للقصة بقية 

غارات بلا حرب: إسرائيل تختبر عقيدة "المنع" على الجبهة اللبنانية

تواصل إسرائيل تنفيذ ما تصفه بـ”الضربات الاستباقية” على لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار، في مسار يعكس تحولا في عقيدتها العسكرية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، من الردع إلى منع التهديدات المستقبلية.

 

وأبقى هذا النهج الإسرائيلي -كما تظهر الوقائع الميدانية- لبنان تحت ضغط عسكري متواصل، وفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول قدرة اتفاق وقف إطلاق النار على الصمود.

وتشير معطيات بعثة الأمم المتحدة إلى أن متوسط الغارات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار بلغ نحو 51 غارة شهريا، ضمن أكثر من 10 آلاف انتهاك جوي وبري حتى أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تركز نحو نصفها جنوب نهر الليطاني.

كما شملت الضربات اغتيالات واستهدافات لمناطق سكنية وتوغلا بريا تمثل في احتلال 5 نقاط داخل الأراضي اللبنانية وبناء جدار يتجاوز الخط الأزرق، وهو ما اعتبره مكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة سياسات هجومية قد ترقى إلى انتهاكات للقانون الدولي.

ضغط متواصل

ويرى الخبير العسكري العميد حسن جوني أن إسرائيل تعتمد إستراتيجية ضغط متواصل تعتبر فيه أن "الوقت لصالحها"، معربا عن قناعته بأن تل أبيب "تحقق مكاسب يومية من دون الدخول في حرب شاملة".

ووفق حديث جوني لبرنامج "للقصة بقية"، فإن إسرائيل تبقي لبنان تحت النيران وتمنع النهوض والإعمار وتقيد الحياة الاقتصادية والاجتماعية، من دون أن تدفع كلفة الحرب أو تخضع لقواعد الاشتباك التقليدية، في ظل غياب مواجهة مباشرة من حزب الله.

ويشكل وجود القوات الإسرائيلية في 5 نقاط جنوب الليطاني خرقا للاتفاق، ورسالة ضغط مزدوجة على الحكومة اللبنانية وحزب الله، إذ يمثل -حسب الخبير العسكري- احتلالا قائما يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ سياسي وسيادي، في حين تستخدمه إسرائيل كورقة للقول إن "الانسحاب لن يتم إلا بعد ترتيبات وتفاهمات أوسع".

وكذلك، فإن هذا الوجود العسكري -وفق جوني- له "بعد نفسي موجه للمستوطنين في شمال إسرائيل من خلال إظهار أن الجيش موجود في العمق "لحمايتهم".

ومنذ فترة تتحدث وسائل إعلام إسرائيلية عن "استكمال" الجيش الإسرائيلي إعداد خطة لشن "هجوم واسع" ضد مواقع تابعة لحزب الله، إذا فشلت الحكومة والجيش في لبنان في تنفيذ تعهدهما بتفكيك سلاحه قبل نهاية 2025.

نمط عمليات مختلف

وميدانيا، لفت جوني إلى اختلاف نمط العمليات بين جنوب الليطاني، حيث تتركز الخروقات على الاغتيالات باستخدام المسيّرات، وبين المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي التي تتعرض لغارات شبه يومية، لا سيما في إقليم التفاح والنبطية وجزين.

وأشار إلى أن تكرار قصف مناطق سبق أن تعرضت لآلاف الغارات يطرح تساؤلات بشأن الجدوى العسكرية، معتبرا أن الغاية الأساسية باتت "إبقاء الضغط والسخونة والتأثير النفسي على السكان أكثر من تحقيق أهداف عسكرية جديدة".

من جانبه، رأى محلل شؤون الشرق الأوسط ريان بول أن الولايات المتحدة تنظر إلى وقف إطلاق النار باعتباره آلية لخفض التصعيد لا إنهاء النزاع، في ظل تصنيفها حزب الله "منظمة إرهابية".

وأكد بول -خلال حديثه لـ"للقصة بقية"- أن هذا الإطار يمنح إسرائيل -من وجهة النظر الأميركية- هامش "الدفاع عن النفس بطريقة استباقية"، وهو ما يفسر الضوء الأخضر الأميركي لاستمرار الضربات.

وكذلك، فإن استمرار حرب الاستنزاف يهدف أساسا إلى زيادة الضغط على حزب الله ودفعه للتخلي عن سلاحه، لكنه في الوقت نفسه يقوض سيادة الدولة اللبنانية وقدرتها على بسط سلطتها، حسب بول.

وحذر من أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ لا توجد ضمانات بأن استمرار الضغط سينجح في نزع سلاح الحزب، بل قد يؤدي إلى تفكك المشهد الأمني أو تعزيز موقع الحزب بدل إضعافه، مع كلفة اقتصادية ودبلوماسية وسياسية متزايدة على إسرائيل نفسها.

معضلات لبنانية

وتبرز في هذا السياق 3 معضلات رئيسية حسب حسن جوني هي:

  • نطاق حصر السلاح: هل يقتصر على جنوب الليطاني أم يشمل كامل الأراضي اللبنانية، وهي مسألة تركها الاتفاق بصياغات غامضة تبدأ بـ"جنوب الليطاني" من دون تحديد التوقيت أو الآليات اللاحقة.
  • عنوان التفاوض، وسط تباين لبناني داخلي بشأن ما إذا كان أمنيا فقط أم يتجاوز ذلك، مقابل حديث إسرائيلي صريح عن ملفات اقتصادية.
  • مسألة حصر السلاح نفسها، بين من يراها مطلبا سياديا لبسط سلطة الدولة، ومن يراها نتيجة حرب وإذعانا لإسرائيل، مع مخاوف من أن يؤدي فرضها بالقوة إلى صدام داخلي.

وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى صمود اتفاق وقف إطلاق النار مرهونا بتوازنات دقيقة داخل لبنان وبالتطورات الإقليمية خاصة ما ستؤول إليه الأوضاع في إيران، وفق الخبير العسكري.

المصدر: الجزيرة