أثير

البستاني أم النجار؟.. الدكتورة هبة حريري تكشف طوق النجاة من الشاشات

ترى اختصاصية العلاج النفسي والإرشاد التربوي الدكتورة هبة حريري في حديثها لأثير أن التربية تحتاج إلى حضور ومرونة، لا وصفات جاهزة، مع موازنة دور الأسرة والشاشات والذكاء الاصطناعي.

في زمن تتحول فيه النصيحة التربوية إلى محتوى سريع على الهاتف، يجد الآباء أنفسهم أمام وصفات لا تنتهي لتشكيل أطفالهم، وترى الدكتورة هبة الحريري أن البداية الصحيحة تمر عبر فهم الطفل، لا مطاردة الوصفة المثالية.

جاء ذلك خلال استضافتها في بودكاست "على متمّه"، الذي يقدمه سعد القحطاني على منصة "أثير" (يمكن مشاهدة الحلقة عبر هذا الرابط)، حيث ناقشت تعقيدات الوالدية بين الموروث العائلي والثقافي والديني، والمعرفة العلمية، وما تضخه منصات التواصل من أفكار تربوية متسارعة.

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

وتشير الاختصاصية النفسية والتربوية إلى أن وفرة المعلومات قد تمنح الإنسان شعورا بأنه صار أكثر فهما لنفسه، بينما يبتعد أحيانا عن صوته الداخلي، لذلك تحتاج المعرفة إلى غربلة، وتحتاج التربية إلى مساحة للتأمل والملاحظة، بدلا من التعامل مع كل نصيحة باعتبارها قاعدة عامة.

ومن هنا تطرح مفهوم "عقلية النجار"، حين يتعامل الأب أو الأم مع الطفل كقطعة خشب لها مواصفات محددة وكتالوغ جاهز، وتصبح المدرسة والنشاط والنوم والطعام وحتى الهوايات أجزاء من مشروع لصناعة نتيجة محسوبة.

في المقابل، تقترح "عقلية البستاني"، حيث يوفر الوالدان الماء والضوء والتربة والرعاية، ثم يراقبان ما تحتاجه النبتة في كل مرحلة، فالطفل يأتي بسماته الخاصة، وتتداخل في نموه عوامل أسرية واجتماعية وثقافية متعددة.

هذه الرؤية تخفف كذلك ضغط الصورة المثالية التي تصنعها المنصات للأبوة والأمومة، إذ قد يقارن الآباء حياتهم اليومية بمشاهد منتقاة، فينشأ شعور بالتقصير. وتدعو الدكتورة هبة حريري إلى قبول بطء النمو واختلاف الأطفال ومساراتهم، بعيدا عن وهم النتيجة المضمونة.

وتلفت إلى أن بعض أنماط التربية تنتقل بين الأجيال بصورة غير معلنة؛ فقد يرفض الأب أسلوبا عاشه صغيرا، ثم يجد نفسه يعيد إنتاجه تحت الضغط. وفهم هذا الموروث، في نظرها، خطوة ضرورية لتغيير ما يمكن تغييره داخل الأسرة.

الأسرة التي تربي

وترى اختصاصية العلاج النفسي والإرشاد التربوي أن تقلص الأسرة الممتدة غيّر البيئة التي كانت تسند الوالدين في التربية، فقد كانت الجدة والأخوات والجيران حاضرين في الحياة اليومية، بينما فرضت الوظائف والهجرة والتعليم والبعد الجغرافي أشكالا أكثر تباعدا للعائلة.

وجعل هذا التحول الأب والأم يشعران بأن عبء التربية يقع عليهما وحدهما، وفق ما تصفه ضيفة "أثير" بتزايد الفردانية، ومن ثم اتسعت قائمة المخاوف والمعايير، وصار الوالدان أكثر انشغالا بإنتاج طفل "ناجح" وفق مقاييس متعددة.

