
الجزيرة تكشف عن تحالف إسرائيلي إثيوبي للسيطرة على البحر الأحمر
منذ عقود، لم يكن البحر الأحمر مجرد ممر مائي للتجارة العالمية، بل ساحة صراع جيوسياسي تتقاطع عندها طموحات القوى الإقليمية والدولية.
في هذا المسرح الحساس، بنت إسرائيل واحدة من أكثر إستراتيجياتها تعقيدا، واضعة نصب عينيها هدفا ثابتا: منع تحول البحر الأحمر إلى "بحيرة عربية"، وتأمين خطها البحري الوحيد نحو آسيا وأفريقيا.
اقرأ أيضا
list of 3 itemsبرنامج "المتحري" الذي بثته قناة الجزيرة بتاريخ (2025/10/31)، في حلقة خاصة تناولت "اليمن وإسرائيل وجذور الصراع"، كشف، عبر وثائق وأرشيف يمتد لـ80 عاما، كيف تطورت هذه الإستراتيجية من عمليات سرية في اليمن إلى شراكة طويلة الأمد مع إثيوبيا، بوصفها حجر الزاوية في الوجود الإسرائيلي بالقرن الأفريقي.
تعود أولى الخطوات الإسرائيلية خارج نطاقها الجغرافي إلى أوائل ستينيات القرن الماضي، حين وجدت تل أبيب في الحرب الأهلية اليمنية فرصة نادرة لإضعاف خصمها الإقليمي الأكبر آنذاك، مصر جمال عبد الناصر.
عبر وساطة بريطانية قادتها ما عرف بـ"مجموعة عدن"، تم فتح قنوات اتصال سرية بين الاستخبارات البريطانية والموساد. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1962، عقد في لندن اجتماع سري مهد لأول جسر جوي إسرائيلي لدعم الملكيين اليمنيين بالسلاح.
العملية، التي حملت لاحقا الاسم الرمزي "عملية النمر"، لم تكن مجرد دعم عسكري محدود، بل تجربة إستراتيجية كاملة: طيران لمسافات غير مسبوقة، إسقاط أسلحة بلا علامات تعريف، وتعاون ميداني مع مرتزقة بريطانيين، بهدف استنزاف القوات المصرية المقاتلة إلى جانب الجمهوريين.
تمهيد لنكسة 1967
بحسب باحثين شاركوا في توثيق تلك المرحلة، أدركت إسرائيل أن تورط الجيش المصري في اليمن سيؤدي إلى إنهاكه بعيدا عن جبهة المواجهة المباشرة.
بل إن التنسيق الاستخباراتي وصل حد تبادل معلومات حول استخدام مصر لأسلحة كيماوية، حيث أرسلت عينات إلى إسرائيل لتحليلها، ما أثر -بشكل غير مباشر- على تقديرات تل أبيب العسكرية قبيل حرب يونيو/حزيران 1967.
ومع احتلال سيناء، سيطرت إسرائيل على شمال البحر الأحمر، لكنها سرعان ما اكتشفت أن الخطر الحقيقي يتحرك جنوبا، عند باب المندب.
باب المندب مركز الصراع
بعد 1967، تغيرت قواعد اللعبة. لم يعد إغلاق مضيق تيران خيارا متاحا أمام مصر، فتحول التركيز إلى باب المندب، حيث اليمن -بشطريه- والجزر المتناثرة في البحر الأحمر.
في هذا السياق، تصاعد النشاط الفلسطيني المسلح من السواحل اليمنية، وبرزت عمليات نوعية، أبرزها استهداف ناقلة النفط الإسرائيلية "كورال سي" عام 1971 قرب جزيرة ميون، في ضربة عكست هشاشة الأمن البحري الإسرائيلي جنوبا.
وفي حرب أكتوبر 1973، بلغ التهديد ذروته بإغلاق المضيق عبر غواصات مصرية، ما أكد لإسرائيل أن أمنها البحري لا يمكن حمايته من الشمال فقط.
إثيوبيا الحليف الصامت
هنا، برزت إثيوبيا كخيار إستراتيجي بديل. فالدولة الأفريقية، التي كانت تسيطر على إريتريا، امتلكت موقعا مثاليا يطل على الضفة الغربية للبحر الأحمر.
في ظل الوجود البريطاني والأميركي، وقعت اتفاقيات دفاعية سرية، شملت قواعد استخباراتية مثل "راديو مارينا"، وأتاحت لإسرائيل موطئ قدم غير مباشر في المنطقة، ضمن ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
هذا التعاون لم يكن وليد اللحظة، بل امتدادا لرؤية إسرائيلية تعتبر أن النفوذ في القرن الأفريقي شرط أساسي لمنع تطويقها عربيا، ولضمان تدفق النفط والتجارة عبر ميناء إيلات.
سقوط هيلا سيلاسي
شكّل سقوط نظام هيلا سيلاسي عام 1974 وصعود نظام شيوعي بقيادة منغيستو هيلا مريام ضربة قاسية للوجود الإسرائيلي في إثيوبيا.
غير أن تل أبيب حاولت الالتفاف على المتغير الجديد عبر بوابة أخرى: دعم الثورة الإريترية، والسعي لاختراقها سياسيا وعسكريا، تحسبا لأي فراغ إستراتيجي على ساحل البحر الأحمر.
ومع استقلال إريتريا لاحقا، عادت العلاقات مع إسرائيل إلى الواجهة، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط الإريترية، التي رأت في هذا التقارب تناقضا مع تاريخ الثورة.
من تصريحات موشيه ديان إلى الوثائق الاستخباراتية، تتضح معالم عقيدة إسرائيلية ثابتة:
- الحفاظ على علاقات وثيقة مع دول القرن الأفريقي.
- منع سيطرة عربية كاملة على البحر الأحمر.
- استخدام التحالفات غير العربية كأداة توازن إستراتيجي.
ورغم فترات الهدوء النسبي، أعادت أحداث غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 البحر الأحمر إلى صدارة المشهد الدولي، لتؤكد أن الصراع على هذا الممر الحيوي لم يحسم بعد، وأن التحالفات التي نسجت في الخفاء قبل عقود، لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على حاضر المنطقة ومستقبلها.