
من يصرخ أولا؟.. خبايا معركة كسر العظم الاقتصادية بين أمريكا وإيران
في لحظة بدت كأنها مفصلية في مسار الصراع، تحولت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران من حرب تقليدية إلى اختبار قاس للقدرة على التحمل الاقتصادي.
وتفتح حلقة "المخبر الاقتصادي" بتاريخ 19 أبريل/نيسان 2026 (يمكن مشاهدتها كاملة من هنا) هذا الملف من زاوية مختلفة، كاشفة كيف بات الصراع أقرب إلى مزاد مفتوح على الخسارة، لا يبحث فيه الطرفان عن الربح بقدر ما يسعيان لتجنب الهزيمة.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsتعود البداية إلى فشل مفاوضات استمرت أكثر من 20 ساعة في إسلام آباد، حيث أعلن جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، انهيار المسار الدبلوماسي، قبل أن يتبعه قرار سريع من الرئيس دونالد ترمب بفرض حصار بحري شامل على إيران، في خطوة حملت رسائل تصعيد واضحة.
ولم يكن القرار الأمريكي مجرد رد فعل سياسي، بل محاولة لإعادة تشكيل موازين الضغط عبر استهداف شريان الاقتصاد الإيراني، أي صادرات النفط، غير أن هذا الخيار رغم وضوح أهدافه، يفتح الباب أمام تداعيات معقدة تتجاوز حدود الصراع الثنائي.
وعلى أرض الواقع، كان الحصار الأمريكي إضافة إلى وضع قائم بالفعل، إذ كانت إيران قد فرضت سيطرة عملية على مضيق هرمز، مقيدة حركة الملاحة ومشروطة بآليات تنسيق ورسوم، ما جعل الممر الحيوي شبه مغلق أمام معظم السفن.
بهذا المعنى، وجد العالم نفسه أمام مشهد غير مسبوق: قوتان تتنافسان على خنق نفس الشريان، إيران من داخل المضيق، والولايات المتحدة من خارجه، في بحر العرب وخليج عمان، ما أدى إلى تضييق مزدوج على حركة التجارة والطاقة.
النتيجة المباشرة كانت انهيارا حادا في حركة السفن، حيث تراجعت الأعداد اليومية من مئات السفن إلى أرقام محدودة للغاية، وسط التزام إجباري بتعليمات متناقضة من الطرفين، ما خلق حالة شلل شبه كامل في أحد أهم الممرات البحرية عالميا.
مزاد الدولار
لفهم هذا السلوك التصعيدي، تعود الحلقة إلى نموذج اقتصادي كلاسيكي يُعرف بـ"مزاد الدولار"، طوره الاقتصادي الأمريكي مارتن شوبيك، ويشرح كيف يمكن لطرفين أن يستمرا في رفع الخسائر لتجنب الخروج بخسارة أكبر.
في هذا النموذج، يتحول التنافس تدريجيا من السعي للربح إلى محاولة تقليل الخسائر، حتى لو تجاوزت التكاليف القيمة الأصلية. وهو ما ينطبق بشكل لافت على سلوك واشنطن وطهران في هذا الصراع.
فمع بداية الحرب، تكبد الطرفان خسائر مادية وبشرية كبيرة، لكن كليهما رأى أن التراجع المبكر يعني الاعتراف بالفشل. لذلك استمر التصعيد، ليس لتحقيق مكاسب جديدة، بل لتبرير ما تم إنفاقه بالفعل.
بالنسبة للولايات المتحدة، كان الهدف الأولي يتمثل في تحقيق إنجازات إستراتيجية كبرى، تشمل تقويض البرنامج النووي الإيراني، لكن تعثر هذه الأهداف جعل كلفة الحرب تبدو أعلى بكثير من عوائدها الفعلية.
في المقابل، تواجه إيران معادلة مشابهة، فبحسب تقديرات رسمية بلغت خسائرها نحو 270 مليار دولار، وهو رقم ضخم يجعل التراجع دون تحقيق مكاسب أمرا سياسيا غير مقبول داخليا، ما يدفعها للاستمرار في المواجهة.
هذا التشابك خلق ما يشبه "فخ التصعيد"، حيث يصبح كل طرف غير قادر على التوقف، لأن كلفة الانسحاب تفوق كلفة الاستمرار، حتى وإن كان الاستمرار يعني خسائر إضافية متراكمة.
كسر الجمود
في هذا السياق، يبدو الحصار البحري الأمريكي محاولة لكسر هذا الجمود عبر الضغط الاقتصادي، لكنه في الوقت نفسه يعمّق الأزمة، لأنه يدفع إيران لتشديد قبضتها على المضيق، ما يزيد من حدة الاختناق العالمي.
اقتصاديا، يهدد الحصار بخسارة إيران نحو 276 مليون دولار يوميا من عائدات النفط والبتروكيماويات، وهي خسارة كبيرة بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد الإيراني على هذه الإيرادات بشكل أساسي.
لكن قدرة إيران على الصمود لا تتوقف فقط على حجم الخسائر، بل أيضا على امتلاكها مخزونات نفطية عائمة تقدر بنحو 180 مليون برميل، جزء كبير منها خارج نطاق الحصار، ما يوفر لها هامشا زمنيا للمناورة.
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة ضغوطا داخلية متزايدة، مع ارتفاع أسعار الوقود والتضخم، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة المواطن الأمريكي ويؤثر على شعبية الإدارة الحاكمة.
وتشير الأرقام إلى تراجع ملحوظ في نسب التأييد للرئيس الأمريكي بالتزامن مع تصاعد كلفة الحرب، ما يجعل استمرار التصعيد خيارا محفوفا بالمخاطر السياسية، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية حساسة.
إلى جانب ذلك، يطرح ملف الاستنزاف المالي نفسه بقوة، حيث تشير تقديرات أكاديمية إلى أن تكلفة الحرب قد تصل إلى تريليون دولار، وهو رقم يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة في العراق وأفغانستان.
معضلة حقيقية
وتضع هذه الضغوط مجتمعة واشنطن أمام معضلة حقيقية: الاستمرار في التصعيد مع ما يحمله من كلفة، أو التراجع بما قد يُفسر كضعف إستراتيجي، في وقت لا يبدو فيه أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات.
على الجانب الآخر، تراهن طهران على قدرتها التاريخية على التكيف مع العقوبات، وعلى أن الأضرار التي سيلحقها إغلاق المضيق بالاقتصاد العالمي ستكون أكبر من تلك التي ستتحملها هي.
وفي ظل هذا التوازن الهش، يبدو أن الصراع دخل مرحلة جديدة، عنوانها "من يصرخ أولا؟"، حيث يتحول الزمن إلى عامل حاسم، وكل يوم إضافي من التصعيد يضيف تكلفة جديدة على الطرفين والعالم.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن استمرار الأزمة قد يكلف اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ وحدها ما يصل إلى 299 مليار دولار، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والغذاء، ما يعكس حجم التأثير العالمي.
وتخلص الحلقة إلى أن الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يتم عبر التصعيد، بل عبر قبول الطرفين بتقاسم الخسائر، وهو خيار يبدو سياسيا صعبا، لكنه اقتصاديا أقل كلفة من الاستمرار في هذا المسار.
فالمعادلة الحالية، كما يصورها "المخبر الاقتصادي"، تشبه تماما مزادا خرج عن السيطرة، حيث يدفع الجميع أثمانا متصاعدة لسلعة لا تستحق، بينما يبقى الرابح الوحيد هو استمرار الأزمة نفسها.