
التكافل في الإسلام.. كيف يصون المجتمع ويعزز تماسك الأمة؟
تناولت حلقة (2026/3/9) من برنامج "الشريعة والحياة في رمضان" قيمة التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم، ودوره في تعزيز التضامن بين الأفراد ومواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها المجتمعات.
وفي الحلقة التي يمكن مشاهدتها على هذا الرابط، قال رئيس هيئة علماء فلسطين الدكتور نواف التكروري إن التكافل في الإسلام ليس مجرد عمل خيري عابر بل هو التزام متبادل بين أبناء المجتمع، يقوم على الوقوف مع الحق ومساندة المحتاجين.
اقرأ أيضا
list of 3 itemsوأوضح التكروري أن من مقتضيات هذا المفهوم أن يكون القوي نصيرا للضعيف، والغني مُعينا للفقير، بحيث يسهم كل فرد بما يملك من قدرة أو مال أو خبرة في سد حاجات الآخرين.
وأضاف أن التكافل في جوهره حالة تشاركية يتعاون فيها الناس ويتكاملون، بما يحمي المجتمع من آثار الفقر والتفكك والانهيار، ويحول دون تفشي الأزمات الاجتماعية.
وأشار إلى أن إعانة الفقير لا تقتصر على تلبية حاجته المادية فقط بل تعيد دمجه في المجتمع، ليصبح فردا فاعلا قادرا على خدمة أمته بدلا من أن تستنزفه الحاجة وتشغله عن أداء دوره.
الكافل مكفول برعاية الله
وبيَّن التكروري أن من معاني التكافل في الإسلام أن مَن يساعد الناس يكون بدوره مشمولا برعاية الله وبركته.
واستشهد بقصة الرجل الذي كان يقسم ثمر حديقته ثلاثة أقسام: قسما لله، وقسما لعياله، وقسما يعيده لتنمية أرضه، موضحا أن هذا السلوك كان سببا في نزول البركة عليه.
وأضاف أن القرآن يؤكد هذا المعنى في قول الله تعالى {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سبأ: 39)، مشيرا إلى أن العطاء لا ينقص المال بل يباركه ويزيده.
الدفاع عن كرامة الأمة
وأكد التكروري أن التكافل لا يقتصر على إعانة الفقراء بل يشمل أيضا مساندة من يدافعون عن كرامة الأمة ومقدساتها.
وأوضح أن مَن يبذل ماله في هذا المجال لا يدافع عن الآخرين فحسب بل يدافع عن أمنه وماله ومستقبل أمته، لأن الأخطار التي تصيب جزءا من الأمة تمتد آثارها إلى الجميع.
وفي هذا السياق، استحضر التكروري قصة رواها الشيخ علي الطنطاوي عن تقصير بعض الناس في البذل قبل نكبة فلسطين عام 1948، وكيف انتهى الأمر ببعضهم إلى الندم بعد أن فقدوا المال والأهل والوطن.
وقال إن تلك القصة تعكس أن البخل في مواطن الحاجة قد يرتد على صاحبه خسارة وندما.
وشدَّد التكروري على أن الإسلام يدعو المسلم إلى المبادرة في مساعدة المحتاجين وعدم انتظار طلبهم للعون، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم "ما آمنَ بي مَن باتَ شبعانَ وجارُهُ جائعٌ وهوَ يعلم".
وأضاف أن النبي ﷺ وسَّع مفهوم التكافل ليشمل مختلف جوانب الحياة، حين قال "مَن كانَ لهُ فضلُ ظهرٍ فلْيَعُدْ بهِ على مَن لا ظهرَ له، ومَن كانَ لهُ فضلُ زادٍ فلْيَعُدْ بهِ على مَن لا زادَ له".
وأشار التكروري إلى أن هذه التوجيهات النبوية تؤكد أن كل ما يملكه الإنسان من فضل، مالا كان أو قدرة أو إمكانات، يمكن أن يتحول إلى باب من أبواب العطاء والتكافل داخل المجتمع.
نماذج من السيرة والصحابة
واستعرض التكروري نماذج من سيرة الصحابة في البذل، مشيرا إلى أن أبا بكر الصديق أنفق ماله كله في سبيل الله، وجاء عمر بن الخطاب بشطر ماله، في حين جهَّز عثمان بن عفان جيش العسرة.
كما توقف عند قصة الصحابي أبي الدحداح الذي اشترى نخلة من صاحبها وجعلها لأيتام طمعا في ثواب الله، في مثال يعكس روح الإيثار التي رسَّخها الإسلام.
وأشار التكروري إلى أن روح التكافل لا تزال حاضرة في الأمة اليوم، مستشهدا بقصص لأشخاص أنفقوا مدخراتهم أو باعوا ممتلكاتهم لمساعدة المحتاجين.
وقال إن من بين هذه النماذج شابا باع منزله الذي ادخر ثمنه سنوات طويلة ليخصص قيمته لدعم المحتاجين، وآخر تبرَّع بمدخرات زواجه لإغاثة المنكوبين.
ويرى أن هذه النماذج تؤكد أن الخير لا يزال متجذرا في الأمة رغم الأزمات.
رمضان مدرسة للعطاء
وفي المقابل، حذر التكروري من أن غياب التكافل يؤدي إلى انتشار الحسد والشحناء والبغضاء داخل المجتمع.
وأوضح أن القاعدة الفقهية تقول إن "النفع المتعدي مقدَّم على النفع القاصر"، أي أن ما ينفع الجماعة أولى من النفع الفردي.
وأضاف أن المجتمع المسلم يشبه الجسد الواحد، فإذا تعاون أفراده بقي قويا، أما إذا تخلى بعضهم عن بعض تطرَّق إليه الضعف.
وأكد التكروري أن شهر رمضان يمثل مدرسة لصناعة الباذلين، إذ تتجلى فيه معاني الرحمة والإيثار والتكافل.