
لايوش مارتن
|
مقدم الحلقة: | سامي كليب |
|
ضيف الحلقة: | لايوش مارتن: ضابط مجري |
|
تاريخ الحلقة: | 07/11/2003 |
– هروب لايوش مارتن من المجر وتحوله إلى عميل لأميركا
– سفره إلى فرنسا ومحاولاته اغتيال شارل ديغول
سامي كليب: لو كانت الهواتف النقَّالة متوفرة في نهاية الخمسينات لكان ضيفنا قتل الجنرال الفرنسي (شارل ديجول)، ولو أحسن التصويب في بداية الستينات لكان قتله أيضاً، فما الذي دفع الشاب المجري للمجيء إلى هنا، إلى فرنسا، وقتل سيدها آنذاك؟ أدعوكم بداية للتعرف على هذا الضابط المجري السابق في سلاح الجو المجري (لايوش مارتون).
ولد الضابط المجري السابق لايوش مارتون عام 31، شرقي هنغاريا وعند الحدود النمساوية، شارك والده في الحرب العالمية الأولى وكان مزارعاً، لايوش مارتون حلم بضرب الشيوعية في بلاده، أو بالهرب منها، ولذلك لم يتردد في التحول إلى عميل، أو جاسوس طوعي لفرع المصالح الأميركية في بلاده، فلماذا ناهض الشيوعية؟ ولماذا قرر اغتيال زعيم فرنسا؟ أي البلد الذي استضافه منتصف الستينيات؟
لايوش مارتون: على المستوى الشخصي لم يتعرض أهلي للقمع من أهل المدينة، فنحن كنا نعيش في القرية حيث كانت تصفيات الشيوعية أقل خطورة، وعلى كل حال فإن القمع لم يستمر أكثر من 133 يوم، ولكن كل المجر أو هنغاريا -إذا شئت- عرفت الوجه الحقيقي للشيوعية، ثم إن بلدي بعد اتفاقات (تريانوف) كان قد خسر ثلاثة أرباع أراضيه، وكانت المجر الأكثر تعرضاً للعقوبة بعد خسارة الحرب العالمية، ويمكنني أن أقول إن معظم المجريين كانوا منذ نشأتهم مناهضين للشيوعية.
هروب لايوش مارتن من المجر وتحوله إلى عميل لأميركا
سامي كليب: في الرابع من شهر نيسان/أبريل من العام 1949 قامت الولايات المتحدة الأمريكية كما هو معروف وكندا وبضعة أو بضع دول أوروبية بتأسيس حلف شمال الأطلسي، ما الذي دفعك أنت المجري الذي تعيش في جو شيوعي، إلى التعلق بهذه المؤسسة الغربية التي لم تكن تعرف عنها الكثير، ولا عن الغرب آنذاك؟
لايوش مارتون: شخصياً كنت أعتبر دول حلف الأطلسي حليفتنا المقبلة، والتي ستساعدنا على تحرير بلادنا من الشيوعية، وأنا منذ تلك الفترة ذهبت إلى قريتي بعد أن أصبحت ضابطاً، وكانت كل الحدود مغلقة ولم يكن باستطاعتي الهرب.
سامي كليب: هرب إذن لايوش مارتون من بلاده متخلياً هناك عن رتبته كضابط، وناشداً حرية كان يعتقد أن الغرب سيمنحه إياها، وخلال هروبه حصلت قصة شهيرة بينه وبين كلب الحراسة عند الحدود.
لايوش مارتون: إنها قصة تشبه الخيال، فمع وصولي ورفيق لي إلى الحدود نادتنا دورية مجرية، وأطلقت علينا النيران، فأصيب صديقي بما يشبه الشلل، ولم يعد قادراً على السير، قال لي: يا لايوش أهرب أنت وأنا سأحاول اللحاق بك بعد مغادرة الدورية، تركته وأسرعت راكضاً صوب القرية الحدودية، وكل كلاب القرية بدأت تنبح بسبب الرصاص والصراخ. واصلت الركض ودخلت إلى حديقة إحدى المنازل، وكان فيها حقل من الذرة، اختبأت هناك حتى الليل، وفجأة ظهر أمامي كلب من النوع الألماني الشرس، أعتقدت أنه تابع لحرس الحدود، لم أقوَ على التحرك وقلت انتهى الأمر، ولكن الكلب وفي حركة لا تصدق اقترب صوب يدي الممدودة له ولعقها، وكأني أنا صاحبه، فقلت في نفسي إنَّ القدر قد أسعفني مرة ثانية
سامي كليب: هل حاولت والدتك أن تبقيك في المجر؟
لايوش مارتون: لا أبداً، كانت حزينة، ولكن كما قلت لك كانت تعرف أني لو بقيت فسوف أموت، وتعلم أن الأمهات غالباً ما يتمسكن بأمل كبير، وأنا أيضاً كان لدي الأمل بأن أعود سريعاً كجاسوس للغرب والأطلسي، أو في حالة الحرب، ولكي أختصر لك فإني وصلت إلى الحدود، وساعدني أناس كثيرون من الذين كانوا مناهضين للشيوعية، واستطعت الهرب إلى الغرب.
