قائدة أول رحلة فضائية سياحية: اكتشاف الفضاء سيقدم حلولا لكوكب الأرض

سيان بروكتور: مشاهدة الأرض من الفضاء تغير بداخلنا أشياء كثيرة، فهذه التجربة تغيرك جذريا، وهذا شيء جيد.

سيان بروكتور كانت على متن رحلة "سبيس إكس" في سبتمبر/أيلول الماضي (غيتي)

دخلت عالمة الجيولوجيا الفنانة سيان بروكتور (51 عاما) التاريخ في سبتمبر/أيلول الماضي، عندما شاركت في أول رحلة سياحية إلى الفضاء، وأصبحت أول امرأة أميركية من أصل أفريقي تقود مركبة فضائية.

وفي حوار مع صحيفة "واشنطن بوست" (Washington post) الأميركية، تحدثت سيان بروكتور عن تجربتها غير المسبوقة والمخاوف التي انتابتها كأول رائدة فضاء مدنية.

تقول بروكتور إنها ولدت بعد 8.5 أشهر من هبوط نيل أرمسترونغ على سطح القمر، وكان والدها يعمل في محطة المراقبة التابعة لناسا، وهو ما جعلها شغوفة بالفضاء منذ صغرها، حيث كانت تصنع الكثير من نماذج الطائرات، وتحلم بأن تصبح طيارة مقاتلة، ثم قائدة مركبة فضائية.

شغف مبكر

وذكرت بروكتور أنه حتى منتصف التسعينيات، لم يكن بإمكان النساء أن يصبحن طيارات مقاتلات في الجيش الأميركي، لكن والدها شجعها على متابعة هذا الحلم الذي لم يعتبره يوما مستحيلا، وكان يأخذها إلى المتجر لاختيار الطائرات التي تريد أن تصنع مثلها، وأسس "دورية الطيران المدني" التي كانت عضوة فيها وهي طفلة.

ومع بلوغها سن المراهقة، اضطرت لارتداء نظارات طبية بسبب ضعف البصر، وهو ما منعها من أن تكون طيارة عسكرية، ولكن ساعدها -على حد قولها- في التركيز على أن تصبح عالِمة.

وعن قيامها برحلتها الأولى في سن الـ51، تقول بروكتور إن هناك الكثير ممن بلغوا الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من العمر، يعتقدون أن الفرصة فاتتهم لتحقيق الإنجازات الكبيرة، لكنها ترى أن هذه المرحلة من العمر رائعة، ويمكن خلالها تحقيق الكثير من الأشياء، بشرط الانخراط في التعلم مدى الحياة واقتناص الفرص وتجديد الأهداف.

بروكتور كانت شغوفة بالفضاء منذ صغرها (غيتي)

رخصة طيار

قررت بروكتور أن تحصل على رخصة طيار بعد اجتياز شهادة الدكتوراه. وحين بلغت 38 من عمرها، أرسل لها أحدهم رسالة بريد إلكتروني مفادها أن ناسا تبحث عن رواد فضاء، ويجب أن تقدم طلبا.

لم تكن لديها أدنى فكرة عن المؤهلات وعن كيفية اختيار رواد الفضاء، لكن عندما نظرت إلى المؤهلات بدقة وجدت أنها تتمتع بمعظمها. قدمت ترشحها ووصلت إلى المرحلة النهائية في عملية استمرت لمدة عام، لكن انتهت برفضها بعد أن اقتربت جدًا من تحقيق حلم طفولتها.

تضيف بروكتور أنها شعرت بالحزن إلا أنها عزمت على النجاح في الخطوة التالية. التحقت ببرنامج دراسات الفضاء ثم توقفت وعادت إلى حياتها الطبيعية، وأخبرها أحد الأصدقاء لاحقا أن ناسا تبحث عن أشخاص للعيش في "مشروع هاواي للاستكشاف الفضائي التناظري والمحاكاة"، وهي منشأة لمحاكاة الحياة على المريخ. قضت هناك 4 أشهر وأصبحت رائدة فضاء، لكن على سطح الأرض.

تقول بروكتور إن الكثير من الناس سألوها قبل عامين، حين كان عمرها 49 عاما، عند الإعلان عن اختيار رواد فضاء لمهمة سبيس إكس، إن كانت ستقدم طلبا أم لا، وقد أجابت "لا، انتهت رحلتي مع وكالة ناسا وأصبحت كبيرة في السن، ولكن ربما سأتمكن يوما ما من الصعود على رحلة تجارية إلى الفضاء".

بروكتور: ارتفاع التكلفة سيحرم العديد من الأشخاص من تحقيق حلم السفر للفضاء (أسوشيتد برس)

مزايا وسلبيات

وعن مزايا وسلبيات رحلات الفضاء التجارية، باعتبارها نموذجا مختلفا تمامًا في السفر إلى الفضاء، ترى بروكتور أنّ المشكلة هي ارتفاع التكلفة وعدم قدرة العديد من الأشخاص على تحقيق هذا الحلم ودفع تلك المبالغ الباهظة.

وتضيف "لكن عندما نفكر في إقبال أكبر عدد ممكن من الأشخاص على هذه الفرصة، فالتجربة تشبه إلى حدّ كبير السفر على متن الطائرة، ستقصد مكانا مختلفا وتعيش تجارب رائعة، وهذا يساعدك على توسيع فهمك لكوكبنا وعالمنا وثقافتنا".

وردا على الانتقادات التي تُوجّه للمليارديرات بسبب إنفاق أموال طائلة لغزو الفضاء واكتشافه، بدلا من العمل على حل مشاكل كوكب الأرض، تقول بروكتور "الحقيقة هي أن اكتشاف الفضاء ينفع كوكب الأرض، لكن لم يتم التركيز على هذه الرسالة بشكل كافٍ. هذه الأموال التي يتم إنفاقها لتعزيز رحلات الفضاء البشرية، توفر العديد من الوظائف وتساعد على التطور التكنولوجي ولها العديد من المزايا الأخرى".

حلول لمشاكل الأرض

ورغم أنّ الهدف المعلن هو اكتشاف القمر والمريخ، فإنّ الأمر يتعلق في النهاية بمصادر الطاقة وإيجاد حلول لمشاكل المياه والغذاء وغيرها من المشاكل على كوكب الأرض، بحسب تعبيرها.

وعن موقف والدها من هذا الإنجاز لو كان على قيد الحياة، تؤكد بروكتور أنه كان سيفخر بها كثيرا وسيشعر بسعادة غامرة، لأنه غرس هذا الشغف بداخلها منذ البداية. وتضيف أن والديها عاشا جزءا من حياتهما في حقبة الفصل العنصري، ومرّا بمواقف صعبة جعلتهما حريصين على التعليم الجيد كوسيلة للنجاح، رغم أنهما لم يحرزا الشهادة الجامعية.

وعن التجربة بحد ذاتها، تقول بروكتور إنها كانت رائعة لأنه يمكن مشاهدة الكرة الأرضية بأكملها، وتضيف "لا توجد طريقة لوصف تلك اللحظة، خاصة مع رؤية النجوم في الأسفل والقمر الذي يطل من الزاوية".

وتختم بروكتور بأن مشاهدة الأرض من الفضاء يمكن أن تغير بداخلنا أشياء كثيرة، وتقول "سيشعر البعض بقيمة ما لدينا ويوقظ الإحساس بالمسؤولية. وسيواصل البعض الآخر هذه الجهود لتطوير رحلات الفضاء، لكن الحقيقة هي أن هذه التجربة تغيرك جذريًا، وهذا شيء جيد".

المصدر : نيويورك تايمز