
قيادي بحماس يروي كيف تشكلت النواة الأولى للعمل العسكري بالضفة
كشف عميد الأسرى المحررين في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عبد الناصر عيسى، خلال مشاركته في برنامج "شاهد على العصر"، عن ملامح التحولات التي قادت إلى تشكّل النواة الأولى للعمل العسكري في الضفة الغربية، في سياق الانتفاضة الأولى وما سبقها من تراكمات ميدانية وشعبية.
وفي الحلقة الثانية من شهادته ضمن البرنامج، يستعيد عيسى أجواء ما قبل اندلاع الانتفاضة عام 1987، معتبرا أن اللحظة لم تكن وليدة حادثة بعينها، بل نتيجة تراكم طويل من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي التي خلقت حالة احتقان شعبي بلغت ذروتها، لتنفجر في وجه الاحتلال بعد سنوات من القمع والاعتقالات والانتهاكات اليومية.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsوأشار إلى أن تلك المرحلة شهدت تكرارا لدورات الانفجار الشعبي، لكنها لم تكن تحقق الهدف النهائي المتمثل في التحرير رغم ما أفرزته من نتائج إيجابية عززت ثقافة المقاومة ورفض الاحتلال، حتى جاءت لحظة الانتفاضة الأولى باعتبارها نقطة تحول مفصلية في تاريخ الصراع.
وعن خصوصية اندلاع الانتفاضة في الضفة الغربية، أوضح عيسى أن الشرارة هناك لم تكن مرتبطة مباشرة بحادثة دهس العمال في غزة، بل جاءت نتيجة تصاعد الانتهاكات في مناطق مثل مخيم بلاطة بنابلس حيث كان يعيش، مشيرا إلى أن الاعتداءات اليومية والاستفزازات المتكررة فجّرت الغضب الشعبي.
يروي عبد الناصر عيسى تفاصيل اللحظة التي خرج فيها سكان المخيم استجابة لدعوة إمام المسجد، قبل أن تتحول المواجهة مع دورية إسرائيلية إلى اشتباك مباشر أدى إلى استشهاد 3 فلسطينيين، وهو ما اعتُبر حينها "مجزرة" أشعلت الانتفاضة في الضفة ودفعت الجماهير للنزول بكثافة إلى الشوارع.
وأكد أن جوهر الانتفاضة في غزة والضفة كان واحدا يتمثل في رفض الاحتلال رغم اختلاف شرارة الانطلاق، لافتا إلى أن المشهد العام عكس حالة شعبية غير مسبوقة، حيث شارك الجميع في التظاهرات، من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.
بداية المشاركة الفاعلة
وفي هذا السياق، تحدث عيسى عن بروز حركة حماس مع اندلاع الانتفاضة، موضحا أن أبناء الحركة الإسلامية انتقلوا من موقع التنفيذ إلى المشاركة الفاعلة في قيادة المظاهرات، ضمن قرار إستراتيجي بالانخراط المباشر في مواجهة الاحتلال.
واستحضر ذكرياته الأولى في توزيع بيانات الحركة، مشيرا إلى أن هذه المهمة رغم بساطتها الظاهرية، كانت تمثل في ذلك الوقت ذروة العمل النضالي، نظرا للمخاطر المرتبطة بها والسياق الأمني الذي كان يفرض قيودا صارمة على أي نشاط سياسي.
وعكس هذا التحول، بحسب عيسى، طبيعة المرحلة التي سبقت تطور أدوات المقاومة، حيث كانت الحجارة والبيانات الجدارية تمثل أدوات المواجهة الأساسية قبل أن تبدأ ملامح العمل العسكري بالتشكل تدريجيا.
وكشف أن فكرة الانتقال إلى العمل العسكري لم تكن قرارا فوقيا بحتا، بل جاءت نتيجة ضغط من القواعد الشابة داخل الحركة التي كانت تطالب بتطوير أساليب المواجهة، مما دفع القيادات المحلية إلى رفع هذه المطالب للقيادة العليا.
وأوضح أن أولى مراحل هذا التطور تمثلت في استخدام الزجاجات الحارقة (المولوتوف)، التي اعتُبرت حينها نقلة نوعية في أدوات المقاومة، مشيرا إلى أنه شارك بنفسه في تنفيذ أولى هذه العمليات ضد دوريات الاحتلال.
ويصف تلك اللحظة بأنها شكلت تحولا نفسيا كبيرا، حيث شعر المشاركون بأنهم انتقلوا إلى مستوى جديد من المواجهة، رغم بساطة الوسائل المستخدمة مقارنة بما وصلت إليه المقاومة لاحقا.
بداية العمل العسكري بالضفة
غير أن التطور لم يتوقف عند هذا الحد، إذ أشار عميد أسرى حماس إلى بدء إدخال العبوات الناسفة البدائية التي كانت تُصنع بوسائل بسيطة، لكنها شكلت بداية حقيقية لمسار العمل العسكري المنظم في الضفة الغربية.
وأوضح أن هذه المرحلة شهدت أيضا بدايات العمل التنظيمي للخلايا من خلال عمليات الرصد والتخطيط قبل تأجيل بعض العمليات بقرارات قيادية، في وقت كانت فيه الاعتقالات تلاحق النشطاء بشكل مكثف.
واستعرض تجربة اعتقاله، مشيرا إلى أنه تعرض لتحقيق قاسٍ استمر نحو 70 يوما دون أن يدلي بأي اعتراف، مؤكدا أن الهدف من هذه الممارسات كان كسر إرادة المقاومين لكنها فشلت في تحقيق ذلك.
كما تطرق إلى سياسة هدم المنازل التي انتهجها الاحتلال، معتبرا أنها كانت تهدف إلى ردع العائلات، لكنها في الواقع زادت من إصرار الفلسطينيين على مواصلة المقاومة، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها الأسر.
وفي سياق متصل، لفت عيسى إلى أن السجون الإسرائيلية تحولت إلى بيئة تنظيمية أسهمت في تطوير الحركة، حيث جرى بناء شبكات تواصل داخلية، وتعزيز الوعي السياسي والتنظيمي لدى الأسرى، مما انعكس لاحقا على تطور بنية الحركة.
وختم عيسى هذه الحلقة من شهادته بالإشارة إلى أن تلك المراحل التأسيسية رغم بساطتها، وضعت الأساس لما أصبحت عليه المقاومة لاحقا، مؤكدا أن أحدا لم يكن يتوقع أن تصل حركة حماس إلى ما وصلت إليه من قدرات وتأثير على المستويين الإقليمي والدولي.