وتقترح المتحدثة الدوائر الاجتماعية المحيطة بالطفل بوعي، حتى عندما لم تعد متاحة بصورة تلقائية كما كانت، فالزيارات العائلية، والجلوس مع الأجداد، والاحتكاك بالأقارب، كلها مساحات تمنح الطفل خبرات لا توفرها الشاشة.

وتستعيد الدكتورة هبة حريري صورة الطفولة التي كان فيها أبناء العائلة بمراحل عمرية مختلفة، يتعلمون قواعد التعامل من خلال المعايشة واللعب والمشاجرات والمفاوضات اليومية، تلك التجارب، في رأيها، كانت جزءا من التربية الاجتماعية غير المقصودة.

كما ترى أن اللعب المباشر مع البيئة منح الأجيال السابقة فرصا واسعة للاكتشاف والابتكار؛ من الحارة إلى المزارع والحدائق والأماكن المفتوحة، أما اليوم، فيحتاج الوالدان إلى صناعة بعض هذه الفرص وترتيبها بصورة مقصودة.

وتربط الخبيرة التربوية ذلك بفكرة الموازنة، حيث يحتاج الطفل إلى نشاط منظم، لكنه يحتاج أيضا إلى الفراغ والملل واللعب الحر، وفي تجربة تحدث عنها القحطاني، تحولت لحظة عفوية إلى مشروع فيلم قصير شارك فيه أبناؤه بحماس.

وترى أن هذه العفوية تجسد عقلية البستاني؛ فالوالد يلاحظ ما يحتاجه الطفل في اللحظة الراهنة، ثم يستجيب له، بدلا من التمسك بخطة جامدة. فالتربية عندها عملية حضور مستمر أكثر منها تنفيذ تعليمات.

الشاشات والوعي الأبوي

مع انتقال الحياة اليومية إلى العالم الرقمي، تتعامل الخبيرة التربوية مع الشاشة باعتبارها واقعا يحتاج إلى إدارة وتدريب، لا مجرد معركة منع، وتوصي بفهم ما يفعله الطفل على جهازه، ومراجعة المدة والمحتوى وسياق الاستخدام.

وعند ظهور مقاومة شديدة لخفض الاستخدام، تدعو إلى الهدوء والثبات والتدرج، ويمكن البدء بتقليص الوقت والاتفاق مع الأبناء على الخطة، مع معرفة التطبيقات التي يستخدمونها، وتحويلهم إلى شركاء في تعديل عاداتهم الرقمية.

وتتسع المسألة مع وصول الأطفال إلى الذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت عبارة "اسأل شات جي بي تي" جزءا من قاموسهم اليومي، وترى ضيفة بودكاست "على متمّه" أن دور الوالدين يبدأ بفهم الخوارزميات ومصادر المعلومات ومناقشة الإجابات مع الأبناء.

وتشدد على أهمية التدريب المبكر على التفكير الناقد، مع مراعاة المرحلة العمرية وحدود قدرة الطفل على التحقق من المعلومات، لذلك تطرح الرقابة الحوارية ومراجعة المحادثات عند الحاجة، باعتبارهما وسيلتين لحماية الطفل وفهم فضوله.

وتصل الحلقة إلى المحتوى الحساس الذي قد يصادفه الطفل عبر المنصات والألعاب والتطبيقات، إذ ترى الدكتورة هبة حريري أن الاستعداد المعرفي والحوار السابق للتعرض أكثر فاعلية من انتظار الصدمة ثم محاولة تفسيرها، وتوصي بأسئلة مفتوحة تكشف ما فهمه الطفل وما شعر به.

وتعود اختصاصية العلاج النفسي والإرشاد التربوي في ختام حديثها إلى الجرح النفسي والعلاقة العاطفية، موضحة أن الطفل قد يعبّر عن تجاربه من خلال اللعب وإعادة تمثيل الأحداث في سياق آمن، وهنا يحتاج الوالدان إلى الإصغاء وترك مساحة للمشاعر.

المصدر: الجزيرة