولوجيا"، فبرنامج الغواصات الأسترالية كان مضطربا لفترة طويلة، وأدركت أستراليا أن الفرنسيين لا يستطيعون إنجازه كما تريد. "ولا يجب النظر لهذه التحالفات الجديدة بعيدا عن التعاون الاستخباراتي القديم بين الدول المتحدثة بالإنجليزية".

يقول دي روش إن "الولايات المتحدة ليست عدوانية في سياستها تجاه منطقة المحيطين الهندي والهادي، فلم يكن هناك في الواقع كثير من الاستثمار في القدرة العسكرية الأميركية لاحتواء الصين منذ الإعلان عن سياسة التركيز على آسيا عام 2010، في عهد الرئيس السابق أوباما".

بل إن واشنطن "تجاهلت لفترات طويلة قيام الصينيين بإنشاء وتسليح الكثير من الجزر الاصطناعية في بحر جنوب الصين بغرض استخدامها قواعد عسكرية. ثم طالبوا بامتيازات غير قانونية في المياه الدولية باعتبارها مياههم الخاصة، مما حرم الدول الأخرى من حق المرور في بعض المناطق".

وعما حدث مؤخرا، يقول دي روش إنه "تحرك متأخر من دول المنطقة والولايات المتحدة لمواجهة الإجراءات الصينية العدوانية، ولتطوير القدرات العسكرية لمواجهتها، فالصين هي التي بدأت التصعيد العسكري".

إلا أن الخبير الأميركي استبعد حربا باردة جديدة بين واشنطن وبكين، وقال: "أعتقد أنها منافسة محتدمة مع غريم عسكري واقتصادي كبير؛ فخلال الحرب الباردة لم تكن لدينا تقريبا علاقات تجارية مع الاتحاد السوفياتي، لكن الصين واحدة من أكبر شركائنا التجاريين".

وأضاف: "نريد أن نحافظ على العلاقات التجارية مع الاحتراز، لأن الصين لديها أجندة توسعية، وعلينا مواجهة ذلك. لذا، فالأمر مختلف عن مفهوم الحرب الباردة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قالت ناشونال إنترست إن خطة الرئيس الأميركي جو بايدن للتصدي للنفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادي عبر حلفاء لديهم التفكير ذاته بعد توقيع اتفاقية “أوكوس” لن تكون سوى وسيلة مكلفة أخرى لتصعيد التوترات.

Published On 19/9/2021
وزير الخارجية يؤكد أن العلاقات العربية - الصينية تعززت لتصل إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية

بينما تتجه بوصلة الاستراتيجية الخارجية الأمريكية شرقا، اختارت الصين المضي قدُما غربا إلى الخليج العربي، حيث معظم الدول حلفاء تقليديون للولايات المتحدة الأمريكية

Published On 15/9/2021
علمي امريكا والصين معا

يرى الكاتب الصحفي توماس فريدمان أن القرن 21 شهد تراجع ما أطلق عليه حقبة “العولمة الأميركية الصينية”، ويحاول استشراف مآلات الأوضاع في حقبة ما بعد الحرب على الإرهاب وإستراتيجية أميركا المقبلة تجاه الصين

Published On 8/9/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة