
لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
فلا تخلو وثائق الأرشيفات الاستعمارية من الأحاديث الصريحة والواضحة عن محاربة الدول الغربية للغة العربية في المستعمرات لأنها تمثل الرابط بين القوم والقرآن، كما قال الداعية الإسلامي الشيخ أبو زيد المقرئ الإدريسي.
وعندما خرجت فرنسا من الجزائر، وقف جان ماري لوبان -مؤسس حزب التجمع الوطني (المتطرف)- متهما وزير الدفاع بخيانة فرنسا، فكان جواب الأخير "وماذا أفعل لك إذا كان القرآن في الجزائر أقوى من فرنسا؟".
اقرأ أيضا
list of 3 itemsولا يمكن لأمة أن تبتعد في هويتها ودينها عن لغتها، وفق ما قاله الإدريسي في حلقة (2026/3/5) من برنامج "رفقا" الذي تنتجه منصة الجزيرة 360، ويبث على هذا الرابط.
والأمر يزداد وضوحا عند المسلمين لأن القرآن نزل بلغة العرب الذين أصبحوا أقلية بين بعد انتشار الإسلام، ثم ما لبث غير العرب أن سعوا لتعلم العربية من أجل فهم القرآن فانتشرت اللغة كما انتشر الإسلام، حسب الإدريسي.
واختار الله تعالى اللغة العربية للقرآن لأنها لغة قريش الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهي توصل المشاعر وتعبر عنها دون تشويش، وهي تصنع الوعي وتبني الإنسان، لكن الإدريسي يقول إن الأمر يتجاوز المعاني المادية إلى الروحية.
فقد أشار القرآن إلى عروبته 10 مرات، منها "بلسان عربي مبين"، و"إنَّا أنزلناه قرآنا عربيا"، وأشار مرة إلى عروبة الفِكر القرآني نفسه بقوله "وكذلك أنزلناه حكما عربيا".
كما أن العربية هي القادرة على التعبير عن روحانيات القرآن التي لن تجد لها مقابلا في اللغات الأجنبية، ومثال ذلك حسب الإدريسي، كلمة "الستر"، التي لن تجد لها كلمة مقابلة في المعنى بالإنجليزية أو الفرنسية إلا (cover) و(couverture) وكلاهما بمعنى غطاء، وهو المعنى المادي لا الروحي، والأمر نفسه في كلمة "التقوى" التي لن تجد مقابلها في اللغات الأخرى إلا "الخوف".
لكن ثمة من يقول إن اللغة محايدة وإنها غير مرتبطة بهوية الأمم، وهو ما رد عليه الإدريسي بقوله "هذا كلام المستشرقين والمستعمرين، ولم يقله مسلم ولا غير مسلم غير المستعمر".
فلم تضحِّ أمة بلغتها إلا وتخلفت، وما تشبثت أمة بلغتها إلا نهضت، كما يقول الإدريسي، الذي لفت إلى أن كافة الأمم التي نهضت منذ القرن الـ19 معروفة بالتمسك بلغتها مثل الصين إلى اليابان وتركيا.
وفي كل الفتوحات، كان الصحابة يحافظون على اللغة فيعلمونها مقرونة بالقرآن، وكان عبد الله بن مسعود يعلمهما معا، ومع اتساع رقعة الدول التي دخلها الإسلام انتشرت اللغة حتى أصبحت لغة العلم والحضارة، كما يقول مقدم البرنامج الشيخ فهد الكندري.
إنزال اللغة مكانتها
وقد تأسست مناهج التعليم عند المسلمين -وفق الإدريسي- على عمودين اثنين هما: علوم الشريعة وعلوم اللغة، لأنه لن يمكن فهم القرآن بشكل سليم ما لم تُفهم اللغة.
في المقابل، يضيف المتحدث، تخلفت دول غرب أفريقيا التي طلّقت لغاتها وجعلت الفرنسية لغة رسمية، وكانت تحسب أنها ستكون جسرا تعبر فوقه إلى التقدم والحضارة.
ولعل هذا ما دفع مؤسسة قطر للتركيز على وضع اللغة في مكانها الذي تستحقه، لأنها تتجاوز كونها لغة اتصال إلى أنها وسيلة لنقل الرسائل التي لا يمكننا التعبير عنها إلا بلغتنا الأم، كما يقول مدير الشراكات في المؤسسة هابس حويل.
فالمؤسسة اليوم حريصة على حضور اللغة العربية وتمكينها في مختلف المجالات، لأنها -كما يقول حويل- "وعاء الأمة بكافة مكوناتها، فإذا تراجعت اللغة تراجعت الأمة وربما اندثرت".
ولأنها تأسست بهدف إحياء الحركة الفكرية والثقافية في المنطقة، فقد حرصت المؤسسة على أن تكون اللغة حاضرة بأبهى صورها في كل مناحي الحياة، وفق حويل، الذي يقول إن كل الحضارات العظيمة قامت على لغتها وليس على لغات أخرى.
والمشكلة في عصرنا الحديث أن كثيرين من العرب يتحدثون عن أهمية اللغة العربية في حياتنا وتثبيت هويتنا، ومع ذلك لا تجدهم يتحدثونها ولا يتحدثها أولادهم إلا في ما ندر، حسب الكندري، الذي شدد على ضرورة التشبث باللغة لأنها رافعة الأمم.