
جميل عازر ومسيرة تأسيس مدرسة إعلامية في الجزيرة
التحق جميل عازر بشبكة الجزيرة في يوليو/تموز عام 1996، أي قبل 3 أشهر فقط من الانطلاقة الرسمية للقناة، ليكون من الآباء المؤسسين لمرحلة جديدة أعادت تشكيل الخطاب الإعلامي العربي ومعاييره المهنية.
يروي عازر أن العمل في البداية لم يكن يسيرا، فحينها لم تكن هناك غرفة أخبار جاهزة، ولكن الحماسة والإصرار لدى الفريق كانت أكبر من أي عقبة، وكان القرار أن تنطلق القناة رسميا في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.
يتحدث عازر في الجزء الثاني من لقائه مع الصحفي أحمد منصور، وهذا رابط الحلقة كاملة، عن الحرية المهنية التي منحت للصحفيين في بدايات القناة، قائلا: "كانت لدينا حرية في اختيار ما نراه مناسبا"، وهو ما رفع من معنويات الفريق ومنحهم القدرة على الابتكار واستكشاف مصادر جديدة للأخبار.
ويضيف أن دوره لم يقتصر على التغطية الصحفية فقط، بل امتد إلى تدريب الصحفيين على قواعد العمل الصحفي، مؤكدا دائما أن أهمية الخبر ترتبط بما تقوله المعارضة وليس بما تعلنه الجهات الرسمية في أي بلد، وهو مبدأ أساسي ساهم في تميُّز الجزيرة عن غيرها من المحطات.
لغة إعلامية جديدة
ويشير عازر إلى أن الجزيرة تميزت باستخدام لغة إعلامية جديدة لم يسمعها أحد من قبل في العالم العربي، وأرست مدرسة مهنية تعتمد على النزاهة والدقة والجرأة.
ويضيف أن هذا التميز دفع بعض الحكومات العربية إلى إنشاء محطات تلفزيونية لمنافسة الجزيرة، لكنها لم تحقق النجاح أو التأثير نفسه. ونجحت الجزيرة في الحصول على صور ومعلومات حصرية من مواقع صعبة وخطرة مثل أفغانستان وفلسطين ولبنان، مقدمة بذلك محتوى إعلاميا وميدانيا لم يكن متوفرا على أي قناة أخرى. ويؤكد أن القناة ملأت فراغا إعلاميا كبيرا بجهود مهنيين مستعدين لتقديم التضحيات، رغم المخاطر التي واجهوها في الميدان.
الرأي والرأي الآخر
كما يشير عازر إلى أن شعار الجزيرة "الرأي والرأي الآخر" لم يكن مجرد شعار، بل انعكس في كافة برامج القناة وتغطياتها الصحفية، ليصبح رمزا للموضوعية والتعددية الإعلامية. ويؤكد أن موقع الجزيرة في قطر كان عاملا مهما في التميز، حيث لم تتدخل الحكومة القطرية في السياسات التحريرية للقناة.
ويروي أن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان يراقب عمل القناة عن كثب، وكان مازحا يقول للصحفيين: "أنتم تسببون لي الصداع"، لكنه في الوقت نفسه شدد على أهمية تقديم الأخبار والبرامج بشكل صادق ودقيق، مع الحفاظ على المهنية الصحفية.
لقاء رامسفيلد
ويستعرض عازر جانبا من لقاءاته الصحفية مع شخصيات بارزة على الساحة الدولية والعربية، مثل وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد في 26 فبراير/شباط 2003، ورئيس باكستان الأسبق برويز مشرف عام 1999، والعقيد الليبي الراحل معمر القذافي في مارس/آذار 2007.
ويستذكر موقفه مع رامسفيلد قائلا: "أردت أن أسأله سؤالا قد يقرر بسببه أن يرسلني إلى معسكر غوانتانامو"، وكان السؤال يتعلق بدعم الولايات المتحدة الأميركية لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، لكنه يضيف أن الوزير رد عليه بأن ذلك غير محتمل، ما يعكس شجاعة الصحافة في مواجهة التحديات والسعي الدائم للكشف عن الحقائق، حتى في المواقف الصعبة.
ويؤكد عازر أن نجاح الجزيرة جاء نتيجة الجمع بين حرية الصحفيين في اختيار أخبارهم، والمهنية العالية، والقدرة على الوصول إلى مواقع صعبة وخطرة، والالتزام بمعايير النزاهة والدقة، إضافة إلى دعم القيادة القطرية الذي منح القناة استقلاليتها التحريرية.
مدرسة مهنية
ويضيف أن الجزيرة لم تكن مجرد قناة تلفزيونية، بل مؤسسة إعلامية أسست مدرسة مهنية استطاعت أن تحدث تأثيرا كبيرا على المشهد الإعلامي العربي، لدرجة أن أبرز المحطات العربية حاولت تقليد أسلوبها، لكنها لم تنجح في الوصول إلى ما وصلت إليه الجزيرة.
ومن خلال هذه المسيرة، يظهر أن جميل عازر لم يكن مجرد مراسل صحفي، بل كان رائدا في تأسيس مدرسة إعلامية عربية جديدة، قائمة على الحرية المهنية والدقة الصحفية، والقدرة على تقديم الأخبار من مواقعها الحقيقية، مع التزام صارم بمعايير المهنية في ظل ظروف صعبة وتحديات غير مسبوقة.