
حرب هرمز.. هل يتحول الانتصار العملياتي إلى هزيمة إستراتيجية؟
فبعد خمسة أسابيع من المواجهات المدمرة، انحسرت أهداف الحرب التي بدأت بالحديث عن إسقاط النظام السياسي الإيراني وتحرير الإيرانيين ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي، في السيطرة على نفط إيران والتحكم في مضيق هرمز الذي تحوَّل إلى ما يشبه السلاح النووي خلال هذه الحرب.
فعبر هذا الممر المائي الضيق، يمر خُمس استهلاك العالم من النفط يوميا، وثلث استهلاكه من الغاز المسال، وأيضا ثلث استهلاكه من الأسمدة الزراعية، وهو ما جعله أشبه بعنق زجاجة الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضا
list of 3 itemsوحسب حلقة (2026/04/1) من برنامج "محاولة فهم" على منصة 360، فقد قال المؤرخ الأمريكي ألفريد ماكوي إن ما يحدث الآن في مضيق هرمز "يشبه لحظة السويس"، وإنه "سيشهد نهاية الهيمنة الإمبراطورية، وسيختبر قدرة العسكرة الصغرى واستخدام أدوات أقل كلفة لمواجهة القوى العظمى".
ففي مقال بعنوان "لعنة هرمز.. من يربح حرب المضيق؟"، قارن ماكوري ما تقوم به إيران في المضيق بما حدث عندما أمَّم الرئيس المصري جمال عبد الناصر قناة السويس عام 1956، وما ترتب على ذلك من عدوان ثلاثي على مصر، انتهى بسيطرة القاهرة على القناة رغم الضربات العسكرية العنيفة التي تلقتها من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.
ويقول أستاذ دراسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري إن أهمية هذا المضيق ليست وليدة اليوم، لأنه كان بؤرة للصراع منذ القرن السادس عشر عندما اكتشف البرتغاليون أهميته وسيطروا عليه أكثر من 100 عام، حتى أخرجهم التحالف البريطاني الصفوي عام 1630.
ويضيف الزويري أن أهمية مضيق هرمز ظهرت لاحقا عندما قرر البريطانيون خلق ما عُرفت بالبحيرة البريطانية في منطقة الخليج بداية القرن التاسع عشر، ليصبح المضيق ومنطقة الخليج محور صراع عالمي قبل دخول عصر النفط.
وطيلة هذه القرون لم يحاول طرف بعينه السيطرة على المضيق، وكان يُدار عبر تعاون جماعي، ثم تحوَّل إلى سلاح خلال الحرب الحالية، إذ يحاول الإيرانيون إدارته بطريقتهم، ويفكر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في السيطرة عليه.
خنق الاقتصاد العالمي
ويقول خبير السياسة النقدية والاقتصاد السياسي خالد الخاطر إن أهمية المضيق تكمن حاليا في قدرته على خنق حركة الطاقة العالمية بما لها من تداعيات، مشيرا إلى أنها تسري في كل أوصال الاقتصاد العالمي القائم على النفط والغاز بالأساس.
ويضيف الخاطر أن خطورة إغلاق المضيق لا تقف عند صادرات الطاقة فقط، لكنها تمتد إلى كل واردات دول الخليج تقريبا وفي مقدمتها الطعام، وهو ما يؤكد تأخر هذه الدول في خلق حالة كاملة من التكامل الاقتصادي والسيادي.
والأخطر من ذلك أن إغلاق المضيق خنق إمدادات الأسمدة على نحو يهدد الإنتاج الزراعي العالمي، وربما ينتهي بزعزعة الاستقرار الاجتماعي خصوصا في الدول الأكثر فقرا، برأي الخاطر.
ولم يكن الوصول إلى هذه اللحظة الخطرة نتيجة قوة إيران بقدر ما كان نتيجة سوء تقدير الأمريكيين، الذين نجحوا عسكريا بإلحاق خسائر كبيرة بإيران، لكنهم فشلوا إستراتيجيا بسبب صلابة الإيرانيين في الحرب، وفق أستاذ الدراسات الأمنية النقدية الدكتور عمر عاشور.
فالسيطرة على المضيق حاليا سيحددها الميدان وليست القوة، حسب عاشور، الذي لفت إلى خبرة الإيرانيين في استخدام الجغرافيا والاقتصاد العالمي سلاحا فعالا في هذه الحرب، بما لها من جزر تمكنها من خنق الملاحة في هرمز عبر التهديد، وهو ما نجحت فيه حتى الآن.
وهذه الرغبة الإيرانية في إدارة المضيق ليست وليدة اليوم، فقد أظهروها في حرب الناقلات التي جرت خلال حربهم مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، والتي يقول الزويري إنهم لم يكونوا يواجهون خطرا وجوديا كما هي حالهم اليوم.
لكن الولايات المتحدة تعاملت مع هذه الرغبة باستخدام القوة المفرطة، ومع ذلك فشلت في فك قبضة إيران عن المضيق، برأي الزويري، الذي يعتقد أن ترمب اكتشف الآن جدية الإيرانيين في هذا الأمر بدليل أنه قصف كل قدراتهم العسكرية الساحلية.
أما حديث ترمب عن احتلال جزيرة خارك الإستراتيجية المطلة على المضيق من أجل السيطرة عليه فقد يكون ممكنا ابتداء، لكنه ليس قابلا للاستمرار لأن قواته ستكون كلها في مرمى النيران الإيرانية بمختلف أنواعها، حسب عاشور، الذي قال إن الإيرانيين يتدربون على هذه اللحظة منذ سنوات.
ليس هذا فحسب، فقد بدأ الإيرانيون بإرسال آلاف المواطنين للدفاع عن الجزيرة، كما فعلوا خلال حربهم مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، لأنهم يرون أن ترمب "قد دخل غرفة نومهم وعليه دفع الثمن"، كما يقول الزويري.
إمبراطورية قلقة
وبالنظر إلى هذه المقدمات، تبدو الولايات المتحدة إمبراطورية قلقة وصلت إلى ذروة القوة والثراء، ومن ثَم فهي مقبلة على التراجع مقابل الصعود الصيني، الذي يقول الخاطر إن هذه الحرب تمثل محاولة للحد منه.
فقد ذهب ترمب للسيطرة على نفط فنزويلا لضرب الصين، وهو الآن "يحاول السيطرة على نفط إيران أيضا بطريقة السطو، وبطريقة ربما تدمر كل ما بنته دول الخليج خلال المئة عام الماضية، وتحويلها إلى مجرد حقول نفطية تديرها واشنطن تحت حماية إسرائيل"، وفق الخاطر.
فمن بين الأمور التي كشفتها هذه الحرب -برأي الخاطر- أن الولايات المتحدة "تُغلّب مصلحة إسرائيل على مصلحة الخليجيين"، وأن "المظلة الأمريكية ليست جادة"، وأن "الأسلحة التي تم شراؤها لا تصلح إلا للعروض العسكرية فقط".
بل إن وزير المالية الأمريكي قال ما معناه إن الصناديق السيادية الخليجية "تُعَد مملوكة للولايات المتحدة، بما يعني أنهم قد يستولون عليها ما لم تُستثمر في الولايات المتحدة"، حسب تعبير الخاطر.
فخطة وضع ضفتَي الخليج في حرب مباشرة لكي تدمر إحداهما الأخرى ليست جديدة ولكنها موجودة منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، وهي تستهدف سيطرة إسرائيل على المنطقة لمصلحة الولايات المتحدة.
