
أدب الخلاف.. كيف نجادل بالتي هي أحسن ونكسب القلوب؟
في وقت تتصاعد فيه حدة الخلافات في البيوت وأماكن العمل وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تتجدد الحاجة إلى استحضار أدب الحوار والجدال كما يقدمه القرآن الكريم، بما يحفظ الحق ويصون القلوب من الخصومة والقطيعة.
وفي حلقة من برنامج "الشريعة والحياة في رمضان" -الذي يُبثّ على منصة الجزيرة 360- تناول الدكتور رمضان خميس، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية الشريعة في جامعة قطر، مفهوم الجدل في القرآن الكريم، والفرق بين الجدال المحمود والمذموم، ومنهج الإسلام في إدارة الخلاف.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsوأوضح خميس أن مادة "الجدل" في اللغة تدل على الفتل والإحكام والقوة، ومنها تسمية الحبل القوي "مجدولا"، في إشارة إلى طبيعة النقاش حين يشتد بين طرفين يسعى كل منهما لإقناع الآخر أو الانتصار لرأيه.
وأشار إلى أن الجدل ورد في القرآن الكريم بمشتقاته نحو 29 مرة، بصيغ متعددة من الماضي والمضارع والأمر والمصدر، وهو ما يعكس حضوره الدائم في حياة البشر، إذ وصف القرآن الإنسان بقوله: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا}.
وبيّن ضيف البرنامج أن القرآن لا ينظر إلى الجدل باعتباره ظاهرة سلبية مطلقا، بل يميز بين جدال محمود وآخر مذموم، فالمحمود هو ما كان موضوعه حقا، ووسيلته مشروعة، وغايته الوصول إلى الحقيقة أو نصرة الحق.
وفي هذا السياق، استشهد بقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، موضحا أن التعبير القرآني اختار صيغة "التي هي أحسن" لا مجرد الحسنى، لأن الجدل يخاطب العقل، والعقل لا يقتنع بسهولة إلا إذا عُرضت الحجة بأفضل أسلوب وأرقى خطاب.
وأضاف أن الموعظة غالبا ما تخاطب القلب مباشرة، ولذلك قيل فيها {بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، بينما الجدل يتطلب مستوى أعلى من الحجة والرفق، حتى ينزل العقل من حالة العناد إلى حالة الاقتناع.
الجدال والحرية الفكرية
وأوضح خميس أن القرآن في محاجّته للمخالفين يوفر مساحات واسعة من الحرية الفكرية، إذ يدعوهم إلى تقديم أدلتهم، كما في قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، وهو أسلوب يرسخ الثقة بالحقيقة ولا يخشى النقاش.
ومن مظاهر هذا المنهج القرآني -كما يقول- احترام خصوصية المخالفين والانطلاق من القواسم المشتركة معهم، حتى مع غير المسلمين، وهو ما يظهر في قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}.
وتوقف ضيف البرنامج عند دلالة تسمية سورة كاملة في القرآن باسم "المجادلة"، مشيرا إلى أن ذلك يعكس أهمية الجدل بوصفه وسيلة للدفاع عن الحقوق ونصرة المظلومين.
وبيّن أن هناك فرقا بين الحوار والنقاش والجدال، فالحوار تبادل للآراء دون تعصب، والنقاش بحث وتنقيب في الأفكار، أما الجدل فهو محاولة لإقناع الطرف الآخر بالحجة.
وحذّر خميس من إساءة استخدام بعض الناس للنهي عن الجدل لقمع آراء الآخرين، إذ يرفعون شعار "لا تجادل" لإسكات المخالفين، رغم أن الجدل إذا كان في سبيل الحق وبالوسائل المشروعة فهو مطلوب.
وأشار إلى أن الاختلاف سنة إنسانية، مستشهدا بقوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}، موضحا أن الاختلاف إذا أُدير بطريقة صحيحة قد يكون بابا للرحمة والتكامل.
منهج الأنبياء في الجدال
وفي استعراضه لمنهج الأنبياء في الجدال، أكد خميس أنهم قدموا نماذج راقية في الحوار، تقوم على الحكمة والرفق والحرص على هداية الناس لا الانتصار للنفس.
وضرب مثالا بحوار إبراهيم عليه السلام مع قومه، حيث استخدم أسلوبا تدريجيا في إقناعهم من خلال النظر في الكواكب والأفول، ليقودهم بلطف إلى الإقرار بوحدانية الله.
كما أشار إلى خطاب الأنبياء لأقوامهم بعبارات تحمل الشفقة والحرص، مثل قول شعيب عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ}، وهو خطاب يتجاوز الخصومة إلى النصيحة.
وأوضح أن مهمة الداعية أو المجادل ليست إجبار الآخرين على الاقتناع، وإنما تبليغ الرسالة بوضوح، مستشهدا بقوله تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}.
وأضاف أن من أخطاء بعض المجادلين أنهم يحاولون الإجابة عن كل سؤال حفاظا على مكانتهم، بينما كان الأنبياء يقرون بما لا يعلمون، كما قال موسى عليه السلام: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي}.
سمات الجدل المذموم
وفي المقابل، عرض خميس لسمات الجدل المذموم، وفي مقدمتها الجدل بغير علم، أو بدافع الانتصار للنفس، أو بهدف إضلال الناس، كما جاء في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ}.
وأوضح أن من علاماته أيضا الكبر والسخرية واحتقار المخالفين، وهي سلوكيات ظهرت في تعامل المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم حين سخروا من دعوته رغم معرفتهم بصدقه وأمانته.
ويرى خميس أن الجدل إذا تحول إلى معركة شخصية فقد هدفه الأساسي، وهو الوصول إلى الحقيقة، ليصبح مجرد صراع للانتصار وإلحاق الهزيمة بالآخر.
ولهذا شدد على أهمية معرفة اللحظة التي يجب فيها التوقف عن الجدل، خاصة إذا تحول النقاش من مساحة العقل إلى مساحة العناد والخصومة.
الرغبة في الانتصار
وفي حديثه عن واقع الناس اليوم، أشار إلى أن كثيرا من الخلافات في البيوت وأماكن العمل تنشأ من الرغبة في الانتصار لا في الوصول إلى الصواب، مما يؤدي أحيانا إلى تفكك العلاقات.
ولفت إلى أن النقاش بين الزوجين أو الآباء والأبناء ينبغي أن تغلب عليه روح المودة والرحمة، لا منطق الغلبة والانتصار، لأن الهدف هو الحفاظ على العلاقة لا كسب الجدل.
وأكد أن الحكمة في الحوار قد تعني أحيانا التراجع خطوة إلى الخلف، حفاظا على القلوب، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا".
وأكد أستاذ التفسير على أن مهارة الجدل قد تكون نعمة إذا وُظفت في نصرة الحق وإقناع الناس بالحكمة، لكنها تتحول إلى نقمة إذا استُخدمت في الخصومة والجدال العقيم.
ويرى أن تهذيب النفس في هذا الباب يبدأ باستحضار الغاية الكبرى، وهي رضا الله تعالى، وتذكّر أن كسب القلوب أولى من كسب المواقف، وأن الحكمة في الحوار قد تكون أبلغ أثرا من الحجة القاطعة.