سامي كليب: هرب لايوش مارتون من بلاده، ولكن قبل هروبه كان أعدَّ الأمر جيداً عبر اتصالات سرية مع السفارة الأميركية في المجر، كان قرر أن يصبح جاسوساً طوعياً لحلف شمال الأطلسي قبل أن يأخذه القدر إلى فرنسا، حيث قرر المشاركة في عملية اغتيال الجنرال (شارل ديجول)، ولكن هل كان قرار الجاسوسية شخصياً؟ أم أن أحداً اتصل به وأقنعه بذلك؟
لايوش مارتون: إن أحداً لم يكلفني بتلك المهمة، وإنما كانت بنت أفكاري، فأنا كنت واعياً تماماً للمخاطر المترتبة على قراري هذا، فمجرد التخاطب مع أي غربي يقيم في بودابست يتحدث الفرنسية أو الألمانية أو غيرها، يمكن أن تُعرِّض المجري للاعتقال كجاسوس للإمبريالية، وحينها قلت: إن في عملي السري هذا، الذي اخترته لنفسي، يمكنني أن أؤذي تماماً النظام الشيوعي، وأساهم في تحرير شعبي، وقلت إنه بما أني أصبحت ضابطاً، فإني سوف أسلم كل الأسرار العسكرية إلى الغرب، وفي هذا الإطار بالضبط انخرطت في الجيش المجري الشيوعي.
سامي كليب: مع.. بالرغم من إنك أقسمت أنك ستكون وفياً للجيش والنظام، ألم يكن في ذلك خيانة؟
لايوش مارتون: إن نص القسم للجندي المجري يقول: إنه يجب أن يقوم الجندي بكل ما في وسعه لأجل الشعب وهو لا يقول بضرورة الإخلاص مثلاً للنظام الشيوعي، أو الاتحاد السوفيتي، صحيح أنه كان يتم اختيارنا لهذا الهدف، ولكن نص القسم يسمح لنا بالتلاعب على الألفاظ، فيقول إن الجندي يجب أن يكون مخلصاً للمجر، وهذا ما احترمته تماماً.
سامي كليب: ولكن أول اتصال لك مع السفارة الأميركية ألم يكن خطيراً عليك؟ خصوصاً أن سفارة أميركية في بلد شيوعي، كان ينبغي أن تكون مراقبة من أجهزة الأمن، ولو قبض عليك كنت ستحاكم وربما ستعدم.
لايوش مارتون: إن الأمر خطر فعلاً، ولكني كنت متشوقاً لأن أقوم بشيء ما، وكنت بدأت أمتلك المعلومات، وكانت قوة داخلية تدفعني في هذا الاتجاه، وقلت لنفسي إنه في مثل هذا العمل السري والخطر يجب أن أكون لوحدي، وألا أخبر أحداً بسري، ويجب ألا أطلب مساعدة أحد، لأن الأمر كان سيعرضني للموت المحتم، صحيح أن آخر أمرٍ كان يجب أن أفكر به هو الدخول إلى سفارة غربية، ولكن لم أكن أملك أية وسيلة أخرى، ولو أردت فعلاً أن تصل معلوماتي السرية إلى الدول الغربية، فيجب أن أدخل إحدى السفارات، وقلت في نفسي تماماً كما يقول المثل الفرنسي: "إنه من الأفضل التوجه إلى الله بدلاً من مخاطبة قديسيه"، وتعرفون أن الولايات المتحدة كانت ترفع راية محاربة الشيوعية والاتحاد السوفيتي، ولذلك قررت الدخول إلى سفارتها، وتسليم المعلومات، ولم تكن هناك سفارة، وإنما ما يشبه القسم القنصلي، الذي كنا نسميه سفارة، وقد دخلت فعلاً في الثاني من أغسطس/آب عام 55.
