برامج متفرقة

أعظم مطية للسائرين.. كيف فسر العارفون حقيقة الصبر وأنواعه؟

يتناول أسعد طه في برنامج “قال الحكيم” مفهوم الصبر وأنواعه ودرجاته، مستعرضا آراء الحكماء والعارفين في حقيقته وعلاقته بالسير إلى الله.

لا يكاد يمر على الإنسان يوم دون أن يُختبر صبره؛ في انتظار خبر، أو تحمل ألم، أو مواجهة ما لا حيلة له فيه. ومع ذلك، يظل الصبر من أكثر المفاهيم التي نستعملها دون أن نستوعب حقيقتها.

في حلقته "عن الصبر" من برنامج "قال الحكيم"، الذي ينشر على منصة الجزيرة 360، يأخذنا أسعد طه في رحلة مع الحكماء والعارفين للوقوف على معنى الصبر الحقيقي وأنواعه ودرجاته.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

فمن منا لم يجرب الصبر، أو لم يستمع إلى نصيحة بالصبر؟ غير أن السؤال الأعمق يبقى معلقا: هل نحن حقا مدركون لتمام معناه؟ هل الصبر مجرد حرمان، أم أن ثماره تطيب رغم مرارة طريقه؟

يبدو الصبر في أذهان كثيرين مرادفا للقسوة أو الحرمان، ذلك أننا نطالب به على ما لا نملكه أو ما نفقده أو ما لا نصل إليه، ويزيد على ذلك أننا عاجزون في الغالب عن انتظار أي شيء، رغم أننا لا نملك في الحقيقة ما ندفع به الوقت.

وللشاعر الفرنسي موليير في هذا مواساة حين يقول إن الأشجار التي تنمو على مهل تكون أكثر ثمرا، وتذهب المؤلفة جي رايان في كتابها "قوة الصبر" إلى أن الصبر والقدرة على الانتظار ربما يكونان أعظم حكمة على الإطلاق؛ تلك التي تجعلك تغرس البذرة وتنتظر حتى تؤتي الشجرة ثمارها.

ولا ينفصل الصبر عن الطريق الروحي في نظر باولو كويلو، الذي يرى أن أصعب اختبارين على هذا الطريق هما: الصبر على انتظار اللحظة المناسبة، والشجاعة حتى لا يعتري الإنسان خيبة أمل مما يواجهه. معادلة تجمع بين الثبات الداخلي والجرأة في مواجهة الواقع.

وحين يتعلق الأمر بحدود الصبر ومعناه الدقيق، يوضح أبو علي الدقاق أن الصبر حده ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر. تمييز جوهري يرفع عن كاهل الإنسان عبء إخفاء الألم بالكامل.

مطية لا تكبو

ولعل أبلغ توصيف للصبر في سياق السير إلى الله ما نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من أنه "مطية لا تكبو"؛ أي أنه للسائر إلى الله خير معين على الأعمال المقربة منه، بل قيل إنه لا عمل أفضل من الصبر. وقد بنى الإمام علي الإسلام على 4 دعائم: اليقين، والصبر، والجهاد، والعدل.

غير أن السؤال يبقى: هل الصبر صفة تكتسب أم عمل يمارس؟ يجيب ابن قيم الجوزية بأن الصبر من الأعمال لا من الصفات وحسب، وأن أجله انتظار الفرج من الحق، وهي إجابة تجعل من الصبر فعلا إراديا واعيا، لا مجرد حال تصيب الإنسان قسرا.

ولا يقف ابن القيم عند هذا الحد، بل ينبه إلى أن من الصبر ما هو مذموم؛ فالصبر على ترك الطاعات، والصبر على ما فيه الهلاك، كلاهما مكروه. وهكذا تتضح صورة أشمل لمفهوم يظن أحيانا أنه مطلق لا قيد له.

ويفصل أبو سعيد الخراز هذه الأنواع فيجعلها ظاهرة وباطنة؛ فأما الظاهرة فثلاثة: الصبر على أداء الفرائض، والصبر عن ترك المنهيات وهذان فرض، ثم الصبر على النوافل وأعمال البر. ويضاف إليها نوع رابع باطن هو الصبر على قبول الحق بالنصيحة والبلاغ.

أما القشيري فيوجز ذلك كله في عبارة بالغة الدلالة: "الصبر مع الله وفاء، والصبر عنه جفاء"، ويكمل الشبلي هذا المعنى بقوله إن أشقى الصبر من صبر عن الله، وكأن الصبر يبلغ قمة مرارته حين يكون بعيدا عن مصدر الاطمئنان ذاته.

وفي سلم الفضائل، يرى سهل بن سعد أن أفضل منازل الطاعة الصبر عن المعصية، يليه الصبر على الطاعة، في حين يذهب أبو طالب المكي إلى أن الصابر العارف أفضل من الشاكر العارف، وإن كان مسلم بن عمران يسوي بينهما ثم يرجح الصبر، مضيفا أن الشكر مع العافية أحب إليه.

تبقى تساؤلات كثيرة معلقة حول هذا المعنى الواسع، لكن ما يمكن القول به بيقين أن الصبر في ميزان الحكماء والعارفين ليس حرمانا ولا عجزا، بل هو الوقود الذي يبقي السائر ماضيا في طريقه، مهما اشتدت وطأة الطريق.

المصدر: الجزيرة