أيام الله

"أيام الله"- السيرة النبوية منهج حياة في زمن الفتن

ناقشت حلقة برنامج “أيام الله” مفهوم القدوة في القرآن والسنة، مؤكدة أن سيرة الأنبياء، وفي مقدمتهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، منهج عملي لبناء الشخصية الربانية ومواجهة الفتن المعاصرة.

 

خصصت حلقة من برنامج "أيام الله" الذي بثته قناة الجزيرة مباشر اليوم الجمعة، النقاش للحديث عن فقه الاقتداء وبناء الشخصية الربانية، انطلاقا من سير الأنبياء والصالحين، ودور القدوة في إعادة ضبط البوصلة الأخلاقية للإنسان المعاصر وسط عالم متشابك تمتلئ مساحاته الرقمية بنماذج مؤثرة تفتقر في كثير من الأحيان إلى القيم والمعايير.

أوضح ضيف الحلقة، الدكتور عبد السلام المجيدي، أستاذ التفسير وعلوم القرآن، أن الله تعالى ميز هذه الأمة بأمرين عظيمين: المنهج المتمثل في الكتاب، والنموذج التطبيقي المتمثل في النبي صلى الله عليه وسلم. واستعرض في هذا السياق أقوال المفسرين حول قوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا}، حيث ذهب بعضهم إلى أن البرهان والنور هما القرآن، في حين رأى آخرون أن البرهان هو القرآن، والنور هو النبي صلى الله عليه وسلم، بوصفه المطبق العملي لهذا المنهج.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وأشار إلى أن الله تعالى لم يكتف بإنزال النص، بل قدم النموذج الإنساني الذي يجسد هذا النص في الواقع، مؤكدا أن الاقتداء لا يكون بالكتاب المجرد فقط، بل بمن فهمه وطبقه، وهم الأنبياء ثم الصالحون من بعدهم، وفي مقدمتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

معنى الأسوة

وتوقف الدكتور المجيدي عند تسمية القدوة في القرآن بـ"الأسوة"، موضحا أن أصل الكلمة في اللغة العربية يدل على إصلاح الخلل وجبر الكسر وشفاء المريض، وكأن الإنسان حين يأتسي بالأنبياء والصالحين إنما يسعى إلى إصلاح ما اعوج من حياته. واستشهد بقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، وقوله سبحانه عن إبراهيم عليه السلام: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه}.

وبين أن ذكر الصالحين في القرآن لم يكن اعتباطا، بل ليكونوا نماذج عملية يحتذى بها، في مقابل ذكر الطالحين للتحذير من مسالكهم والانتباه إلى عواقب أفعالهم.

وفي رده على التساؤلات المتعلقة بكيفية الاقتداء بالأنبياء رغم عصمتهم، شدد الدكتور المجيدي على أن بشرية الأنبياء هي سر الاقتداء لا عائقه. فالأنبياء بشر، يعيشون ما يعيشه الناس من زواج وحزن وفرح وجوع وتعب، لكنهم يمتازون بالوحي الذي يوجههم. وأوضح أن الله تعالى لم يطلب من الناس أن يقتدوا بالأنبياء في خصوصيات النبوة، بل في سلوكهم الإنساني والأخلاقي في مواجهة الحياة.

وأشار إلى أن حياة الأنبياء نفسها تنقسم إلى مراحل، منها ما كان قبل النبوة، حيث عاشوا بشرا صالحين على هدى وفطرة، ومنها ما كان بعد الرسالة، حيث استمروا في مواجهة مقتضيات الطبيعة البشرية مع الالتزام بالوحي. واستدل بقصص يوسف وموسى عليهما السلام، مبينا كيف عرض القرآن تفاصيل تلك القصص ليجعلها قابلة للاقتداء الإنساني الواقعي.

السيرة النبوية.. قصص حياتية

وأكد ضيف الحلقة أن أحد مفاتيح إعادة الاعتبار للقدوة هو تحويل السيرة النبوية من أوامر مجردة إلى قصص حياتية، تستحضر عند مواجهة المشكلات اليومية داخل الأسرة والعمل والمجتمع. واستشهد بمواقف متعددة من السيرة، من بينها قصة صلح الحديبية ودور أم سلمة رضي الله عنها في احتواء غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة أبي محذورة الذي تحول من الاستهزاء إلى الإيمان بفضل حسن تعامل النبي معه.

وأوضح أن هذه القصص تكشف كيف كانت القدوة تحرك القلوب والعقول معا، وتحدث التحول الحقيقي في النفوس.

زمن النجومية الرقمية

وفي سياق الحديث عن التحديات المعاصرة، ناقشت الحلقة ظاهرة تصدر المؤثرين ونجوم مواقع التواصل الاجتماعي للمشهد، رغم افتقار كثير منهم إلى القيم، وتأثير ذلك على الأطفال والشباب. وحذر الدكتور المجيدي من الانجراف وراء هذه النماذج، معتبرا أن متابعة الضلال بقصد الاقتداء به تعد مشاركة في نشره، ومؤكدا أن الإنسان محاسب على ما يتابعه ويشجعه، حتى ولو كان ذلك بنقرة "إعجاب".

وشدد على ضرورة أن يكون الآباء والمربون قدوات حقيقية قبل أن يطالبوا أبناءهم بالاقتداء بالقيم، داعيا إلى إشاعة نماذج القدوة الصالحة في الإعلام والثقافة، بدل الاكتفاء بانتقاد النماذج السلبية.

وتوقفت الحلقة عند قصة يوسف عليه السلام كنموذج عملي لمواجهة فتنة الشهوة، خاصة في العصر الرقمي، حيث تتاح المغريات بسهولة. وأوضح الدكتور المجيدي أن القرآن عرض تفاصيل هذه القصة ليجعل كل شاب يشعر أنه معني بها، مشيرا إلى أن أول خطوات النجاة هي الاستعاذة بالله، وقطع الطريق على الفتنة من بدايتها، لأن الوقوع الأول يجر ما بعده.

قدوات معاصرة

وفي الإجابة عن أسئلة المشاهدين، أوضح الدكتور المجيدي أن الاقتداء بالأنبياء يكون اقتداء مطلقا، في حين أن الاقتداء بالصالحين والمعاصرين يكون اقتداء مقيدا، يقبل فيه الصواب ويترك الخطأ، ويعرض كل قول وفعل على ميزان الكتاب والسنة.

وختم حديثه بالتأكيد على أن الإنسان نفسه مطالب بأن يكون قدوة في محيطه، مستشهدا بقول أهل الحكمة "لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله".

المصدر: الجزيرة + الجزيرة مباشر