وجوه الحرب

"البقاء يُكتب بالحرب".. ما العقدة الشخصية التي شكلت سياسة نتنياهو؟

في عالم يغلي بالحروب، تبرز شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كواحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل. هذا ما ركزت عليه حلقة “وجوه الحرب”، التي غاصت في أعماق سيرته وكواليس ظروفه الشخصية.

تبدأ الحكاية من الجذور؛ وكما يوضح الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت، فإن انتماء بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية– إلى جيل "الصابرا" (وهم اليهود الذين وُلدوا في فلسطين) كان له أثر بالغ في الطريقة التي قدم بها نفسه للجمهور، بوصفه ابنا أصيلا للحركة الصهيونية.

لقد تشرّب نتنياهو في منزله أفكار والده المؤرخ "بنزيون نتنياهو" الذي كان ينتمي للتيار "التنقيحي" المتطرف بقيادة زئيف جابوتنسكي. هذا التيار، كما يشير شلحت، لا يؤمن بالتسوية، بل يرى الصراع حربا أبدية لإقامة "أرض إسرائيل الكبرى".

بينما كان نتنياهو يبني مستقبله، جاء مقتل شقيقه "يوناثان" عام 1976 في عملية عنتيبي -وهي عملية تحرير الرهائن الإسرائيليين في أوغندا- ليكون المنعطف الأكبر في حياته.

رسخت هذه الحادثة لديه قناعة بأن البقاء يُكتب بالقوة العسكرية فقط، وأن السلم لا يورث إلا الفناء. استغل نتنياهو هذه المأساة ليصعد سياسيا؛ فسافر إلى الولايات المتحدة وبدأ يخاطب الغرب بلغتهم، مقدما نفسه حاميا للحضارة الغربية في وجه ما أسماه "البربرية الشرقية والإرهاب الإسلامي"، كما أسس مركز (يوناتان) المتخصص بدراسة "الإرهاب العربي" بوصفه الشر المطلق.

ومن هنا، ولدت معادلته الشهيرة "السلام من خلال الردع والقوة"، رافضا تماما مبدأ "الأرض مقابل السلام".

عملية مطار عنتيبي انتهت بتحرير الرهائن ومقتل شقيق بنيامين نتنياهو
عملية مطار عنتيبي انتهت بتحرير الرهائن ومقتل شقيق بنيامين نتنياهو

 

زلزال السابع من أكتوبر

تربع نتنياهو على عرش السلطة ليكون أطول رئيس وزراء بقاء في تاريخ إسرائيل، لكن صورته كـ"سيد الأمن" التي بناها بعناية واجهت اختبارها القاتل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، حين أطلقت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) طوفان الأقصى، التي شملت هجوما بريا وبحريا وجويا وتسلل مقاومين إلى عدة مستوطنات في غلاف غزة.

ووصفت حلقة (2026/04/21) من برنامج "وجوه الحرب"، على الجزيرة 360 وتشاهدونها كاملة بالضغط هنا، هذا اليوم بالزلزال الذي تهاوت معه جدران الردع؛ فالعملية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية لم تكن مجرد خرق عسكري، بل أثبتت لنتنياهو والمجتمع الإسرائيلي أن القضية الفلسطينية لم تمت كما كان يعتقد ويروّج قبل الطوفان.

الهروب إلى الأمام

قبل الحرب، كان نتنياهو يواجه غليانا داخليا غير مسبوق واتهامات بالفساد طالته وطالت زوجته سارة وابنه يائير.

إذ يواجه نتنياهو اتهامات بالفساد والرشوة وإساءة الأمانة في 3 ملفات فساد معروفة بالملفات "1000 و2000 و4000″، وقدّم المستشار القضائي السابق للحكومة أفيخاي مندلبليت لائحة الاتهام الخاصة بها نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

وبدأت محاكمة نتنياهو في هذه القضايا عام 2020، وما زالت مستمرة، وهو ينكرها مدعيا أنها حملة سياسية تهدف إلى الإطاحة به.

ومع اندلاع الحرب، وجد في غزة فرصة تاريخية -كما يرى معارضوه- للهروب إلى الأمام لإنقاذ شعبيته المنهارة وتأخير حسابه أمام القضاء، ولذلك جرها بحربه على إيران ولبنان الآن.

وفي هذا السياق، يلفت الباحث أنطوان شلحت الانتباه إلى استخدام نتنياهو الواضح والمكثف للخطاب الديني التوراتي، إذ بات يصف الحرب بأنها حرب وجودية ويستحضر قصة "العماليق" رمزا للعدو الذي يجب سحقه.

وثمة قراءات مختلفة لحرب عماليق على بني إسرائيل، بعضها يرى أنها كانت حربا معادية للديانة اليهودية وضد يهوه نفسه، بينما يرى آخرون أن هجوم عماليق كان ضد اليهود شعب الله المختار.

نهاية محتملة

لم تتوقف طموحات نتنياهو عند حدود غزة ولبنان، بل امتدت لتشمل حلم "شرق أوسط جديد" تكون فيه لإسرائيل الكلمة العليا، وفتح مواجهة مباشرة مع إيران ومحور المقاومة لجر الولايات المتحدة إلى حربه الوجودية.

ورغم هذا التصعيد المبرمج، يرى المحلل أنطوان شلحت في ختام الحلقة أن الأهداف الإستراتيجية التي وضعتها إسرائيل لم تتحقق بالكامل؛ فالمقاومة لا تزال حاضرة في حسابات اليوم التالي في غزة ولبنان.

هذا العجز عن حسم المعركة، إلى جانب صدور مذكرات توقيف دولية بحقه بتهم جرائم الحرب والإبادة الجماعية، قد يعني -حسب تقدير شلحت- أننا نشهد بالفعل بداية النهاية لعهد بنيامين نتنياهو.

المصدر: الجزيرة