سامي كليب: أخبرنا قليلاً عن أول اتصال، هذا الاتصال بالضبط كيف حصل؟ خصوصاً أني فهمت من كتابك الذي وضعته مؤخراً أن الأميركيين لم يثقوا بك أنت كضابط مجري جئت تسلم تقارير عسكرية؟
لايوش مارتون: في المرة الأولى دخلت في نهاية شهر تموز/يونيو، وكان يوم سبت، لم أكن أعلم كيف تعمل السفارة الأميركية، وقد اخترت يوم السبت لأنه كان يوم إجازة بالنسبة لنا كضباط مجريين، دخلت إلى السفارة الأميركية، ووجدت اثنين من الأميركيين، وكنت أتحدث إليهما بالمجرية، وكنت أتحدث الإنجليزية بشكل مقبول، قلت أريد أن أتحدث إلى الملحق العسكري، فأجابني أحدهما وهو يضحك: يا سيدي لا يمكنك هنا الحديث إلى الملحق العسكري لسببين، الأول لأنه يحق لك فقط التحدث إلى القنصل، أما السبب الثاني فهو أن شعبة المصالح الأميركية مفتوحة فقط من الاثنين حتى الجمعة، والمشكلة أنه كان معي تحت بزتي ملفاً سرياً، يضم أكثر من 50 صفحة، قلت في نفسي أني لو خرجت من السفارة الأميركية والملف تحت أبطي، فإني أكون قد حكمت على نفسي بالموت إعداماً، ومع ذلك خاطرت بالخروج وصممت أن أعود في الثاني من شهر آب، وهكذا فعلت، وسألت فوراً عن القنصل، فقيل لي إنه في الطابق الأول، فصعدت إلى هناك، ودخلت إلى غرفة أكبر بمرتين من هذه الشرفة، وجدت القنصل الذي لم أعد أذكر تماماً اسمه الآن، وكان بجانبه شخص آخر شكله يتراوح بين النساء والرجال، قلت له: يا سيدي القنصل، أنا ضابط في الجيش المجري، وقلت له أيضاً أنه لأسباب شخصية وبقناعة مني مناهضة للشيوعية والسوفيتية، أرغب بنقل معلومات إلى قيادة الأطلسي، وكنت قد سجلت سابقاً اسم الجنرال (جرونتير) الذي كان القائد الأعلى لقوات الأطلسي، والجنرال (هانز شبيدر) الألماني الذي كان يقود قوات وسط أوروبا، والواقع أن وجه القنصل لم يعبر عن أي انفعال، تماماً كوجهك الآن، فلم يظهر عليه أي تأثر تماماً كما يفعل الدبلوماسيون، وكان يكبرني بما يقارب العشر سنوات، قال لي: يا سيدي أنا لا أستطيع أن أتسلم منك معلومات سرية عسكرية أو اقتصادية، فأنا القنصل الأميركي، ومسؤولٌ عن 500 مواطن أميركي يعملون في الصناعة هنا في المجر.
سامي كليب: لأنه طبعاً كان.. كان قلق، وكانت لديه شكوك حول طبيعة هذا القدوم المفاجئ من قِبَل ضابط مجري إلى السفارة الأميركية.
لايوش مارتون: تماماً أعتقد أنه شعر وكأن فيلاً قد دخل إلى مكتبه، ولكني تأثرت وقلت له إني لم آتِ إلى هنا من أجل المال، وإنما بسبب قناعتي، وحينها أظن أنه قال في نفسه، على كل حال أنا لن أخسر شيئاً حتى لو كان في الأمر انتحال، في تلك اللحظة بالضبط أخرجت الملف السري من تحت سترتي وقلت له يمكن أن تفحصه ملياً وتدرسه مع الملحق الجوي، وسوف ترى أنِّي على حق.
سامي كليب: ما الذي كانت تتضمنه هذه التقارير تحديداً؟
لايوش مارتون: كل الهرمية العسكرية، وأشكال التنظيم والوضع العسكري، والطائرات والمطارات، فأنا كنت منتمياً إلى سلاح الجو المكلف بالإشراف على عمليات التدريب القتالية، وكما قلت لك سابقاً فأنا كنت مسؤولاً آنذاك عن كل المقاتلات الجوية، أي أنه لو وقعت الحرب لكنت مكلفاً بالخندق الأمامي، كنت أعلم أن المعلومات السرية التي أنقلها مهمة جداً، ولذلك طلبت من القنصل أن يفحصها جيداً، واعتقدت أن القنصل سيقول لي آنذاك: يا سيدي خذ معلوماتك واخرج من هنا ولا تعود أبداً، ولكنه أخذ الملف وقال إنه في جميع الأحوال لم يتعرض لأي سوء، ذلك أنه يحق لأي مواطن كان أن يدخل إلى السفارة الأميركية، وإن من يدخل مسؤول عن نفسه، ولما استلم مني المعلومات سألته: يا سيادة القنصل هل تسمح لي أن أعود مرة ثانية؟ فسارع إلى الإجابة: نعم، يمكنك أن تعود حين تشاء ومتى تريد؟
سامي كليب: في الواقع هناك سؤال يعني لا.. لابد من طرحه بالنسبة لهذه القضية، يعني كيف أن ضابطاً مجرياً يدخل من نظام شيوعي إلى سفارة أميركية عملياً متهمة بالتجسس، وسفارة مراقبة، ولا يقبض عليك، وتذهب ثلاث مرات، وتقدم ثلاثة تقارير إلى الأميركيين، كيف لم يقبض عليك في المجر؟
لايوش مارتون: ربما لو أني كنت أدخل إلى السفارة الأميركية كل يوم لكان تم اعتقالي، ولكن زياراتي كانت متباعدة، ثم في إحدى المرات سألت القنصل عما إذا كانت هناك فعلاً عمليات مراقبة وتصوير أمام مبنى السفارة، فقال لي نعم كانت موجودة ولكننا اعترضنا بشدة على ذلك، وقد أوقفوا المراقبة القاسية أو خففوها، ويمكنني أن أكشف لك سراً اليوم، فأنا قبل ثلاث سنوات من الآن اتصلت بالاستخبارات..
سامي كليب: مع الاستخبارات الهنغارية المجرية؟
لايوش مارتون: نعم، ذلك أن هنغاريا تحررت منذ التسعينات، وفيها اليوم نظام غربي ديمقراطي بأحزاب متعددة، إذن كتبت رسالة إلى وزير الدفاع، ثم التقيت شخصياً بالجنرال المكلف بالاستخبارات وطلبت منه أن يتصل بالأميركيين لكي يؤكد للهنغاريين قصتي مع حلف شمال الأطلسي، فقال لي يا سيد مارتون أننا لسنا بحاجة إلى الأميركيين لنتأكد من أن ما قلته في تقاريرك الثلاثة كان الحقيقة بعينها.
سامي كليب: رغم كل ما قدمته من خدمات للأميركيين وهذه التقارير الثلاثة ثم محاولة الاتصال بهم حين جئت إلى فرنسا، لم تحصل على أي جواب من الأميركيين، يعني هم تخلوا عنك نهائياً، ما هو السبب؟
لايوش مارتون: هذا هو السبب الذي جعلني آتي للإقامة في فرنسا، فقد كان لي الخيار حين هربت من المجر بأن أذهب إلى ألمانيا أو كندا أو أستراليا، ولكن السبب الوحيد الذي جعلني آتي إلى فرنسا عام 1956 هو أن مقر قيادة أركان الأطلسي كان قرب باريس، وقد وصلت إلى نانسي، واتصلت تماماً كما أروي في كتابي، اتصلت بالقاعدة الجوية الأميركية التي كانت تضم المقاتلات الذرية، وطلبت لقاء قائد القاعدة، قلت في نفسي إنهم ربما سيرسلون ضابطاً صغيراً للقائي، فوجئت بأن الكولونيل (سبيس) الذي يقود القاعدة هو الذي استقبلني وأوصلني فيما بعد بمكتب مكافحة التجسس الأميركي، وخلال أسبوع كامل شرحت ما كنت قد كتبته في تقاريري وطلبت أمرين..
سامي كليب: الأمر الأول أين هي التقارير، والثاني؟
لايوش مارتون: نعم، الأمر الأول هو أن يتم التعرف إلى الشخص الذي كان يستقبلني أثناء تسليم التقارير، والثاني هو معرفة مصير تلك التقارير، فقال لي الضابط الأميركي: يا سيد مارتون إن معرفة مصير التقارير ممكن في خلال يومين، أما اسم القنصل الذي كان يستقبلك ففي الأمر صعوبة كبيرة اليوم، وهذا ما صدمني في الواقع، ذلك أنني كنت أعتقد بأن العثور على القنصل أسهل، فقد كان يكفي مثلاً الاتصال بوزارة الخارجية الأميركية والقول لها إن السيد (جون سميث) مثلاً كان القنصل الأميركي في بودابست، فأين أصبح اليوم، لقد استغربت ذلك وقلت في نفسي إنه لو أني طلبت آنذاك مائة ألف دولار على التقرير الواحد لربما كنت حصلت عليها من الأميركيين، وكانوا قالوا إنهم اشتروني، ولكني تصرفت بقناعتي، وأنا متأثر جداً من موقف الأميركيين وتصرفهم معي، تصور أنه رغم كل ما قمت به وخاطرت بحياتي لأجل إنقاذ بلدي ولأجل الغرب ورغم كل الخدمات التي أديتها للأميركيين والأطلسي فإني لم أتلقَّ حتى كلمة شكر، وحينها اتصلت بالسفارة الأميركية في باريس وشرحت للملحق العسكري السيد (بيكتيل) كل قصتي، قال إنه سيتصل بمركز الاستخبارات العسكرية الأميركية الموجود في فرانكفورت ولكن حتى الآن لم أحصل على أي جواب رغم أنهم قالوا لي: إن جواباً سيصلني في خلال أسبوعين.
سامي كليب: يعني باختصار حتى اليوم لم تحصل على أي جواب من قبل الأميركيين
لايوش مارتون: أبداً.. أبداً.
سامي كليب: ولا حتى الشكر؟
لايوش مارتون: لا.. لا وكأني غير موجود.
سامي كليب: لدينا الانطباع إن هذا أثر عليك نفسياً كثيراً.
لايوش مارتون: نعم، إني شعرت بشيء أسوأ من الخيانة، إنه استغلال وتخلي عني.
سفره إلى فرنسا ومحاولاته اغتيال شارل ديغول
سامي كليب: الأميركيون استغلوه ولم ينصفوه، وهو يحمل اليوم مرارة الصدمة، ويعتبر أن في الأمر خديعة، ولكن ما الذي دفعه لمحاولة اغتيال الجنرال (شارل ديجول)، كيف أن الضابط المجري أراد قتل زعيم البلد الذي استقبله، هذا ما سيطلعنا عليه لايوش مارتون بعد أن نرى وإياه ذكرياته في هذه الصور.
لايوش مارتون: هذه أولاً صور لعمليات تدريبي على القفز بالمظلات، في أي سنة؟ نعم، في عام 61 كان ذلك في فرنسا ويظهر معي هنا هنغاري آخر، هو السيد (فارجا)، كنا في الواقع ثلاثة هنغاريين على الأقل من الذين حاولوا اغتيال الجنرال ديجول (ساري) ،(فارجا)، وأنا.
