أحكام رادعة بانتظار تحرك مجتمعي.. هل توقف العنف ضد المرأة في مصر؟

القضاء المصري أصدر في الفترة الأخيرة أحكاما رادعة بحق العديد من المتورطين في جرائم عنف (شترستوك)

القاهرة – في الوقت الذي لا يزال فيه الحديث في مواقع التواصل الاجتماعي بمصر ساخنا عن تنفيذ حكم القضاء بإعدام محمد عادل قاتل الطالبة المصرية نيرة أشرف، دشن المجلس القومي للمرأة (جهة حكومية) في الأيام الأخيرة حملة جديدة لمواجهة كافة أشكال العنف ضد المرأة، في مسعى لاستعادة ثقافة احترام "حواء" في المجتمع المصري، الذي كان يعتبر المساس بالنساء "خطا أحمر".

وبحسب متخصصين، فإن الاكتفاء بإصدار أحكام رادعة كالإعدام لا يحل جذور المشكلة المرتكزة على بدء وجود حاضنة شعبية تغذي العنف ضد المصريات، مما يتطلب تكثيف حملات التوعية الوطنية في مسارات عدة.

وتنص المادة 11 من الدستور المصري على أن الدولة ملزمة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وأنشأت الحكومة في هذا الإطار، بجانب العديد من مساعيها، "الوحدة المجمعة لحماية المرأة من العنف" لتنظيم جهود المواجهة.

كما وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في وقت سابق، بأهمية تكثيف الجهود لاستعادة احترام وتقدير المرأة، مؤكدا أن المصريات يستحققن الأفضل من المجتمع والدولة.

القضاء في المقدمة

وكان القضاء أصدر في الفترة الأخيرة أحكاما رادعة بحق العديد من المتورطين في جرائم عنف، من أبرزها حكمان بالإعدام بحق الشاب محمد عادل قاتل الطالبة نيرة أشرف والذي نفذته السلطات المحلية يوم 14 يونيو/حزيران الجاري، وكذلك بحق الشاب إسلام طرطور بعد إدانته بقتل الطالبة سلمى بهجت في العام الماضي.

كما شهد العامان الماضيان صدور أحكام مشددة على مشاهير وصلت إلى السجن المؤبد، منهم رجل الأعمال الراحل محمد الأمين والممثل شادي خلف، والمواطن عبد الله أحمد في القضية الشهيرة إعلاميا بـ"ضرب عروس الإسماعيلية"، إلى جانب الطبيب مايكل فهمي.

ويرى رئيس محكمة الاستئناف السابق المستشار محمد سليمان، في حديث للجزيرة نت، أن تلك الأحكام ربما تكون رادعة، لكن دوامة العنف لن تنحسر طالما هناك إصرار على تغييب احترام المرأة في المجتمع "بفعل فاعل"، وفق رأيه.

ويضيف القاضي السابق أن التعويل على القضاء فقط، دون الالتفات إلى تحسين المنظومة التشريعية، وحماية منظومة الأسرة وتطوير التعليم وتفعيل دور المؤسسات الدينية، لن يغير شيئا من الواقع المتردي، الذي أثّر سلبا على تعامل المجتمع مع المرأة، وأدخلها في دوامة استنزاف كبيرة بعدما كانت في وقت سابق معززة في المجتمع وذات قدسية.

إحصائيات حكومية ترصد تصاعد العنف

ووفق إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (جهة حكومية) للعام 2021، فإن 21% من المصريات المتزوجات حاليا والمتزوجات سابقا (من عمر 15-49 عاما) تعرضن لنوع من أنواع العنف الجسدي والجنسي والنفسي من قبل أزواجهن.

وبحسب دراسة حديثة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية (مركز حكومي بحثي بارز)، فقد أقر ما يقرب من 75% من عينة الدراسة بتعرض المصريات للعنف في المجتمع، تصدر فيها العنف في الشارع المرتبة الأكثر حدوثا، يليه العنف المنزلي.

