
"أيام الله" يستعرض معاني الابتلاء والتمكين من غزة
قدم برنامج "أيام الله" على قناة الجزيرة مباشر، اليوم الجمعة، قراءة إيمانية معمقة لمأساة غزة، لا بوصفها مجرد كارثة إنسانية، بل باعتبارها محطة اختبار كبرى في تاريخ الأمة، حيث يتحول الصبر إلى فعل مقاومة، والإيمان إلى قوة تغيير.
ووصف الشيخ حسين أبو عيادة، الداعية الإسلامي الذي كان ضيفا على البرنامج من غزة، ما يحدث في القطاع حاليا بـ"انقلاب الزمان" ووعد بالتمكين.
اتسم الحوار مع الشيخ أبو عيادة بالبعد الإيماني والقراءة التاريخية والإنسانية العميقة لما يعيشه القطاع في ظل الحرب والدمار والحصار، حيث تناول معاني الابتلاء والصبر، وفسّر مشاهد الألم اليومي بوصفها جزءا من سنن الله في التمكين والتغيير.
واستهل مقدم البرنامج الحلقة بتلاوة قوله تعالى: {ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين}، مؤكدا أن هذه الآية تحولت في غزة من نص قرآني إلى واقع يومي، حيث اجتمع الخوف من القصف، والجوع، وفقد الأحبة، ثم جاء البرد والمطر ليكمل مشهد المعاناة، في وقت اختار فيه أهل غزة -كما قال- تجاوز البكائيات وتحويل الألم إلى دروس ربانية في العزة والصبر.
قراءة إيمانية لمعاناة غير مسبوقة
وفي إجابته عن سؤال حول كيفية قراءة المؤمن لرحمة الله في نزول الغيث بينما تغرق خيام النازحين، أكد الشيخ حسين أبو عيادة أن ما يمر به أهل غزة معاناة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، مشيرا إلى اجتماع البرد والجوع والخوف كما حدث في غزوة الأحزاب، بل وأكثر من ذلك، حيث أصبح الموت بردا مشهدا واقعيا، لا سيما بين الأطفال وحديثي الولادة.
وأوضح أن الخيام، التي لا يتجاوز سمكها بضعة مليمترات، عاجزة عن الوقاية من المطر والسيول، في ظل انعدام كامل لمقومات الحياة من كهرباء ووقود ومواد تدفئة ومستشفيات، مشيرا إلى أن سكان غزة باتوا لأول مرة يدعون الله أن يحبس المطر عنهم خشية غرق الخيام.
ورغم ذلك، شدد الشيخ على أن هذا الابتلاء ليس علامة تخل، بل مقدمة لتمكين، وقال إن من كانت له بداية محرقة ستكون له نهاية مشرقة، معتبرا أن الله يصنع في غزة جيلا استثنائيا لا يعلم مآلاته إلا الله، تماما كما صنعت أمة التمكين من رحم الحصار والجوع في الخندق.
وربط أبو عيادة ما يجري في غزة بسياق تاريخي وديني أوسع، مستحضرا قصة حصار المؤمنين في الخندق، وكيف تحول أولئك الجوعى المحاصرون بعد سنوات قليلة إلى قوة أنهت إمبراطوريات كبرى، مؤكدا أن ما تشهده غزة اليوم مقدمة لـ"انقلاب الزمان" وتغيير عالمي قادم.
وأشار إلى قصة إسماعيل وهاجر عليهما السلام، باعتبارها نموذجا لليقين المطلق بالله، حيث تحولت أقصى أمنية -جرعة ماء- إلى نبع زمزم الذي لا ينضب، معتبرا أن صبر غزة سيؤتي ثماره، وأن الله لن يضيع هذا الشعب مهما اشتد البلاء.
لماذا يبتلى أهل القرآن؟
وعن التساؤلات المتكررة حول سبب تتابع الابتلاءات على أهل غزة رغم تعلقهم بالقرآن، أوضح الشيخ أن ذلك يدخل في سنة التمحيص الإلهي، مستشهدا بقوله تعالى: {ليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين}، مؤكدا أن الأنبياء أنفسهم ابتُلوا قبل أقوامهم.
وأضاف أن حصار غزة هو محاولة لإذلالها بعد أن وجهت، بحسب تعبيره، "صفعة للمستكبرين" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرا إلى أن صمودها الطويل، مقارنة بهزائم سابقة للجيوش العربية، يعكس اختلافا جوهريا في معادلة الإيمان والثبات.
وفي شهادة مؤلمة، روى الشيخ حسين أبو عيادة تفاصيل قصف منزله في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي أدى إلى استشهاد 47 فردا من عائلته وأقاربه، وتدمير مكتبته التي كانت تضم نحو ألفي كتاب. وأكد أنه في لحظة الصدمة الأولى، غلب التسليم بقضاء الله، قائلا إنهم لم يتمنوا الحرب، لكنهم صبروا حين فرضت عليهم.
وأوضح أن التربية الإيمانية التي عاشها أهل غزة على مدار سنوات، من خلال حلقات القرآن ومجالس العلم، لم تكن ترفا معرفيا، بل إعدادا حقيقيا لمثل هذه اللحظات، حيث يتحول الإيمان من مفهوم نظري إلى سلوك عملي.
فقه الابتلاء وأسئلة الواقع
وتناول الشيخ، خلال فقرة الأسئلة، عددا من القضايا الفقهية والإنسانية المرتبطة بواقع الحرب، فأكد مشروعية الحزن دون السخط، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم. كما أجاز الصلاة بثياب عليها دماء في حال الاضطرار، والصلاة على سجاد مبلل في ظل انعدام البدائل، واصفا ذلك بـ"صلاة المضطرين".
وفي ما يتعلق بالنساء اللواتي فقدن أزواجهن ولا يعلمن مصيرهم، أشار إلى وجود نقاشات في المحاكم الشرعية لتخفيف مدد الانتظار المعمول بها، نظرا للعدد الكبير من المفقودين.
وأكد أن دور الدعاة لا يقتصر على الوعظ، بل يتعداه إلى تحريك الرأي العام العالمي، محذرا من تراجع الدعم الإنساني لغزة بعد فترات التهدئة، رغم استمرار الكارثة.
وفي رسالة حازمة، انتقد الشيخ المواقف السلبية والمتفرجة تجاه ما يجري في غزة، معتبرا أن من خذلها سيخذله الله، ومشددا على أن النصرة ليست شعورا عاطفيا بل موقفا عمليا.
واختتم حديثه بدعاء لأهل غزة ولضحايا الكوارث في العالم الإسلامي، مؤكدا أن الأمل معقود على الله، وأن ما يجري اليوم هو مخاض لتغيير كبير، داعيا إلى وحدة الصف العربي والإسلامي خلف غزة والمقاومة.