سامي كليب: ساري، فارجا، وهو (لايوش مارتون) هم الذين نفذوا إذن محاولة، لا بل محاولات اغتيال الجنرال شارل ديجول وهو ما سيخبرنا عنه بعد قليل.
لايوش مارتون: هنا أنا مع (بيريه فيزيه)، وهو الذي قام بأول محاولة لاغتيال ديجول، وكان ذلك في شهر سبتمبر عام 61، وهذه صورة السجن في (ليل دوريه)، وكان بيريه فيزيه مصورنا الرسمي -إذا صح التعبير- في السجن، فهو التقط لنا ما لا يقل عن 4500 صورة.
سامي كليب: 4500 صورة ذكريات كثيرة عن السجن، فالضابط المجري كان نوعاً من المرتزقة الذين وظَّفهم الضباط الفرنسيون الناقمون على الجنرال شارل ديجول بسبب تخليه عن الجزائر، ولكن أنت سيد مارتون، هل كنت تعرف شيئاً عن هذه الجزائر؟
لايوش مارتون: أنا لم أكن قد زرت مطلقاً الجزائر ولكني تضامنت مع الضباط الفرنسيين الذين كنت تصادقت معهم بعد قصتي في هنغاريا وهروبي، وكنت أعتقد أن ثمة علاقات تاريخية بين الجزائر وفرنسا منذ أكثر من 130 عام، لم أظن أن الاحتلال هو من ذلك النوع السوفيتي الذي فُرض على هنغاريا، ثم أنني ظننت أن من كانوا يسمون بالأقدام السوداء أي ذوي الأصول الفرنسية في الجزائر لم يكونوا مستعمرين، كانت هناك مشاكل كثيرة بين إفريقيا وفرنسا، وأنا كنت أعتبر أن الجزائر ستصبح عاجلاً أم آجلاً مستقلة، تماماً كما أقول إن أكراد العراق يجب أن يستقلوا اليوم، أنا لا أقول ذلك لأنك لبناني، وإنما لقناعتي بأن كل دولة يجب أن تكون حرة وكل شعب مستقل، وأنا أفكر اليوم، خصوصاً بالشعب الفلسطيني.
سامي كليب: إذن بالنسبة لك لم تكن مسألة متعلقة باحتلال فرنسا للجزائر؟ وإنما بالدفاع عن فرنسا، لم تكن تعلم بكل الفظائع التي كانت ترتكب هناك.
لايوش مارتون: أنا كنت أريد على مستواي الشخصي أن تصبح فرنسا قوية وجديرة باسمها وسمعتها.
سامي كليب: بالنسبة لك يعني كنت تريد أن تكون فرنسا قوية حتى لو احتلت دولة أخرى، حتى ولو قمعت شعباً يريد تحرير نفسه؟
لايوش مارتون: لا، أنا كنت أعرف ماذا يحصل في الجزائر منذ عام 54 ولكني كنت آسف أيضاً أن الوضع يتدهور هناك بشكل كبير، وكنا كضباط آنذاك نعتبر أن خلف جبهة التحرير الجزائرية، تقف قوة كبيرة هي موسكو، وهذا ما أعتبره حتى اليوم صحيحاً، لا أعتقد أن الاتحاد السوفيتي كان مهتماً بتحرير الشعب الجزائري، فهو نفسه كان يمنع شعوباً كثيرة من التحرر، ولكن موسكو كانت تعتقد أن ما يحصل في الجزائر سيخدم مصالح الاتحاد السوفيتي، ولذلك يجب إضعاف الغرب لكي يخرج الاتحاد السوفيتي رابحاً من تلك المجابهة.
سامي كليب: طبعاً بالنسبة لمسألة الجزائر هناك شعب كان يريد تحرير نفسه والبعض يقول أن الأقدام السوداء كان يجب أن يبقوا هناك، ولكن هذا الشعب كان يريد حريته ولا يريد أي دولة محتلة ولذلك قتلهم، ولكن بالنسبة للجنرال شارل ديجول، إذن من هذه اللحظة حين قرر أن يتخلى عن الجزائر وألا تبقى فرنسية، بدأت بالتخطيط لقتله مع مجموعة من العسكريين الفرنسيين وأيضاً مجريين، كيف حصل ذلك؟ وتحديداً محاولتي الاغتيال اللتين شاركت بهما؟
لايوش مارتون: في المرة الأولى تعلمون أنه كانت هناك محاولتان فعليتان قاربتا النجاح، الأولى وقعت في شهر أيلول عام 61، وحينها لم أكن أعلم بكل الاجتماعات التي حصلت، وكنت في دورة تدريبية على القفز بالمظلات، وهناك في الدورة علمنا بالمحاولة ضد ديجول، وكان الضابط (بياست تاري) المُخطِط وكان يلقب باسم (جيرمال)، وفي شهر آذار من عام 62 فإن الجنرال (أ .د) وأنا لا أريد أن أقول اسمه الكامل لأنه لا يزال على قيد الحياة وطلبت منه إذا كنت أستطيع ذكر اسمه فقال لي إنه لا يفضل ذلك وأنه بعد موته سيتم نشر مذكراته التي كتبها ووضعها في درجه، إذن قال لي الجنرال (أ.د) نعلم أنك تدربت على القفز بالمظلات ونعلم تاريخك في المجر، ويمكننا أن نعتمد عليك وهم طبعاً كانوا أعدوا ملفاً عني قبل الاتصال بي، وقال لي: أنت في رأس القائمة، ولو كانت لدينا مهمة كبيرة الأهمية فسوف نتصل بك للمشاركة، وبالفعل بعد حوالي ست أسابيع اتصل بي وقال: إننا نُعدُّ عملية قد تغيِّر الأوضاع في فرنسا، وهي معدة بشكل جيد، وربما تكون كبيرة الخطورة، فكر جيداً هل أنت موافق؟ قلت له فوراً إني موافق.
