
"المخبر الاقتصادي".. لهذه الأسباب ربما يقع العالم تحت رحمة الصين
وتعود الحلقة -وهذا رابطها– بالمشاهدين إلى تاريخ 17 أغسطس/آب 1974 عندما طالب وزير الخارجية الأمريكي حينها هنري كيسنجر -خلال اجتماع مع الرئيس الأسبق جيرارد فورد- بضرورة إيجاد طريقة لكسر احتكار منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) لسوق الطاقة، وذلك بعد أزمة الطاقة التي ضربت الدول الصناعية الكبرى في الغرب، على رأسها الولايات المتحدة.
وكان طلب كيسنجر عندما قام كبار منتجي النفط العرب عام 1973 بحظر تصدير النفط للدول الداعمة لإسرائيل خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول.
ولأن الولايات المتحدة كانت حينها من أكبر المتأثرين بأزمة الطاقة العالمية، عملت على سد احتياجاتها عبر الاستقلال الذاتي في مجال الطاقة، لكن هذه السياسة فشلت فشلا ذريعا وتم التخلي عنها في النهاية، كما يقول "المخبر الاقتصادي".
غير أن الذي أفاد الولايات المتحدة والعالم بعد أزمة حظر النفط في السبعينيات كان التعاون الدولي، ففي فبراير/شباط 1974 اجتمع ممثلون عن 13 دولة غربية في مؤتمر واشنطن للطاقة، وخرجوا ببيان اتفقوا فيه على تأسيس مجموعة تتولى تنسيق الجهود الدولية في أوقات الأزمات.
تنسيق وتكامل الأسواق
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1974، أصبحت مجموعة التنسيق وكالة الطاقة الدولية، التي تم تأسيسها في العاصمة الفرنسية باريس لتصبح جسما مستقلا تحت مظلة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وألزمت الوكالة أعضاءها (32 عضوا حاليا) بأن يحتفظوا بمخزون نفطي يعادل على الأقل 90 يوما من صافي وارداتهم من العام السابق، وخلقت المنظمة احتياطيا عالميا ضخما من النفط يمكن سحبه خلال أزمات الطاقة الدولية بتوجيهات من الوكالة.
وعلى مدار تاريخها، فعّلت وكالة الطاقة الدولية آلية السحب الجماعي من المخزونات الإستراتيجية 6 مرات، 17 مليون برميل خلال حرب الخليج الثانية عام 1991، و60 مليون برميل خلال إعصار كاترينا عام 2005، و60 مليون برميل خلال 2011 بسبب خروج النفط الليبي من السوق، و62 مليون برميل في مارس/آذار 2022 خلال الحرب الروسية الأوكرانية، و120 مليون برميل في أبريل/نيسان من السنة نفسها بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.
كما سحبت وكالة الطاقة الدولية عبر آلية السحب الجماعي 400 مليون برميل عام 2026 بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ويشير "المخبر الاقتصادي" إلى أن العامل الآخر الذي خفف حدة الأزمة الحالية أو أزمات الطاقة السابقة يتعلق بتحرير وتكامل الأسواق، ففي عام 1981 قامت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان بتحرير أسعار النفط الخام بالكامل وتبعتها دول أخرى، مما جعل إنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك يتجاوز إنتاج أوبك، وقاد التحرير إلى التكامل.
غير أن التكامل والاعتماد على الغير لا يخلو من سلبيات، وهو ما ظهر خلال الحرب الروسية الأوكرانية، حين استغلت روسيا حقيقة أن أوروبا تعتمد عليها في توفير الجزء الأكبر من احتياجاتها من الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي، في مساومة وابتزاز الأوروبيين.
تحول الطاقة الخليجية نحو آسيا
وعلى عكس أزمة حظر النفط في السبعينات، تبرز آسيا باعتبارها المتضرر الرئيسي -خاصة الصين وكوريا الجنوبية والهند واليابان وتايوان- من تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويشير "المخبر الاقتصادي" إلى أن تحول الطاقة الخليجية من الأسواق الغربية في السبعينيات باتجاه الأسواق الآسيوية في السنوات الأخيرة له عدة أسباب، ومن أبرزها تحول آسيا إلى مركز الثقل العالمي في التصنيع، إضافة إلى أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي في العالم، رغم أنها لا تزال بعيدة عن تحقيق الاستقلال عن أسواق الطاقة العالمية، لأنها مندمجة فيها، ولذلك تتأثر بتقلبات الأسعار فيها.
وتعد الولايات المتحدة من أكبر المتضررين من غلق مضيق هرمز -رغم أنها لا تعتمد عليه لتوفير احتياجاتها من الطاقة- لأن الأسعار المرتفعة تؤثر على المستهلكين والمصنعين وغيرهم، ولذلك يشعر الأمريكيون والأوروبيون بالضغط الاقتصادي بسبب أسعار الطاقة التي هي خارج سيطرتهم.
وفي ظل الأزمة الراهنة، بدأت تتعالى أصوات في الآونة الأخيرة تدعو للجوء للطاقة النظيفة والابتعاد عن الوقود الأحفوري، ولو حدث ذلك فسيكون الطرف الفاعل والقادر على خنق العالم هي الصين، باعتبار أنها تتفوق على العالم كله في تقنيات الطاقة النظيفة والقدرات التصنيعية المرتبطة بها، وتسيطر على سلسلة توريد العناصر الأرضية النادرة.