ملفات محظورة

عملية "بساط الريح".. حين انتزعت إسرائيل أبناء اليمن من هويتهم

لم تقبل العائلات اليمنية تلقي 150 ألف شيكل (نحو 50 ألف دولار) تعويضا عن 70 عاما من الزيف وتزوير الهوية اللذين سببتهما الحكومة الإسرائيلية لأبنائها، مقابل تغيير هويتهم من عرب إلى يهود أوروبيين.

 

ولم تقبل فكرة التعويض عن اختطاف إسرائيل لأطفال يهود اليمن الذين رحلوا إليها في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وفق ما ذكره أبو الصادق في برنامج "ملفات محظورة" الذي تبثه الجزيرة 360.

وفي رحلة داخل أرشيف امتدت أكثر من 70 عاما، تستعرض الحلقة -ويمكنكم مشاهدتها كاملة بالضغط هنا– كيف بقيت عشرات القصص من دون إجابة حاسمة عن مصير أبنائها.

فمع تأسيس إسرائيل، اتسعت موجات هجرة يهود اليمن إلى الدولة الجديدة ضمن عملية عُرفت باسم "بساط الريح "، إذ توجه نحو 50 ألف يهودي يمني إلى مخيمات الاستيعاب، على أمل العيش في وطن يراعي هويتهم الدينية، لكنهم وجدوا أنفسهم في ظروف صحية وإنسانية قاسية، وسط نظام إداري لا يزال في طور التأسيس.

واستغلت إسرائيل حينئذ الظروف الصحية المتردية لعزل الأطفال والرضع عن أمهاتهم في مبان منفصلة بحجة مراقبة أوضاعهم الصحية، ومنعت أهاليهم من الوصول إليهم، ثم لم تلبث الأمهات والعائلات أن تلقت خلال أيام خبر وفاة الأبناء دون توضيح أي تفاصيل ولا حتى رؤية جثامينهم والمشاركة في الدفن، وسعيد الحظ من يتلقى شهادة وفاة ابنه أو ابنته.

تكرر المشهد بين مئات العائلات آنذاك، لكنه دفع بعضها إلى عدم الاستسلام للرواية التاريخية، وهي البذرة التي حولت هذه القصص الفردية إلى إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ إسرائيل.

عائلة لاجئة يهودية من اليمن أمام منزلها في مخيم توزيع النزوح في عدن، يوم 29 مارس/آذار 1949، انتظارا لنقلها إلى إسرائيل (أسوشيتد برس)
أسرة لاجئة يهودية من اليمن أمام منزلها في مخيم توزيع النزوح في عدن بانتظار نقلها إلى إسرائيل (أسوشيتد برس)

وتأكدت شكوك العائلات اليمنية التي قيل لها سابقا إن أطفالها متوفون في المستشفيات والمخيمات، لتفاجأ في عام 1966 بوصول استدعاءات رسمية وأوامر تجنيد من الجيش الإسرائيلي موجهة باسم الأبناء المفقودين لبلوغهم سن الـ18، تطالبهم بالالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية. وفي عام 1967، شُكلت أول لجنة تحقيق رسمية، وقدّمت تقريرا إلى الكنيست، ادعت فيه وفاة معظم الأطفال وتبنّي بقية الحالات دون تقديم إجابات شافية.

ومع استمرار نضال العائلات بقيادة شخصيات خاضت مواجهات ضارية مع السلطة -مثل الحاخام عوزي ميشولام الذي تبنى ملف أطفال اليمن ثم حوصرت خليته واعتُقل حتى وفاته عام 2013 دون أن يرى الحقيقة كاملة- بدأت أسوار الصمت التكتيكي تتهاوى.

ففي عام 2016، اضطرت الحكومة إلى إطلاق قاعدة بيانات إلكترونية أتاحت من خلالها أكثر من 400 ألف صفحة من الوثائق السرية وملفات اللجان والمستشفيات، وسبقت ذلك اعترافات علنية صريحة على شاشات التلفزيون الصهيوني من مسؤولي الوزارات واللجان بوقوع عمليات سلب قسري وممنهج لمئات الأطفال عن عمد.

ولم تكن الأوراق الأرشيفية وحدها هي المفصل في الجريمة، بل جاءت الطفرة التقنية لفحوص الحمض النووي (دي إن إيه) بفضل نشاط جمعيات أهلية، مثل جمعية "عمرام" الأهلية الإسرائيلية غير الحكومية التي أسسها ناشطون من أبناء الجيل الجديد من اليهود الشرقيين، لتنتزع الحقيقة من الأجساد نفسها.

وتجلى ذلك في القصة الشهيرة للستينية فيردا فوكس التي عُزلت عام 1950 وهي بعمر 18 شهرا، وسُلّمت إلى عائلة بديلة بهوية جديدة، إذ قادتها عينات البصمة الوراثية عام 2018 إلى التطابق الكامل مع أختها عفراء مزور، ليتكشف أن فيردا كانت تعيش على بُعد ساعات فقط من عائلتها اليمنية الحقيقية، باسم مستعار وحياة كاملة بُنيت على زيف إداري.

وأمام هذه الأدلة القطعية والوثائق الدامغة، وافقت الحكومة الإسرائيلية في عام 2021 على إقرار خطة تعويضات بقيمة 162 مليون شيكل (نحو 51 مليون دولار)، صُنفت وفق معيارين عُدّا بمنزلة "تسعيرة رسمية " للجريمة:

  • 150 ألف شيكل: للعائلات التي قيل إن طفلها تُوفي دون إبراز جثمانه أو الاستدلال على مكان دفنه في حينه.
  • 200 ألف شيكل: للعائلات التي تقرر أن مصير أطفالها بات "غير معروف " في الأوراق الرسمية.

إن فارق 50 ألف شيكل بين الموت والاختفاء الإداري لم يزد القضية إلا اشتعالا، إذ عدَّته معظم العائلات محاولة لشراء الصمت وردم الجريمة بالمال، في حين تقرر التكتم على الجزء الأكبر من الأرشيف السري والتحقيقات، بموجب حظر يمتد حتى عام 2071.

المصدر: الجزيرة