
المناشدة الأخيرة.. حين يصبح انتظار الإسعاف في غزة حكما بالإعدام
كشف برنامج "للقصة بقية" وجها بالغ القسوة من الحرب على غزة، حيث تتحول آليات التنسيق الإنساني من أداة إنقاذ إلى مسار معقد يؤخر الاستجابة، ويترك آلاف الجرحى عالقين بين نداءات الاستغاثة وقرارات لا تصل في الوقت المناسب.
ويضع التحقيق، الذي افتتحت به الحلقة وهذا رابطها، المشاهد أمام لحظة إنسانية حرجة، تنقلها أصوات استغاثة حقيقية خرجت من تحت الأنقاض ومن داخل منازل محاصرة، بينما يتواصل القصف في الخلفية، ويغيب الوصول الفوري لفرق الإنقاذ.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsتتوالى المشاهد لتعرض حالات لمدنيين وجدوا أنفسهم في عزلة تامة بعد اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية أواخر عام 2023، حيث أدى انقطاع الاتصالات وصعوبة الحركة إلى تعقيد عمليات الإغاثة، وجعل الوصول إلى المصابين رهين إجراءات لا تُحسم بسرعة.
ضمن هذه الصورة، يروي درويش قنديل كيف عاشت عائلته أياما من الانتظار بعد مناشدات متكررة لإجلائهم، تواصل مستمر مع جهات إنسانية يقابله تعذر في التنفيذ قبل أن ينقطع الاتصال، في نموذج يعكس مسارا تكرر في حالات عديدة.
ويستعيد أحمد عرفات تفاصيل محاولة إنقاذ أقاربه الذين ظلوا تحت الأنقاض لساعات، بينما لم تتمكن فرق الإنقاذ من التدخل فورا بسبب المخاطر والقيود المفروضة، لتصل متأخرة بعد أن فقد المصابون فرص النجاة.
أما حسن شريم، فيقدم شهادة أخرى عن تجربة التنسيق، حين طُلب منه تحديد موقعه وانتظار موعد للخروج، قبل أن يتحرك بناء على تلك التعليمات، وهو مشهد يلخص حالة الترقب التي يعيشها المحاصرون أملا في الوصول الآمن.
أنماط متكررة
ويشير التحقيق إلى أن هذه الحالات ليست معزولة، بل تندرج ضمن أنماط متكررة تشمل تأخر الاستجابة أو تعقيد إجراءات التنسيق أو تعرض فرق الإغاثة لمخاطر ميدانية أثناء محاولتها الوصول إلى المصابين.
وتظهر البيانات التي عرضتها الحلقة أن نسبة كبيرة من طلبات تحرك فرق الإنقاذ واجهت الرفض أو التأجيل، فيما لم يُسمح إلا بجزء محدود منها، وهو ما انعكس مباشرة على فرص إنقاذ الجرحى في الوقت المناسب.
وعلى امتداد الأشهر التي يغطيها التحقيق، لم تتمكن الطواقم من الاستجابة لعشرات الآلاف من نداءات الاستغاثة، وهو ما أدى إلى وفاة عدد كبير من المصابين الذين ظلوا دون إسعاف في اللحظات الحاسمة.
في الجزء الحواري من الحلقة، تنقل المسعفة في الهلال الأحمر رنا الفقيه صورة ميدانية للعراقيل التي تواجه الطواقم الطبية، مشيرة إلى أن الوصول إلى بعض المناطق كان متعذرا، وأن الطواقم اضطرت أحيانا لتقديم إرشادات إسعافية عبر الهاتف لعدم قدرتها على التدخل المباشر.
وتوضح أن التنسيق يتم عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن الطلبات قد تُرفض أو تُؤجل، خصوصا في المناطق المصنفة عسكرية، ما يجعل الاستجابة غير مضمونة رغم الحاجة الملحة.
تحديات ميدانية
من جانبها، تشير أماني الناعوق، المتحدثة باسم الصليب الأحمر، إلى أن عمل اللجنة يجري في بيئة معقدة، وأن الموافقات على تحرك الطواقم تخضع لاعتبارات ميدانية وقد لا تتحقق بالسرعة المطلوبة، مؤكدة أن بعض العمليات نجحت، فيما تعثرت أخرى.
وتلفت إلى أن حتى الحالات التي يُسمح فيها بالتحرك لا تخلو من المخاطر في ظل استمرار العمليات العسكرية، ما يفرض قيودا إضافية على عمل الفرق الإنسانية.
وعلى المستوى القانوني، يوضح أستاذ القانون الدولي في جامعة ليفربول، البروفيسور تريستينو مارينييلو، أن القانون الدولي الإنساني يفرض التزامات واضحة تتعلق بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات، مشددا على أن عرقلة هذه العمليات تمثل انتهاكا لهذه القواعد.
ويؤكد أن استهداف الطواقم الطبية أو منعها من أداء مهامها يندرج ضمن الأفعال التي قد تُصنف جرائم حرب، خاصة إذا جاءت في سياق واسع ومتكرر كما تشير الوقائع المعروضة.
بدوره، يرى أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، الدكتور رائد أبو بدوية، أن الإطار القانوني الدولي واضح لكن الإشكالية تكمن في ضعف آليات التنفيذ، حيث تستمر الانتهاكات رغم التوثيق المستمر من قبل المؤسسات الدولية.
ويشير إلى أن تحقيق المساءلة يتطلب تحركا سياسيا فعالا من المجتمع الدولي، يتجاوز الإدانة إلى خطوات عملية قادرة على فرض الالتزام بالقانون.
وتتسع دائرة النقاش لتشمل واقع الطواقم الطبية في الضفة الغربية، حيث تتحدث الفقيه عن عراقيل واعتداءات تعيق عمل فرق الإسعاف، بما في ذلك منع الوصول إلى المصابين أو التعرض للمركبات الطبية.