وأوضحت الدراسة الصادرة العام الماضي أن 50% من نساء الدراسة تعرضن لشكل من أشكال العنف أو الإهانات أو التحرش، وأن عنف الزوج على رأس قائمة العنف المنزلي.

من ناحيته، قال مصدر مسؤول بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، للجزيرة نت، إنه "يتعين مشاركة أكثر من جهة لاستعادة المجتمع المصري ثقافة احترام المرأة، وإلا فدائرة العنف الاجتماعي ضد النساء مرشحة للتوسع لا قدر الله".

ويضيف المصدر -الذي طلب عدم ذكر اسمه- أنه لابد أن يبدأ الأمر من الأسرة والمدرسة والمساجد والكنائس ووسائل الإعلام والسينما والدراما، على أن يأتي دور القضاء في نهاية المطاف لمواجهة الحالات التي لا تصلحها كل الوسائل السابقة.

وتعتقد مديرة مركز أسرتي للاستشارات الاجتماعية والأسرية الدكتورة منال خضر، في حديث خاص للجزيرة نت، أن كسر مكانة المرأة المصرية بدأ بواقعة اغتصاب "فتاة العتبة" الشهيرة في أحد أكبر ميادين مصر في العام 1992 على مرأى ومسمع من المواطنين، موضحة أن تلك القضية، بالنسبة لها، كانت بمثابة زلزال هدم قيمة المرأة في قلوب المصريين، ومن يومها وهي ترى باقي القضايا كأحد توابع انفراط عقد احترام المرأة في المجتمع المصري.

وتعرب الخبيرة الاجتماعية عن أسفها لما ترصده من تراجع في قيم بعض الفئات الاجتماعية ممن كانوا يرون المساس بالمرأة "خطا أحمر"، لكنها تستدرك "لا يزال الوقت ممكنا للتنشئة الصحيحة من داخل الأسرة على قيم احترام المرأة، فهي الأم والأخت والزوجة، وذلك بحسن المعاملة حتى ينشأ الأبناء أمام واقع إيجابي جديد يكون محفزا لهم".

حملات نسوية وحقوقية

ميدانيا، أطلق المجلس القومي للمرأة، قبل أيام، حملة إعلامية للتوعية بقضية العنف ضد المرأة، بالتزامن مع حملة مكثفة من مؤسسة "المرأة الجديدة" لإصدار "قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء" تحت عنوان "حماية النساء أولوية"، والتي ترى -وفق بيان لها- أن معوقات تمرير القانون لا تقف فقط عند التحديات التشريعية، وإنما هي في الأساس معوقات ثقافية واجتماعية.

من جانبها، ترى الحقوقية والمدافعة عن حقوق المرأة شروق سلام، في حديث للجزيرة نت، أن حكم الإعدام بات هو الحل الأسهل دائما الذي تتجه له السلطات عندما يتصاعد الضغط المجتمعي مع كل جريمة قتل متوحشة لامرأة، رغم رفض المجتمع الدولي لعقوبة الإعدام وعدم جدواها والانتقادات الموجهة لها.

وتطالب سلام بإيجاد قوانين حماية جديدة للمصريات بها توصيفات دقيقة للعنف الأسري وضوابط تمنع الإيذاء، مشيرة إلى أن الدولة تصدر التشريعات بعد وقوع جرائم أو تحت ضغط الرأي العام، ضاربة المثل بقانون حظر الختان، والذي لم يسن إلا بعد وفاة فتاة في العام 2008.

وتحذر سلام من بدء وجود حاضنة شعبية للعنف ضد المرأة، بالتزامن مع ما وصفتها بـ"الثقافة الذكورية السلطوية" بين القائمين على تفسير القانون وتنفيذه في مقرات التحقيق والاتهام بشكل يخيف النساء ويعرقل الملاحقة القانونية.

المصدر : الجزيرة