
"أيام الله".. أطفال غزة حفظة كتاب الله في زمن الحرب
في زمن تُقاس فيه الحياة بعدد ساعات الكهرباء، وتُختزل الطفولة في طوابير الماء والخبز، وتُحاصَر الذاكرة بأصوات الطائرات وأزيز القذائف، كانت غزة تكتب فصلا آخر من فصول التحدي الإنساني والإيماني. فبين ركام البيوت، وتحت خيام النزوح، وفي مراكز إيواء لا تعرف الاستقرار، ارتفع صوت القرآن ثابتا، متحديا قوانين الحرب ومنطق الدمار، ليؤكد أن ما يحفظ في الصدور لا تستطيع المدافع محوه.
هذا المشهد الإنساني والإيماني كان محور حلقة خاصة من برنامج "أيام الله" على قناة الجزيرة مباشر، قدمها الإعلامي مجاهد، وخصصت للحديث عن تجربة دار الإتقان لتحفيظ القرآن الكريم في قطاع غزة، وكيف واصلت رسالتها في تعليم القرآن للأطفال والفتيان والفتيات رغم القصف، والحصار، والنزوح المتكرر.
واستضاف البرنامج الشيخ محمد أبو محسن، نائب مدير دار الإتقان لتعليم القرآن الكريم، إلى جانب عدد من طلاب الدار، الذين أصبحوا رمزا لصمود الروح وسط أقسى الظروف.
في حديثه، أوضح الشيخ محمد أبو محسن أن دار الإتقان نظمت، قبل أيام قليلة من الحلقة، حفلا وصفه بـ"المهيب"، تم خلاله تخريج 777 طالبا وطالبة من حفظة كتاب الله، في حدث أراد القائمون عليه أن يكون رسالة أمل في قلب العاصفة.
وأشار إلى أن الحرب، رغم شدتها، لم توقف مسيرة التحفيظ، بل على العكس، شهدت غزة إقبالا غير مسبوق على القرآن، موضحا أن الدار بدأت منذ الأيام الأولى للعدوان بتنظيم حلقات تحفيظ في المساجد، ثم في مراكز النزوح والخيام، بعد أن تعرض أكثر من 90% من مساجد القطاع للتدمير.
وأكد أن استهداف المساجد لم يكن حدثا عارضا، بل محاولة واضحة لضرب منارات الهدى، غير أن التجربة أثبتت أن القرآن لا يحاصر بالجدران، ولا يتوقف عند حدود المكان.
طلاب بين الطوابير والحلقات
وصف الشيخ أبو محسن الواقع اليومي لطلاب القرآن في غزة بأنه بالغ القسوة، فطالب التحفيظ يقف في طوابير الماء، وطوابير شحن البطاريات، وطوابير الطعام، ثم يعود ليبحث عن بقعة ضوء ضعيفة يراجع فيها حفظه، قبل أن يتجه إلى حلقة التحفيظ، التي هي بدورها غير آمنة، ومهددة بالقصف في أي لحظة.
ورغم ذلك، شدد على أن أولياء الأمور أصروا على إرسال أبنائهم إلى حلقات القرآن، إيمانا منهم بأن كتاب الله هو الحصن الأخير في زمن الانهيار.
ضمن الحلقة، استمع المشاهدون إلى شهادة مؤثرة للطالب نبيل الأغا، الذي بدأ حفظ القرآن في سن السابعة بتشجيع من والديه، قبل أن تتغير حياته جذريا مع اندلاع الحرب.
روى نبيل كيف نزحت أسرته من خان يونس إلى رفح، وكيف وجد في حلقات دار الإتقان وشيخه الشهيد أحمد أبو جمال سندا معنويا وروحيا، خفف من وطأة النزوح والخوف. وتلا نبيل آيات من سورة البقرة تتحدث عن الابتلاء والصبر، في مشهد لخص العلاقة العميقة بين النص القرآني وواقع غزة اليوم.
وأكد نبيل أن استشهاد شيخه لم يكن نهاية الطريق، بل دافعا لمواصلة الحفظ، وفاء لوصيته التي كان يرددها دائما "وصيتي الوحيدة أن تحفظوا القرآن".
حافظ في سن الطفولة
من جانبه، تحدث الطالب أمير معمر، الحافظ لكتاب الله في سن مبكرة، عن تجربته مع القرآن أثناء الحرب، موضحا أنه واجه، كغيره، الخوف والجوع والنزوح وفقدان الأحبة، إلا أن القرآن ظل سلوته وملاذه.
أشار أمير إلى أنه وأخاه التوأم أتما حفظ القرآن، وسرداه في جلسة واحدة استمرت قرابة سبع ساعات، في إنجاز لافت يعكس حجم الجهد الأسري والتربوي المبذول، سواء من قبل الوالدين أو المحفظين.
وتناول الحوار واحدة من أصعب التحديات التي واجهت حلقات التحفيظ، وهي شح المصاحف، نتيجة تدمير البيوت والمساجد. وأوضح الشيخ أبو محسن أن بعض الطلاب كانوا يتناوبون على مصحف واحد، في حين استخدم آخرون هواتف ذويهم، واعتمدت بعض الحلقات على التلقين الشفهي، حيث يقرأ الشيخ ويردد الطلاب من خلفه.
وأكد أن هذه الظروف القاسية لم توقف المسيرة، بل عززت القناعة بأن القرآن المحفوظ في الصدور هو الحصن الحقيقي.
منظومة تربوية متكاملة
استعرض الشيخ محمد أبو محسن المنهج الذي تتبعه دار الإتقان، موضحا أنها لا تكتفي بالتحفيظ، بل تعتمد منظومة متكاملة تشمل:
- قسم التحفيظ اليومي
- قسم التربية بالقرآن والعقيدة والسيرة
- قسم التجويد والأحكام
- قسم المواهب الصوتية
- قسم الأنشطة التربوية
- ديوان الحفاظ لتثبيت الحفظ والسرد الكامل
وتهدف هذه الأقسام، بحسب الشيخ، إلى تخريج جيل قرآن يمشي على الأرض، يحمل الأخلاق قبل الحفظ، والفهم قبل التلاوة.
نداء لأهل الخير
في ختام الحلقة، وجه الشيخ أبو محسن نداء مفتوحا إلى أهل الخير في العالم العربي والإسلامي، داعيا إلى دعم مشاريع تحفيظ القرآن، ليس فقط عبر المساعدات الإغاثية، بل أيضا عبر الاستثمار في بناء الإنسان والهوية.
وأكد أن الإنفاق على تعليم القرآن هو من أعظم الصدقات الجارية، لما له من أثر ممتد في بناء أطباء، ومعلمين، وقادة، يحملون القرآن علما وخلقا.