
هل يتبنى ترامب مفهوما خاطئا للقوة الأميركية؟
ورغم تفهم المحللين لبعض ما يقوله ترامب بشأن الدول التي استهدفها أو يلوح باستهدافها، إلا أنهم يرفضون تعامله مع العالم بمنطق المستعمر الذي يرى في القوة وسيلة لتحقيق ما يراه حقا له منهيا بذلك حقبة طويلة كانت فيها القوة أداة أميركية لخلق الشراكات.
فقد قفز الرجل على القانون الدولي -الذي قال صراحة إنه ليس معنيا به- واعتقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وقدمه للمحاكمة أمام القضاء الأميركي، ثم ما لبث أن تحول للحديث عن تغيير النظام الإيراني والاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية بالطرق السهلة أو الصعبة، حسب تعبيره.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، لكنّ الرئيس الأميركي قال بوضوح في مداخلة هاتفية مع نيويورك تايمز إن أخلاقه هي التي تحركه وليس القانون الدولي.
كما قال ستفين ميلر نائب كبير موظفي البيت الأبيض لـ"سي إن إن"، إن الولايات المتحدة قوة عظمى وتتصرف من هذا المنطلق تحت قيادة ترامب، وإنها "تستخدم جيشها لحماية مصالحها دون الحاجة لتبرير هذا الأمر".
خامنئي ليس مادورو
بيد أن ما جرى في فنزويلا لن يكون من السهل تكراره في إيران، لأن ترامب لا يمكنه إرسال قوة لاعتقال المرشد الأعلى علي خامنئي وتقديمه للقضاء الأميركي على غرار مادورو، كما تقول زميلة معهد ستيمسون باربره سلافين.
ولن يكون ترامب أيضا قادرا على حكم إيران من مكتبه كما يريد أن يفعل في فنزويلا، وفي حال ضرب قواعد الحرس الثوري فسوف يعرض القواعد الأميركية الموجودة بالمنطقة لخطر كبير هذه المرة، حسب ما قالته سلافين في حلقة 2026/1/15 من برنامج "من واشنطن".
لذلك، تعتقد سلافين أن سياسة الولايات المتحدة في إيران غير واضحة حتى الآن، لأن ترامب يدعو الناس للتظاهر والمخاطرة بحياتهم دون تقديم دعم حقيقي لهم، ودون تحديد ما إذا كان يريد تغيير النظام كليا أو تعديله.
وعلى عكس مرات كثيرة سابقة، ترى سلافين، أن الولايات المتحدة ذهبت بعيدا وبسرعة في التعامل مع الاحتجاجات في إيران هذه المرة حيث هدد ترامب باستخدام القوة ودعا المتظاهرين للسيطرة على المؤسسات لإسقاط النظام، رغم أنه أقال خلال عهدته الأولى مستشاره للأمن القومي جون بولتون، لأنه كان يدعو لإسقاط هذه الأنظمة، كما تقول.
وعندما ننظر إلى المعلومات المضللة القادمة من إيران وإلى العنف الواضح ضد عناصر الأمن الإيرانية وقتلهم -تضيف المتحدثة- يتضح لنا خطورة ما يجري هناك لا سيما وأن ترامب يتحدث مع معارضي الخارج الذين لا يعرفون شيئا عن إيران ولا يتحدث عن إطلاق سراح معتقلين سياسيين يمتلكون خبرة كبيرة بأمور البلد.
قرارات مهمة وخطيرة
ولم يخف جون بولتون موافقته على ما جرى في فنزويلا، لكنه قال خلال مشاركته في حلقة "من واشنطن"، إن ترامب "يمارس سياسته المعهودة في اتخاذ قرارات دون خطة، وهذا أمر خطير".
صحيح أن ترامب أزال مادورو الذي يرى بولتون أنه "لم يكن شرعيا"، لكنه ترك بقية النظام مما يعني أنه سيواجه مشكلات في تحقيق ما يريده من استفادة نفطية، كما يقول المتحدث.
أما في إيران، فقد أصبح ترامب -والحديث لبولتون- مطالبا بضرب المقرات التي تُستخدم لقمع المتظاهرين، بعدما رفع سقف التهديدات وهدد علنا بالقيام بهذا الأمر.
وإن لم يقصف ترامب مقرات الحرس الثوري وقوات التعبئة (الباسيج)، وكذلك البرنامجان النووي والصاروخي الباليستي، فسوف يفقد مصداقيته، برأي بولتن، الذي يرى ضرورة الإطاحة بالنظام الإيراني "لأنه مصدر ضرر للعالم وللمنطقة".
ومن المهم أيضا تعزيز قدرة المحتجين على الاتصال والتنسيق فيما بينهم حتى يتمكنوا من مواجهة النظام، الذي يقول المستشار السابق للأمن القومي الأميركي إنه "يعيش أقصى لحظات ضعفه السياسي والاقتصادي".
خسارة الحلفاء
وبعيدا عن إيران التي يواجه نظامها رفضا كبيرا بين الساسة الأميركيين، فقد لجأ ترامب للتهديد أيضا مع غرينلاند، وهي جزء من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما يعني أن واشنطن تخسر كثيرا من الدعم بسبب هذا التدخل غير المقبول في شؤون الحلفاء، برأي سلافين.
وكان يمكن لترامب معالجة مخاوفه من التوسع الصيني الروسي في منطقة القطب الشمالي عبر إيجاد آلية مشتركة مع غريندلاند والناتو، وليس من خلال هذه الطريقة التي يقول وزير خارجية الدانمارك السابق يبي كوفود، إنها "غير مقبولة إطلاقا".
فقد سبق للرئيس الأميركي الحديث عن غرينلاند خلال عهدته الأولى، لكنّ الجزيرة والدانمارك لم يتوقعا أن يصل إلى ما وصل إليه هذه المرة، كما يقول كوفود، الذي وصف حديث ترامب بالمستفز.
وحسب كوفود، فإن حديث ترامب الحالي عن غرينلاند "يتنافى مع كل القيم التي تأسس عليها التحالف الأميركي الدانماركي قبل 80 عاما، والذي يسمح للولايات المتحدة باستخدام الجزيرة عسكريا كيفما شاءت".
ورغم إقرار الوزير الدانماركي السابق، بأهمية الجزيرة للولايات المتحدة من الناحية الإستراتيجية، وبأن الصين وروسيا تحاولان توسيع نفوذيهما في المنطقة القطبية الشمالية، إلا أنه يصر على ضرورة التعامل مع هذه المسألة وفق مبادئ الناتو، وليس بطريقة ترامب.
ولم يبتعد الدبلوماسي الأميركي السابق دونالد جينسن، عن الحديث السابق، بقوله إن نظرة ترامب لفكرة "أميركا أولا" تختلف عن نظرة الآخرين لها، وهو ما يتطلب توضيحات من مسؤولي إدارته بشأن الكثير من الأمور.
ويرى جينسن أن مواجهة النفوذ الروسي الصيني في القطب الشمالي "يجب أن يتم من خلال التفاهم مع الناتو"، وأن الحديث عن التعامل مع قضيتي غرينلاند وإيران بنفس طريقة فنزويلا "سابق لأوانه".