
مثلث برمودا السوري.. ماذا حدث داخل "حاجز الموت"؟
في منطقة جنوب مدينة السلمية بريف حماة، تحوّل حاجز أمني صغير خلال سنوات الحرب السورية إلى واحدة من أكثر النقاط إثارة للرعب، حتى عُرف بين السكان باسم "حاجز الموت" أو "حاجز المليون".
وفي حلقة من برنامج "الملف 404" (يمكن مشاهدة الحلقة عبر هذا الرابط )، كشف كيف تحوّل هذا الحاجز، الذي أصبح ممرا إجباريا بعد قطع الطرق الدولية، إلى مصيدة اختفى فيها مئات السوريين، وسط غياب أي معلومات عن مصيرهم.
وفي هذا التحقيق، يكشف عن مصير مئات الأشخاص الذين ابتلعهم ما وصفه البعض بـ"مثلث برمودا السوري"، في إشارة إلى هذا الحاجز الذي دخل إليه كثيرون ولم يخرجوا منه.
بداية الحاجز
وبحسب قائد قطعة عسكرية في جيش النظام (لم يكشف عن اسمه)، فإن الحاجز تأسس على يد مجموعات "اللجان الشعبية" بقيادة مصيب سلامة، مشيرا إلى أن تسميته بـ"حاجز المليون" جاءت بسبب الأموال التي كان يجنيها يوميا من المسافرين.
وأوضح المصدر أن الحاجز كان يشهد حركة كثيفة للمسافرين بين حلب ودمشق وحمص، لافتا إلى أن دخله اليومي عام 2012 كان يقدّر بنحو مليون ليرة سورية.
وأضاف أن السيطرة على الحاجز انتقلت لاحقا لشخص يُدعى محمود عفيفة الذي يعد أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بملف "حاجز المليون" في ريف حماة، حيث برز اسمه خلال سنوات الحرب كقائد مجموعة مسلحة متورطة في تمارس الخطف والابتزاز في منطقة خنيفس، حيث أنشأ مقرا محصنا بالأسلحة.
"مزرعة الموت"
وبحسب شهادات جمعها فريق التحقيق، فإن المختطفين كانوا يُنقلون إلى مزرعة يملكها محمود عفيفة، حيث احتُجزوا في ظروف قاسية.
ويقول عامل سابق في المزرعة يدعى محمود: "عملت هنا سنة و7 أشهر. كانوا يحتجزون المخطوفين، بعضهم مات من الجوع، ومن لم يدفع الفدية كانوا يقتلونه"، مؤكدا أن الجثث كانت تُخزَّن في غرف تبريد لمنع انتشار الروائح، بينما تُلقى جثث أخرى في بئر داخل الموقع.
روايات ناجين
ويروي غياث رستم، أحد الناجين من الاختطاف، أنه اختُطف عام 2016 ونُقل إلى مساكن جنوب السلمية، حيث تعرّض المحتجزون للتعذيب، في حين شهد حالات اغتصاب وقتل داخل الموقع.
وقال إن الخاطفين كانوا يطلبون الفدية، ومن لا يدفع يُقتل، مشيرا إلى أن عمليات القتل كانت تتم بطرق وحشية أمام بقية المختطفين.
وفي شهادة أخرى، قال ناج آخر يُدعى فنار العلمي إنه احتُجز أكثر من 3 أشهر، وتعرض للضرب والإهانة، قبل أن يُفرج عنه بعد دفع فدية مالية كبيرة. وأضاف أن المختطفين كانوا يُجمعون بالعشرات، ويُهددون بالقتل في حال عدم دفع الأموال.
ووفق وثائق رسمية حصل عليها فريق التحقيق من ضابط سابق في الأمن الجنائي، فإن محمود عفيفة اعترف بارتكاب جرائم قتل وخطف طالت أكثر من 500 شخص، بينهم نحو 100 مجهول الهوية.
كما أشار قائد عسكري في جيش النظام إلى العثور على جثث في منطقة الصرف الصحي قرب خنيفس، بعضها دُفن تحت الأنقاض أو قُتل بوسائل بدائية، مؤكدا نجاة أحد الضحايا رغم إصابته.
ويقول المصدر العسكري إن محمود عفيفة أصبح مطلوبا أمنيا بعد تورطه في اشتباكات مع قوات النظام، قبل أن يتم استدراجه واعتقاله في عملية أمنية.
لكن روايات متضاربة ظهرت لاحقا حول مصيره، إذ تحدثت بعض المصادر عن مقتله، في حين تشير معلومات أخرى إلى أنه لا يزال على قيد الحياة.
وفي هذا السياق، قال رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين الدكتور محمد رضا إن الهيئة تعمل على توثيق حالات الاختفاء وتقديم الدعم النفسي والقانوني للعائلات.
وأضاف أن الوثائق التي قدمها فريق التحقيق تُمثل "مادة مهمة" تكشف حجم الانتهاكات، داعيا كل من يمتلك معلومات أو وثائق إلى التعاون مع الهيئة.