سامي كليب: قال لك عُد غداً بعد أن تفكر جيداً فقلت له أنا.. فقلت له أنا مستعد حالاً.
لايوش مارتون: نعم، قال لي خذ يوماً أو يومين للتفكير، ثم عُد وأعطني جواباً، فقلت له فوراً: أنا موافق بالنسبة لهذه المهمة، فقال لي: حسناً سوف اتصل برجال الكوماندوز الآخرين وأوصلك بهم، ولكني أقول لك منذ الآن إنك رابع الضباط المظليين، فسألته عما إذا كنا فقط أربعة؟ فأجابني: لا أستطيع أن أقول لك أكثر الآن فسوف نعلمك بالتفاصيل، وهذا ما حصل فعلاً بعد فترة، حيث تم إيصالي بالسيد بيريه فيزيه الذي كان قد شارك سابقاً بمحاولة الاغتيال ضد ديجول في المرة الأولى وكان آنذاك هارباً من وجه العدالة منذ وقوع العملية.
سامي كليب: عام 1961.
لايوش مارتون: نعم، في شهر أيلول عام 61 وقد تم اقتيادنا إذن إلى غرفة كبيرة وكانت هناك أمامها سيارات صغيرة تابعة للكولونيل (ماكس) الذي شرح لنا أن في السيارات أسلحة أتوماتيكية يمكن استخدامها في كل الاتجاهات، وكان بيريه فيزيه يتولى التنسيق.
سامي كليب: قال لكم إنكم بصدد الإعداد لقتل الجنرال ديجول.
لايوش مارتون: بالضبط، فمع الاجتماع الأول طرح ماكس السؤال على الجميع، هل أنتم مستعدون وبشكل طوعي للقيام بمهمة خطرة وهامة؟ قلنا: نعم، قال أقسم بالإخلاص والسرية والطاعة، رفعنا أيدينا جميعاً، وقيل لنا إذا كان أي شخص لا يريد القبول بالمهمة، فليقل ذلك الآن قبل القيام بها، ويمكنه المغادرة، ولكن منذ اللحظة التي تؤدون فيها القسم فإنكم سوف تعرفون كل التفاصيل، وهذا ما حصل فعلاً.
سامي كليب: بعد الإعداد ما الذي حصل؟ مباشرة ذهبتم لقتل الجنرال؟
لايوش مارتون: الهدف المباشر إذن كان قتل الجنرال ديجول، وكان قد تم وضع خطة مفصلة للقيام بحركة التمرد، بحيث أنه حين يقتل الجنرال ديجول، تقوم حكومة إنقاذ وطني تضم عسكريين وسياسيين منهم مثلاً (سوستيل) و (بيدو) و(لاكوست)، وغيرهم من العسكريين والتقنيين ورجال الاختصاص الذين يكونوا قد استولوا على السلطة وأقاموا النظام العسكري ويتم إعدام كل الذين يعتبرون ضد الثورة وفرنسا أو تتم محاكمتهم عسكرياً.
سامي كليب: الضابط لايوش مارتون وأربعة من رفاقه قرروا إذن اغتيال ديجول، في المرة الأولى فشلوا لعدم التنسيق وفي المرة الثانية فشلوا لانقطاع الهاتف، وثالثة ورابعة، سبع عشرة محاولة فشلت حتى نجح المتآمرون في العثور على ضابط مقرب من شارل ديجول قدم لهم كل المعلومات حول تنقلات الجنرال، حينها فقط وقع شارل ديجول تحت نيرانهم وكان ذلك في الثاني والعشرين من شهر آب من العام 1962، ولكن الجنرال نجا هذه المرة أيضاً بأعجوبة، كيف؟
لايوش مارتون: كانت مهمتي هي أن أنزل مع بيريه فيزيه الأول يغطي الثاني، والثاني يتقدم صوب سيارة ديجول، وإذا ما فوجئنا بمقاومة رجال الشرطة فإننا نقتلهم أو نجرحهم، كانت الأوامر واضحةً بالنسبة لنا، يجب ألا نخطئ رجال الشرطة لو قاومونا، لأنهم كانوا سيقتلوننا قبل أن نغتال ديجول، وكنا تدربنا أشهراً عديدة على إطلاق الرصاص في كل الاتجاهات، باليد اليمنى أو اليسرى، وقوفاً أو انبطاحاً، إذن ترجلت من السيارة، سحبت رشاش، وهممت بإطلاق الرصاص على السيارة، ولكن كما تعلمون ففي وضع كهذا فإن الغريزة والعادات المكتسبة هي التي تتغلب على ما تدربنا عليه، فأنا أستخدم عادة يدي اليسرى، ولكن هذا لم يكن السبب في عدم إطلاق الرصاص، الواقع أنه كان بحوزتي رشاش تومسون، ولم أكن أعرفه تماماً، خصوصاً أن بعض تقنياته مقلوبة تماماً.
