
أن تكون صوماليا في كينيا
"أصبح قتل امرئٍ بسهولة ذبحِ دجاجة، لذا نَعدّ أيامنا طيلة الوقت.. وإذا استيقظ المرء من نومه في اليوم التالي فلْيشكر الله". هكذا يعيش الناس في غاريسا، بوابة الإقليم الشمالي الشرقي من كينيا، والتي كانت قبل الغزو الكيني للصومال من أكثر مدن البلاد أمنا، كما عرفت بالتسامح الديني.
وبالإضافة إلى أعمال القتل وانعدام الأمن الذي بات يطبع المنطقة، لا يملك 60% من سكان غاريسا بطاقات هوية لأنهم لم يزودوا بها يوما، ومع ذلك تعتقلهم الحكومة للاشتباه فيهم، بل إنها لجأت مع عجزها عن منع عمليات القتل أو القبض على مرتكبيها إلى أسلوب العقاب الجماعي.
عام 1998 قتل أربعة مسؤولين حكوميين رمياً بالرصاص في حانة بمدينة غاريسا من طرف مسلحين مجهولين. وعقب هذا الحادث ألقت السلطات القبض على العديد من المواطنين بينهم دوبود علي.
يروي علي لحلقة 8/1/2015 من برنامج "عالم الجزيرة" قصة اعتقاله قائلا إنه في تلك الليلة طُلب من الناس أن يخرجوا من بيوتهم، وإلاّ فسيندمون. لذا جاء كلّ سكان غاريسا إلى أحد الحقول وطوقوا وبقوا تحت وهج الشمس حتى الظهر. وحوالي الساعة الثالثة عصراً، قالوا إنّ بإمكان النساء أن يعدن إلى منازلهن.
لكن الذي حدث كان واحداً من أسوأ الأيام في تاريخ هذا الإقليم، حيث اغتُصبت كل النساء تقريباً من قِبل قوات الأمن ولا سيّما الجيش والشرطة.
ويضيف علي أنه لا يفهم حتى الآن ما الذي يجعل الحكومة تعاقب مجتمعاً بأكمله ومدينة بأكملها، ويشير إلى أن مستوى العنف الذي مارسه البيض في جنوب أفريقيا يفقد مغزاه بالمقارنة مع العنف الذي تعرض له قومه.
وإذا كان ما حدث في غاريسا مأساةً، فإن ما حدث في "وجير" في قلب إقليم الشمال الشرقي بعد خمس سنوات، طغا على كل فظائع الماضي. وأسمت الأمم المتحدة ذلك "أكبر انتهاك لحقوق الإنسان في تاريخ كينيا".
لقد عانى الإقليم من عنف بين العشائر، ولا سيّما بسبب الكلأ، وكان ردّ الحكومة عنيفا ضد الصوماليين، ففي يوم الجمعة العاشر من فبراير/شباط 1984 شن الجيش والشرطة حملة في وجير جُمِّع خلالها كل الرجال من قبيلة ديقوديا، التي حمّلتها الإدارة المحلية المسؤولية عن أعمال العنف. وجُلب الآلاف إلى مهبط الطائرات الجديد في واقلاّ، على مسافة 16 كيلومتراً من المدينة.
يقول يوسف إبراهيم، الذي كان معلماً بمدرسةٍ عام 1984وأدركته الحملة الأمنية، إن أول من حاول الهرب من هذا المكان كان شاباً ركض فأُطلق عليه النار ليفارق الحياة مباشرة. ويتذكر إبراهيم أن الضباط الذين كانوا يتولون التعذيب والقتل قالوا إنهم قصدوا أن يطلقوا النار على خنزير بّري.
إذلال واغتصاب
ويضيف أنهم تعرضوا للضرب والإذلال والتعرية والحرمان من الماء والطعام والظلّ، أمّا الشيء الذي يقشعرّ منه بدن أي إنسان فهو أنهم كانوا يرغمونهم على جمع ملابسهم ووضعها على ظهور أشخاص عراة ثم إضرام النار فيها.
محمد قوسار كان في بيته مع عائلته عندما جاء الجنود لإلقاء القبض عليه، يقول إنهم اغتصبوا زوجته وابنته أمام عينيه.
ويذكر أنه خلال مفاوضات استقلال كينيا عام 1962، وافقت بريطانيا على أن يكون لإقليم الحدود الشمالية الحق في تقرير مصيره، إن كان يريد أن ينضم إلى جمهورية الصومال الحديثة الاستقلال آنئذٍ أو أن يكون جزءا من كينيا.
ورغم تعهد بريطانيا بالاستماع إلى صوت الشعب، فإنها لم تكن راغبة في تقسيم البلاد بعيد استقلالها.
وقد رأى صوماليو كينيا في ذلك خيانة فظيعة، فرفضوا الإدلاء بأصواتهم بالانتخابات، ولم يجدوا بداً من حمل السلاح، وأيدتهم في ذلك إلى حدٍّ ما جمهورية الصومال. وكان ردّ الرئيس المنتخب حديثاً جومو كينياتا قاسياً، فقد أعلن الأحكام العرفية، وبمساعدةٍ من القوات البريطانية شنت كينيا حرباً على شعبها.
وكانت الأساليب التي اتبعها العسكريون هي الأساليبَ ذاتها، حبس جماعي لأبناء الريف بمعسكرات اعتقال من دون محاكمة، فضلا عن شيء لم يعترف به حتى البريطانيون علانية، وهو سياسة إطلاق النار بغرض القتل.
ويشكل الصوماليون حوالي 5% من سكان كينيا، أي ليس أكثر من قبيلة واحدة بين 42 قبيلة.