تأمـــــلات

لاجئ في وطنه لكنه سجّل عروبته.. درويش الذي كتب أجمل القصائد وفرّقته البندقية عن محبوبته اليهودية

انقلب لاجئا في وطنه بلا أوراق ثبوتية، لكنه سجل أنه عربي أمام موظف من جنود الاحتلال الإسرائيلي، وقف على ناصية الشعر ولم يقاتل، بل سخّر الأدب ليبث القلوب المتعبة السلام.

وهو ابن السادسة كانت الكلمات تترسخ في ذاكرة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وتراب قريته "البروة" في الجليل قرب ساحل عكا بفلسطين يهتز تحت أقدام أبنائها الفارين بجلدهم، أتراه هذا التراب العالق بأقدام الطفل الصغير ما أَذْكَرَه حصانَه يعدو فوق تلك الأرض! لكن الحصان لم يهرب، بل سكن الأرض التي كبر فيها، ولا عفير ذلك التراب فارق درويش، فعلق في مخيلته إلى الأبد وجبل منه في 1995 ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" ليجسد ليلة التهجير:

"ومن يسكن البيت من بعدنا يا أبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي

" ولماذا تركت الحصان وحيدا؟

"لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها".

اختفت البيوت وهدمت إسرائيل قريته، ووقف درويش على ذلك عندما عاد من لبنان مع عائلته بطريقة غير شرعية، الشرعية كما تعرفها إسرائيل التي تذرعت بذلك لتصنفه الحاضر الغائب، بات لاجئا في وطنه بلا أوراق ثبوتية، لكنه سجل أنه عربي أمام موظف من جنود الاحتلال الإسرائيلي عندما سأله عن قوميته:

"سجل أنا عربي

ورقم بطاقتي خمسون ألف

وأطفالي ثمانية

وتاسعهم سيأتي بعد صيف

فهل تغضب؟".

ورغم أنه رأى أن سيرته الذاتية عادية فإنه لم يشأ تسطيرها، وتركها لمن يريد أن يقرأها في قصائده التي نقلت الجرح الفلسطيني للعالم، فالوقائع تشير إلى أن درويش فرضت عليه الإقامة الجبرية في حيفا فقضى فيها 10 أعوام، وأنهى دراسته الثانوية وعمل محررا في جريدة الاتحاد إلى أن استرد هوية كانت أشبه ببطاقة إقامة كما يقول "كان من حق الشرطة أن تأتي ليلا لتتحقق من وجودي، وكنت أعتقل في كل سنة وأدخل السجن من دون محاكمة، ثم اضطررت إلى الخروج".

قصد موسكو للدراسة عام 1970، فكانت محطته الأولى خارج الإقامة الجبرية، ثم تنقل كثيرا، حيث سكن القاهرة فسكنته بأدبها وثقافتها، ثم بيروت التي تركها مصابا بمرض جميل اسمه الحنين كما وصفه، فدمشق التي زارها ليحيي أمسيات شعرية لم يسكنه السلام إلا فيها، حينها فقط تركه الحنين وشأنه.

"في دمشق

ينام الغريب

على ظله واقفا

مثل مئذنة في سرير الأبد

لا يحن إلى بلد

أو أحد".

وفي باريس اكتملت ولادته الشعرية كما قال، لكن واجبه الأخلاقي حتم عليه أن يَقفُل عائدا إلى رام الله من منفاه، فظل متنقلا بينها وبين عمّان الجارة التي اختارها ملاذا للكتابة.

"كتب درويش أشعارا وكلمات كثيرة تناول فيها الجرح الفلسطيني:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة.. على هذه الأرض سيدة

الأرض، أم البدايات أم النهايات، كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى

فلسطين.

سيدتي، أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة".

ولأن الحياة هي أيضا أمه، فقد خصها بشعر ما زال الأبناء البارون يرددونه بعده:

"وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي".

وأراد الشاعر الفلسطيني أن يكسر الصورة النمطية للمثقف العربي من يهود إسرائيل، فجعله ذلك أكثر إنسانية وانفتاحا منهم كما قال.

مع هؤلاء خاض محادثات سلام على طريقته:

"أيها الواقفون على العتبات ادخلوا،

واشربوا معنا القهوة العربية

قد تشعرون بأنكم بشر مثلنا".

وإلى قاتل متخيل آخر خلال حصار جنين يقول:

"لو تركت الجنين

ثلاثين يوما، إذاً لغيرت الاحتمالات:

قد ينتهي الاحتلال ولا يتذكر ذاك

الرضيع زمان الحصار،

فيكبر طفلا معافى ويصبح شابا

ويدرس في معهد واحد مع إحدى بناتك

تاريخ آسيا القديم

وقد يقعان معا في شباك الغرام

وقد ينجبان ابنة (وتكون يهودية بالولادة)".

وكمن اختار أن يكون على موجة واحدة مع هذه الكلمات وقع في غرام يهودية اختلف النقاد على ما إذا كانت حقيقية أم متخيلة، لكنه قال فيها إحدى أجمل قصائده، في زمن كان يمكن أن يُرمى فيه بالخيانة على فعل كهذا، لكنه كان حبا مستحيلا:

"بين ريتا وعيوني بندقية

بيننا مليون عصفور وصورة

ومواعيد كثيرة

أطلقت نارا عليها.. بندقية".

هل ترك الحصان وحيدا؟

رحل درويش عن الدنيا عام 2008 بعد عملية قلب مفتوح في أميركا، وترك في رصيده 26 ديوانا وأعمالا مترجمة إلى 22 لغة.

ترجل الشاعر الفلسطيني، فهل ترك هو الآخر الحصان وحيدا؟!

"فهل ترك هو الآخر الحصان وحيدا؟!

وكأنني قد متُّ قبل الآن

أعرف هذه الرؤيا، وأعرف أنني

أمضي إلى ما لست أعرف.

ربما ما زلت حيا في مكان ما،

وأعرف ما أريد..

سأصير يوما ما أريد".

يذكر أن حلقة تأملات تناولت أيضا مواضيع مختلفة، منها: يزيد بن المهلب مع إعرابية، وأصل كلمتي "تبصم" و"فنجان"، ومعنى المثل العربي القائل: أنت تَئِق وأنا مَئِق، فكيف نتفق؟