سامي كليب: الممشط لم يكن من تحت، من فوق.
لايوش مارتون: الممشط من تحت، ولكني كنت تدربت على بعض الرشاشات ذات الممشط الجانبي، ولكن المشكلة كانت في عملية التلقيم وليس الممشط، وكان يجب أن ألقِّم الرشاش من اليمين، فلم أنجح، بحثت من جهة الشمال ولم أجده.
سامي كليب: ولكن هل كان عامل الخوف، عامل القلق، عامل الاضطراب؟
لايوش مارتون: لا، تعلمون أنه في هكذا لحظات يكون المرء في حالة ثانوية، تماماً كالذي يتردد كثيراً حين يريد القفز بالمظلة، يقول: لا.. لا لن أقفز، كان همي في تلك اللحظة أن أخرج سريعاً من السيارة، وأبدأ بإطلاق الرصاص فوراً على سيارة الجنرال ديجول، ولكن للأسف في محاولتي البحث عن عملية التلقيم أضعت ما يقارب الثانيتين، وكانتا كبيرتي الأهمية، كانت السيارة تسير بسرعة مائة وثلاثين كيلو متر في الساعة، وحين وجدت آلة التلقيم صوبت جيداً، وأطلقت مرتين بشكل متوازن جداً كي لا يسقط الرشاش.
سامي كليب: ولم تصب إلا الدواليب؟
لايوش مارتون: نعم، كان لديَّ رشاش من نوع 45 الأميركي، وقد اكتشف المحققون فعلاً أن الرصاصات التي أصابت دواليب سيارة الجنرال ديجول كانت من النوع نفسه، وإنه عقاب قاسي جداً أن يفقد المرء حياته من أجل دواليب سيارة.
سامي كليب: مرة أخرى الجنرال ديجول نجا من الموت، لم يصب بأي أذى، متى علمت أنه لم يُقتل، وكيف كان شعورك لأنك أخطأته مرة جديدة؟
لايوش مارتون: عدنا صوب باريس، وغيرنا سيارتنا، وركبنا في سيارة صغيرة من نوع فيات، والتي تشبه البيجو الصغيرة.
سامي كليب: أيضاً أصيبت بعطل تقني.
لايوش مارتون: صحيح، فهي لم تشأ أن تدور، تخيل المنظر، نحن مسلحون في سيارة لا تدور، بدأنا بدفع السيارة، قال لنا (فارجا) الذي كان يقود السيارة: لا تجزعوا، فهي سوف تدور بعد لحظات، وهذا ما حصل فعلاً.
كان المشهد التالي غير قابل للتصديق حيث وصلنا إلى باريس عبر بوابة فيكتور حيث توجد وزارة الطيران ووجدنا أن كل إشارات المرور حمراء، وبدا لنا باص الشرطة.
سامي كليب: ولكن في هذه.. في هذه الأثناء تركتم الموقع، وتعتقدون أن الجنرال قد قُتل؟
لايوش مارتون: غادرنا والشكوك الكبيرة تساورنا، فقد كنا نعلم منطقياً أن السائق لم يقتل ولم يجرح، ثم أن سيارة ديجول كانت لا تزال قادرة على السير رغم أنها كانت تترنح قليلاً، وعلمنا أن دولابين من دواليبها قد أُصيبا بالرصاص، الدولاب الأمامي من اليسار والدولاب الخلفي من اليمين، ولكنا فكرنا بأن كل ركاب السيارة يمكن أن يكونوا قد قُتلوا، لأننا أفرغنا فيها مائة وخمسين رصاصة.
سامي كليب: هل كانت مصفحة؟
لايوش مارتون: أنا تساءلت: هل جرح الجنرال ديجول أم قتل؟ لم نكن نعرف، عدنا إلى باريس، وكانت الأسلحة لا تزال بحوزتنا، فوجئنا بباص الدرك، وكانت فيه حوالي عشر في الداخل وعشرة أشخاص في الخارج، وكان هناك حاجز، وكان أمامنا سيارتان مدنيتان، كانت الساعة قاربت التاسعة مساءً، جاء ضابط الدرك ليفتش السيارة، توقف أمام السيارة الأولى ثم الثانية، وكاد يصل إلينا.
