الشريعة والحياة في رمضان

كيف نحمي فطرة أبنائنا من التشويه في المجتمعات الغربية؟

يحذر الداعية أشرف مكاوي من تشويه الفطرة لدى أبناء المسلمين في المجتمعات الغربية بفعل المؤثرات الثقافية والإعلامية مؤكدا أن حماية الفطرة تبدأ من الأسرة عبر التربية الواعية وربط الأبناء بالقيم الإسلامية

تناولت حلقة جديدة من برنامج "الشريعة والحياة في رمضان" مفهوم الفطرة الإنسانية في القرآن الكريم وسبل حمايتها من التشويه، خاصة لدى أبناء المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية، في ظل تعدد المؤثرات الثقافية والفكرية.

واستضافت الحلقة الإمام والداعية في مدينة فيسبادن الألمانية الشيخ الدكتور أشرف مكاوي، الذي تحدث عن طبيعة الفطرة التي خلق الله الناس عليها، والعوامل التي قد تضعفها أو تشوش عليها، ودور الأسرة في صيانتها.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وأوضح مكاوي أن الفطرة في أصلها تعني الهيئة التي خلق الله الإنسان عليها، بحيث يكون مهيأ لأداء الوظيفة التي خُلق من أجلها، مشيرا إلى أن الله فطر الإنسان جسدا وروحا وفق نظام دقيق ينسجم مع قوانين الكون.

وبيّن أن الجسد الإنساني تحكمه سنن وقوانين فطرية وضعها الله، مثل قوانين السمع والبصر والتنفس، وهي سنن خاصة بالإنسان كما أن لكل مخلوق قوانينه الخاصة التي يسير عليها في الكون.

أما الروح -وفق مكاوي- فهي سرّ من أسرار الله التي لا يعلم حقيقتها إلا هو، لكنها مفطورة على معرفة خالقها، مستشهدا بقول الله تعالى: "ألست بربكم قالوا بلى"، في إشارة إلى شهادة الأرواح بوحدانية الله.

وأشار إلى أن هذه المعرفة الفطرية بالله تشكل أساس الإيمان في النفس الإنسانية، لكن هذه الفطرة قد تتعرض للتشويش بفعل المؤثرات الخارجية، وهو ما يفسر وقوع بعض الناس في الكفر أو الإلحاد رغم فطرتهم الأولى.

ولفت إلى أن النفس الإنسانية مفطورة أيضا على الغرائز التي تضمن استمرار الحياة، مثل حب الطعام والشراب والمال والنسل، موضحا أن هذه الغرائز ليست شرا في ذاتها، وإنما وضع الإسلام لها ضوابط تضبط مسارها.

الشرائع السماوية مكملة

وأكد أن الشرائع السماوية جاءت لتكمّل وظيفة الفطرة لا لتستبدلها، إذ إن الفطرة قد تكون مجملة أو غائمة في النفس، وقد تتعرض للتشويش من البيئة المحيطة، ولذلك كان لا بد من الرسالات التي تفصل الخير من الشر.

وأوضح أن من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع الاعتماد على "القلب الطيب" وحده دون الالتزام بالشرع، لأن القلب قد يمرض أو يفسد بفعل المؤثرات المختلفة، فيختلط عليه الحسن بالقبيح.

وضرب مثالا بتحول بعض القيم في العصر الحديث، حيث باتت بعض المجتمعات ترى العري فضيلة والحشمة تخلفا، معتبرا أن هذا التحول يعكس تشويها للفطرة وخللا في ميزان القيم الإنسانية.

وأشار إلى أن الفطرة الإنسانية تشمل أيضا ميلا طبيعيا إلى القيم الأخلاقية مثل الصدق والعدل والرحمة، لافتا إلى أن البشر -مهما اختلفت أديانهم وثقافاتهم- يتعاطفون فطريا مع المظلوم وينفرون من الظلم.

ورأى أن هذا "الضمير الإنساني" هو تعبير عن الفطرة المشتركة بين البشر، لكنه قد يتعرض للضعف أو التشويه إذا سيطرت المصالح أو الدعاية أو التضليل الإعلامي.

وعن أسباب تشويه الفطرة، أوضح مكاوي أن البيئة تُعد من أبرز المؤثرات، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".

وبيّن أن الأسرة هي البيئة الأولى التي تشكل وعي الطفل وقيمه، مؤكدا أن التربية تبدأ منذ اللحظات الأولى في حياة الإنسان، حيث تتشكل أنماط السلوك الأولى التي تؤثر في شخصيته لاحقا.

الصحبة والمجتمع العام

كما شدد على أن الصحبة تمثل عاملا بالغ التأثير في تشكيل السلوك، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".

وأشار إلى أن المجتمع العام بدوره يلعب دورا كبيرا في تشكيل القيم، خاصة من خلال التعليم والإعلام والثقافة السائدة، وهو ما يظهر بوضوح في بعض المجتمعات الغربية التي تفصل الدين عن الحياة العامة.

وأوضح أن هذا الواقع يضع أبناء المسلمين في الغرب أمام صراع ثقافي بين ما يتلقونه في البيت من قيم دينية، وما يتلقونه في المدرسة والشارع والإعلام من قيم مختلفة.

وقال إن الطفل المسلم في تلك المجتمعات يعيش أحيانا حالة من التمزق بين منظومتين قيميّتين متباينتين، مما يجعل مهمة الوالدين أكثر صعوبة في الحفاظ على الفطرة السليمة.

ولتجاوز هذه التحديات، دعا مكاوي الآباء إلى البدء مبكرا في توعية أبنائهم وشرح القيم الإسلامية لهم بوضوح، ومناقشة الأفكار المختلفة التي يتعرضون لها بدلا من تجاهلها.

وأكد أهمية بناء علاقة قائمة على المحبة والحوار مع الأبناء، لأن هذه العلاقة تمنح الوالدين القدرة على توجيههم وإقناعهم بالقيم الدينية بعيدا عن أسلوب القسر أو الإكراه.

كما أوصى بربط الأبناء بالمساجد والمراكز الإسلامية، لما توفره من بيئة اجتماعية بديلة تساعدهم على تكوين صداقات صالحة وتعزز ارتباطهم بهويتهم الدينية.

وختم مكاوي بالتأكيد على أن حماية الفطرة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع والمؤسسات الدعوية والتعليمية، مشددا على أن التربية الواعية قادرة على تحصين الأبناء حتى في أكثر البيئات تعقيدا.

المصدر: الجزيرة