برامج متفرقة

هل تسرّع سياسات ترمب الحالية صعود الصين؟ "المخبر الاقتصادي" يجيب

يكشف “المخبر الاقتصادي” في حلقة جديدة أن سياسات دونالد ترمب، خاصة الحرب على إيران، أضعفت موقع بلاده عالميا، ما منح الصين فرصة إستراتيجية لتعزيز نفوذها واستثمار ارتباك خصمها دون مواجهة مباشرة.

سلّطت حلقة (2026/4/29) من برنامج "المخبر الاقتصادي" الضوء على مفارقة لافتة في المشهد الدولي، إذ تبدو السياسات التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب -رغم حدّتها تجاه الصين– عاملا قد يسرّع صعود بكين بدل احتوائه.

وتنطلق الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) من جدل سبق الانتخابات الأمريكية الأخيرة، حين انقسمت التقديرات بشأن المرشح المفضل للصين بين جو بايدن -قبل تنحيه لصالح نائبته كامالا هاريس– ودونالد ترمب، في ظل تصاعد الحرب التجارية والخطاب العدائي الذي تبناه الأخير ضد بكين خلال ولايته الأولى وحملته الانتخابية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

غير أن رأيا مغايرا برز آنذاك تبناه صحفيون ومحللون مفاده أن الصين قد تفضّل ترمب تحديدا، ليس رغم سياساته بل بسببها، باعتبارها تفتح ثغرات إستراتيجية في بنية النفوذ الأمريكي العالمي يصعب تحقيقها عبر الإدارات التقليدية.

هذا الطرح استند إلى فرضية أن نمط القيادة لدى ترمب، القائم على الصفقات الفردية والتقليل من شأن التحالفات، يمنح الصين فرصة لإعادة تشكيل البيئة الدولية بما يخدم مصالحها عبر إضعاف الروابط التي طالما شكّلت ركيزة الهيمنة الأمريكية.

ومع عودة ترمب إلى البيت الأبيض مطلع 2025، تشير الحلقة إلى أن ملامح هذا السيناريو بدأت تتجلى تدريجيا، إذ تسببت سياساته خلال الأشهر الأولى في إرباك غير مسبوق للمكانة الدولية للولايات المتحدة، دون أن تبذل الصين جهدا مباشرا لتحقيق ذلك.

وتتوقف الحلقة عند الحرب الأمريكية على إيران بوصفها نموذجا صارخا لهذا التحول، حيث دخلت واشنطن المواجهة بتقديرات سريعة بانتهائها، لكنها سرعان ما تحولت إلى أزمة معقدة استنزفت الموارد وأربكت الحسابات السياسية والعسكرية.

تخبط أمريكي

وفي خضم هذه التطورات، اضطرت الإدارة الأمريكية إلى تأجيل لقاء كان مقررا بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ، في مؤشر يعكس حجم التعثر الذي تواجهه واشنطن، وتراجع قدرتها على إدارة ملفاتها الدولية بشكل متماسك.

وتكشف مجريات الحرب عن غياب أهداف ثابتة، إذ بدّلت الإدارة الأمريكية أولوياتها من تغيير النظام الإيراني إلى أهداف أقل طموحا، في وقت عجزت فيه عن تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية ملموسة على الأرض.

هذا التخبط ترافق مع محاولات داخلية لتبرير الحرب عبر طرح أهداف جديدة، من بينها السيطرة على موارد الطاقة أو توجيه ضربة غير مباشرة للصين، غير أن الحلقة ترى أن هذه التفسيرات تفتقر إلى أساس منطقي متماسك.

وتفكك الحلقة هذه السردية عبر تحليل سوق الطاقة، مشيرة إلى أن واردات الصين من النفط الإيراني والفنزويلي رغم أهميتها تبقى قابلة للتعويض، ما يجعل فكرة "خنق الصين طاقيا" عبر هذه المسارات أقرب إلى الوهم منها إلى الإستراتيجية.

في المقابل، تعتمد الصين بدرجة أكبر على واردات النفط من الخليج، وهو ما يجعل أي محاولة لحرمانها من الطاقة مرهونة بتوافق مع حلفاء الولايات المتحدة، وهو أمر غير واقعي اقتصاديا، نظرا لاعتماد تلك الدول على السوق الآسيوية.

وتبرز مفارقة أخرى في الحرب، إذ أدت إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار، وهو ما انعكس سلبا على الاقتصاد الأمريكي ذاته رغم عدم اعتماده المباشر على نفط الشرق الأوسط، بسبب طبيعة السوق العالمية المتكاملة.

مكاسب صينية

ورغم هذه التداعيات، تشير الحلقة إلى أن الصين تبدو أكثر قدرة على امتصاص الصدمات بفضل استعدادات طويلة الأمد شملت بناء احتياطيات ضخمة والتوسع في الطاقة المتجددة والتحول نحو اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على الكهرباء.

هذا الوضع يمنح بكين هامش مناورة أوسع في مواجهة الأزمات، ويتيح لها استثمار الاضطرابات الجيوسياسية لصالحها في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة بإدارة أزمات متلاحقة تستنزف مواردها وتضعف تحالفاتها.

وتتجلى المكاسب الصينية بشكل أوضح في البعد العسكري، حيث أدى استنزاف الذخائر الأمريكية في الحرب إلى إثارة مخاوف بشأن قدرة واشنطن على الاستجابة لأزمات أخرى، مثل احتمال تصعيد في مضيق تايوان.

كما أن تراجع الثقة الدولية في الولايات المتحدة، نتيجة سياساتها الأحادية، يقوّض قدرتها على حشد تحالفات فعالة، وهو ما يمنح الصين فرصة لتعزيز نفوذها في نظام دولي بات أقل استقرارا وأكثر قابلية لإعادة التشكل.

وتخلص الحلقة إلى أن ما يجري لا يعكس بالضرورة إستراتيجية أمريكية محكمة، بل قد يكون نتيجة قرارات تكتيكية قصيرة المدى أدت إلى نتائج عكسية جعلت من سياسات احتواء الصين عاملا يسرّع صعودها بدل كبحه.

وفي هذا السياق، تطرح الحلقة تساؤلا مفتوحا حول ما إذا كانت بكين ستكتفي بمراقبة هذا التحول واستثماره تدريجيا أم ستسعى إلى خطوات أكثر جرأة كالسيطرة على تايوان، مستفيدة من لحظة ارتباك أمريكي قد لا تتكرر في المستقبل القريب.

المصدر: الجزيرة