كانت الأسلحة على أرجلنا وفي أحضاننا، لم نكن قادرين على تخبئتها في تلك اللحظة، وأنا كنت من الجهة اليسرى خلف السائق، رأينا الضابط يطلب الأوراق من السيارات التي أمامنا، اقترب منا وكانت إشارات المرور كلها حمراء.
سامي كليب: وكان يمكن أن.. أن يشاهد الأسلحة بسهولة يعني؟
لايوش مارتون: كان يمكن أن يشاهدها تماماً كما لو أننا في أستوديو سينما، قال كل واحد منا: إن محاولة اغتيال الجنرال ديجول ليست شيئاً أمام الذي ينتظرنا الآن، لم نكن قادرين على تخبئة السلاح، وقف الضابط إلى جانبنا رأى كل شيء، قلنا إن سيطلب منا الأوراق ويطلب من رفاقه اعتقالنا، ولم يكن بإمكاننا أن نأخذه رهينة لأن سيارتنا لم تكن بالأصل تتسع لنا جميعاً.
لم نكن قادرين على وضع هرة بيننا، فكيف بضابط كبير، لم يطلب شيئاً، تساءلنا عما إذا كان عامل الخوف هو الذي منعه.
سامي كليب: ولكن بعد الاعتداء على ديجول لماذا لم ترموا السلاح أو على الأقل تخفوه في مكان ما؟
لايوش مارتون: لقد تعمدنا الحفاظ على مسدساتنا وبعض الرشاشات، لأننا قلنا إننا سنخوض المعركة حتى نهايتها، وكنا نعرف أنه ما إن يشاع خبر محاولة الاغتيال حتى تمتلئ باريس وضواحيها برجال الشرطة، وهذا ما حصل، لذلك قررنا الحفاظ على سلاحنا وعدم تسليم أنفسنا مهما حصل حتى لو تطلب الأمر حرباً كاملة وهذا ما منعنا من أن نتفرق، وقلنا إنه لو تعرضنا لحواجز فسوف نهاجمها، هنا إذن أعود إلى القصة، فالضابط اقترب منا ورأى كل شيء ولم يقل شيئاً، نظر إلينا ثم عاد إلى موقعه، قلنا إنه لم يطلب شيئاً لكي يطلب من رفاقه المساعدة، ولكن لم يفعل ذلك ربما بسبب الخوف.
سامي كليب: هل كان في منظمة الجيش السري؟
لايوش مارتون: ربما كان كذلك ومتعاطف معنا، أو أنه اعتبر أننا رجال مخابرات، عاد إذن صوب رفاقه قلنا إنه سوف يستعيد شجاعته ويقول: اوقفوا هذه السيارة، انتظرنا.. انتظرنا، قلنا: هل نعود إلى الخلف؟ حينها صارت إشارة المرور خضراء انطلقنا بهدوء تام وليس على الطريقة الأميركية، لم نشعر أبداً بالخوف، أعتقد أن الخوف يأتي فيما بعد.
سامي كليب: نجا الجنرال وبعد فترة اعتُقل المنفذون، اختبأ لايوش مارتون عاماً كاملاً ثم سقط بأيدي المحققين، أُعدم قائد المجموعة، وحوكم خمسة آخرون وبينهم مارتون بالإعدام، لكن بعد سنوات تم العفو عنه حين كان ديجول بدأ يعيش وضعاً صعباً في فرنسا، لايوش مارتون يضع حالياً كتاباً ويؤكد فيه أنه ليس نادماً على شيء لا على التجسس ولا على محاولة اغتيال الجنرال شارل ديجول.
لايوش مارتون: أكذب عليك لو قلت لك إنه من الأفضل أن الجنرال لم يمت، فأنا حتى في كتابي وحين سألني صحفي: هل يمكنني أن أقول لك إنك لست نادماً على ما قمت به؟ قلت له: نعم، يمكنني قول ذلك، فأنا لست نادم، لأنه في الظروف التي عشناها عام 62 فلو لم يكن ديجول لكان أي شخص آخر، وأي ديمقراطي آخر كنا مضطرين القيام بما قمنا به.
أنا غادرت هنغاريا عام 56، وكان لي من العمر 25 عام، كنت محفوفاً بأمل التغيير والتحرير، وأنا أعيش اليوم في فرنسا بدون ندم على شيء، أعيش فيها منذ حوالي النصف قرن، وأمضيت ثلثي حياتي هنا، وتزوجت فرنسية، ولي ثلاثة أولاد، ولكني أشعر الآن بأني مرتاح في فرنسا أكثر مما كان يمكن أن يكون عليه الأمر في المجر.
سامي كليب: هل عدت وشاهدت أمك بعد مغادرتك المجر؟
لايوش مارتون: لا.. لا.
سامي كليب: لايوش مارتون الذي بات حديث التلفزات الفرنسية حين كشف تفاصيل محاولاته اغتيال ديجول، لم يستطع أن يشاهد أمه منذ مغادرته بلاده، هي ماتت في غيابه، لم يحقق مارتون لها حلمها في أن يعود إلى المجر محرراً، ماتت تماماً كما ماتت في بلاده وبغيابه الشيوعية، أمه لن تعود، أما الشيوعية فمن يدري؟